أخبار عاجلة
الرئيسية » معلومات عامة » حنظلة بن صفوان وخالد بن سنان: نبيان بين عيسى ومحمد أم من بعض أساطير العرب؟

حنظلة بن صفوان وخالد بن سنان: نبيان بين عيسى ومحمد أم من بعض أساطير العرب؟

بعكس ما قد يعتقد البعض فإن فكرة “النبوة” لم تكن بعيدة عن فهم العرب قبيل ظهور الإسلام، فجزيرة العرب عرفت فيما عرفت من أديان كلاً من اليهودية والمسيحية، فضلًا عن الحنيفية.

ولكن رؤية العرب لـ”النبوة” كانت متداخلة بعض الشيء مع “الكهانة”، ولهذا فإن بعضهم قد احتار في فهمها عند أول تعامل مباشر معها خلال بداية عهد النبي محمد، فدار الجدل بينهم حول ما إذا كان شاعراً أم مجنوناً أم كاهناً.

بالتالي، فإن تسلل بعض القصص لأنبياء مجهولين في الفترة بين النبي عيسى والنبي محمد إلى تراث المسلمين، هو أمر غير مستغرب.

وفقاً للحديث المنسوب للرسول محمد: “أنا أولَى الناس بابن مريم-يعني عيسى-والأنبياء أولاد علات (أي أمهاتهم تختلف وأبوهم، المقصود به النبي إبراهيم، واحد) وليس بيني وبينه نبي”.

يصنّف المشتغلون بعلم الحديث هذا الحديث باعتباره “صحيحاً”، وبه يقر المسلمون بأن الفترة بين نبوة كلّ من عيسى ومحمد كانت بلا أنبياء. وأي شخص ظهر في تلك الفترة ومارس دعوة الناس للخير أو التوحيد للإله فهو “رجل صالح” أو “وليّ” أو قد يعادل “القديس” في المسيحية، لكنه ليس نبياً.

رغم ذلك فإن بعض كتب التراث حملت قصصاً عن نبيين كانا في تلك الفترة هما حنظلة بن صفوان وخالد بن سنان العبسي، وربطت كلاً منهما ببعض الخوارق في حياته بل وبعد موته. فمن هما ولم نعيد النظر في تواريخهما اليوم؟
حنظلة بن صفوان بين “أصحاب الرُس” والعنقاء

في القرآن الكريم يرد ذكر “أصحاب الرس”، ومن معاني “الرُس” في اللغة “البئر” ويقال “رسّ البئر” أي “حفرها” و”رس الميّت” أي “دفنه”.

يحدد البعض موضع “أصحاب الرس” في “اليمامة” شرق الجزيرة العربية بين الحجاز والخليج العربي، بينما قال غيرهم أنها في اليمن عند حضرموت، وآخرون ذهبوا لأنها في أذربيجان.

تقول القصة أن حنظلة بن صفوان هو نبي قد بُعِثَ لقوم من “ثمود” ممن نجوا من الإهلاك.

وكان الله قد خلق العنقاء على عهد موسى وجعلها تتغذى على الحيوانات حول بيت المقدس، وكانت عملاقة ذات وجه بشري ولها أربعة أجنحة وعنق طويل ملون وهيئة مهيبة.. فلما مضي زمن موسى هاجرت إلى بلاد العرب وعاشت على جبل بجوار البقية الباقية من ثمود.

وكانت العنقاء تتغذى على طيور الجبل، فلما أتت عليهم جميعاً هبطت وصارت تختطف الأطفال وتذهب بهم بعيداً ولهذا سُمِيَت “عنقاء مُغَرِب” (التغريب هو الإبعاد)، فشكا الناس ذلك إلى حنظلة.

فدعا حنظلة الله أن يريحهم منها، فأرسل الله عليها صاعقة أحرقتها وانقطع نسلها.

ثم أن قوم حنظلة لم يؤمنوا به رغم ذلك، واعتدوا عليه فقتلوه و”رسّوه” أي دفنوه، فأهلكهم الله.

كما روى البعض أن حنظلة بن صفوان كان نبياً أرسله الله للعرب في عهد الملك البابلي نبوخذنصر (بختنصر في المصادر التراثية)، فلما كفروا به سلط الله عليهم نبوخذنصر ليقتلهم كما فعل ببني إسرائيل، ولكن تلك الرواية تجعل من مبعث حنظلة قبل عيسى بقرون.

ويعلق ابن كثير على ذلك بقوله أن حنظلة بن صفوان وغيره قد يكونوا أناساً صالحين دعوا الناس لعمل الخير فاعتبرهم البعض أنبياء.

إذاً فقد ربط أصحاب تلك الروايات عن حنظلة بن صفوان بين كائن العنقاء الخرافي، الذي عده العرب ثاني المستحيلات بعد الغول وقبل الخلّ الوفي، والذي استوردته كذلك الثقافة العربية من الثقافتين الفينيقية والمصرية القديمة.

هذا من ناحية، والرغبة، من ناحية ثانية، في إشباع الفضول حول بعض غوامض القصص القرآني مثل “أصحاب الرُس”، وكذلك فقد حاولوا أن يجعلوا للعرب أنبياء كما كان لبني إسرائيل مثلاً.

خالد بن سنان العبسي: أكثر من رواية لشخصية مثيرة

“النبي” الآخر هو خالد بن سنان العبسي، وهو كما يبدو من نسبته ينتمي لقبيلة عبس الشهيرة.

المثير في قصته هو أنّ بعض من رووها جعل لها بُعداً “تأكيدياً” يتمثل في ذكرهم أن ابنته قد عمّرت طويلاً حتى وفدت على الرسول محمد وهي عجوز فبسط لها رداءه لتجلس عليه، وقال لها “أهلاً بابنة نبي ضيعه قومه”.

وأن تلك الابنة حين سمعت “قل هو الله أحد” قالت “كنت أسمع أبي يتلو هذه السورة”، أي أنهم قد انتقلوا من منطقة “الرواية غير المؤكدة” إلى محاولة إضافة تأكيد ديني في شكل حديث يُنسَب للرسول محمد بل ونزول قرآن عليه يؤكد سورة كان يتلوها خالد بن سنان.

فما هي قصة هذا الرجل الذي وصفوه بأنه “نبي” و”ضيعه قومه”؟

تقول الرواية الشائعة أن بني عبس كان قرب أرضهم شق في الجبر تخرج منه نار سائلة تُدعَى “نار الحَرتين “(الحَرَّة هي الحجارة البركانية السوداء)، وكانت تلك النار تسيل لمسافة ثلاثة أو أربعة أميال فتحرق كل ما يواجهها. وكان خالد بن سنان نبياً فيهم وكان أول نبي من نسل النبي إسماعيل.

فشكا منها القوم فأخذ خالد من كل بيت من عبس رجلاً ثم توجه إلى ذلك الشق، فسالت النار وأحاطت به ومن معه فقالوا “هلكت والله أشياخ عبس”.

فقال “كلا” وصار يضرب لسان النار بدُرّة (الدرة هي نوع من العصيان) وهو يقول “بدا بدا كل هَدي يؤدَى” حتى دخل لسان النار في الشق فدخل خالد وراءه وغاب فقال أحدهم “لا أرى خالداً يخرج إليكم أبداً” فخرج وهو ينطف عرقاً وقال “كذب ابن راعية المَعزى زعم أني لا أخرج”.

خبأ عند زوجته لوحين مكتوب بهما كل ما يسأل عنه من علم، وأوصى قومه أن ينبشوا قبره، بعد ثلاث ليالٍ، ليخرج لهم حياً فيخبرهم بما سيكون إلى يوم القيامة

وحين حضرته الوفاة قال لقومه أن يدفنوه في بعض كثبان الصحراء، وأوصاهم أن يراقبوا قبره، فبعد ثلاث ليالٍ سيرون بعيراً أبتر (مقطوع الذيل) يطوف بقبره، فعندئذ ينبشوا قبره ليخرج لهم حياً فيخبرهم بما سيكون إلى يوم القيامة.

فلما دفنوه ومرت الليالي الثلاث وجدوا البعير الأبتر يطوف بالقبر، فأرادوا نبشه فمنعهم ابنه وقال “إذاً يعيرني الناس ويقولون أني ابن المنبوش” فامتنعوا عما أرادوا.

فلهذا يقال عنه أنه “نبي ضيعه قومه”.

ويقول الجاحظ في كتابه “الحيوان” إنّ بعض المتكلمين قالوا بنفي نبوة خالد بن سنان لأنه من الأعراب وأن النبوة لا تكون إلا في أهل الحضر.

ورواية ثانية تقول أنه حين دخل إلى شق الجبل الذي تخرج منه “نار الحرّتين” قال لقومه “إن غبت فلا تنادوني باسمي” فلما غاب ناداه بعضهم بـ”يا خالد” فخرج يتفصد عرقاً وقال لهم “ألهم أنهكم عن ذلك؟ قتلتموني والله، فادفنوني حتى إذا مرت بكم الحُمُر رأيتم حماراً أبتر فانبشوني أخرج لكم حياً”.

فقال بعضهم لبعض بعد دفنه “لا تنبشوه فتقول العرب أنكم تنبشون موتاكم”، ولهذا أيضاً قيل أن قومه قد ضيعوه.

وتضيف تلك الرواية أنه قد أخبر قومه قبل موته أنه قد خبأ عند امرأته لوحين مكتوب بهما كل ما يسألون عنه من علم، ولكنه لا تمسه حائض، فطلبوا منها إخراجهما، فلما مستهما وكانت حائضة ذهب ما فيهما من علم.

وتنتهي الرواية بأن ابناً معمراً لابن سنان ذهب إلى الرسول محمد فرحب به قائلًا “أهلًا بابن أخي”.

ويعلق ابن كثير على قصة خالد بن سنان بأنه ربما كان رجلاً صالحاً له كرامات (وليّ) ولكنه ليس نبياً لوجود أحاديث نبوية تنفي أي نبوة بين عيسى ومحمد.

جدير بالذكر كذلك أن بعض الرواة قد دمجوا قصتي حنظلة بن صفوان وخالد بن سنان فجعلوا العنقاء قد ظهرت عند قوم عبس فشكوا منها لابن سنان فدعا الله فأهلكها.
قصة خالد بن سنان كرواية أسطورية

في هذه الرواية الأسطورة عناصر عدة. فـ”نار الحَرتين” هي، من وصفها، حمم بركانية، وهو أمر وارد في جزيرة العرب التي عرف تاريخها الجيولوجي البراكين (بالمدينة منطقة اسمها “الحرّة” نسبة للحجارة البركانية السوداء) بل وثمة أحاديث دينية تتحدث عن أن من علامات يوم القيامة نار تظهر بالحجاز، وهي غالباً بركانية.

إذاً فواقعة تعرض بعض العرب لخطر نيران بركانية هو أمر وارد.

أما باقي القصة فهي مما يزدحم به القصص الديني من ارتباط معجزات بعض الأنبياء بعناصر الطبيعة كانشقاق البحر أو الرياح القاتلة أو الطوفان المدمر أو غيرها من المعجزات. فذكر أن رجلاً يقال أنه نبي قد استطاع “ترويض الحمم” هو أمر غير مستغرب في سياق القصص الديني.

أما باقي القصة وأجواء “نبش الميت ليعود حياً” و”الإخبار بما يجري إلى يوم القيامة” أو “الألواح التي تحتوي علم كل شيء”، فهي مألوفة كذلك.

فالميت في الثقافة الجاهلية يتجمع دم دماغه فيخرج منه طائر “الهامة” الذي يصيح كل ليلة “إسقوني” حتى يؤخذ ثأر صاحبه لو كان قتيلاً، وقصة بعث الميت ليحدث قومه فيها تأثير من القصة اليهودية لقتيل بني إسرائيل الذي ضربوا جثته بجلد البقرة فاستيقظ ودل على قاتله. 

أو ربما تأثير واضح لقصة القيامة بعد ثلاثة أيام.

والألواح تشبه فكرة ألواح موسى. ومجرد فكرة “الإخبار بالغيب” تعبر عن الفضول البشري والرغبة في استطلاع المستقبل والتحسر على تلك الفرصة الضائعة، تلك الرغبة التي انعكست على ممارسة العرب الكهانة قبل الإسلام واستمرار ممارسة “العَرافة” بعده.

نلاحظ أن القراءة الإسلامية لقصة موسى والخضر ومفارقة هذا الأخير له لكثرة سؤاله تحمل أحياناً بعض التحسر على إضاعة موسى فرصة معرفة ما سيكون إلى نهاية الزمان.

خالد بن سنان العبسي إذاًً لم يكن مجرد “قصة لنبي سابق” كقصة حنظلة بن صفوان وإنما كان ترجمة لعناصر قصصية متناقلة، امتزجت فيها وقائع سابقة محتملة الوقوع مع أسئلة ملحة لا تفارق المجتمعات والشعوب.

في القصص الديني الذي يمكن أن نصفه بأنه “متفق عليه” بين المشتغلين بالعلوم الدينية كالتفسير والحديث، ثمة ذكر لأنبياء عرب مثل هود المبعوث لعاد وصالح المبعوث لثمود وهم ممن يوصفون بأنهم من “العرب البائدة”، أما “العرب الباقية” فلم يورد القصص الديني أي أنبياء منهم.

ولكن الروايات التراثية جعلت لهم مكاناً فيها في كتب مثل “عرائس المجالس” للثعلبي النيسابوري وغيرها من كتب الرواة التي يصفها المشتغلون بعلوم الأحاديث والتفسير بأنها “تمتلئ بالروايات المدسوسة غير الموثوقة”.

ويبقى أنّ حالتي “حنظلة بن صفوان” و”خالد بن سنان العبسي” تستحقان الدراسة في إطار محاولة فهم وتحليل الموروث العربي القديم بشكل عام.

مصادر:كتاب الحيوان، الجاحظ؛ البداية والنهاية، ابن كثير؛ مروج الذهب ومعادن الجوهر، المسعودي؛ عرائس المجالس، الثعلبي النيسابوري؛ موسوعة أساطير العرب، د.محمد عجينة؛ المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د.جواد علي؛ أطلس القرآن، د. شوقي أبو خليل.

المصدر: رصيف 22