أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » يحيى العريضي : هل انتصر الأسد على “شعبه”؟

يحيى العريضي : هل انتصر الأسد على “شعبه”؟

ليس هناك من وصفة تحدد لحاكمٍ كيف ينتصر على شعبه؛ وخصوصا عندما تكون الدكتاتورية طريقه الوحيد للسلطة؛ فالمسألة ليست كُتَيّباً بعنوان “كيف تتعلم الإنكليزية في أسبوع؟”؛ ولا “كيف تتعامل مع مريض السرطان؟”؛ هذه قضية أمضى حافظ الأسد جلّ عمره يدْرسها ويمارسها؛ ولكن فِي النهاية لم يهزمه إلا الله. هزم اللهُ حافظَ الاسد ثانيةً، عندما ابتلى الوريث بتنفيذ وصايا الأب، ولكن الابن فعلها بشكل مشوه، فأخرج أباه من قبره ليُلعَن، ثم حشره به مرة أخرى لتكون اللعنة الأبدية.

أبقى حافظ الأسد المخابرات تحت حذائه، عبر جعل كل واحد منهم يراقب الآخر، ويتصيّده؛ ولكنه جعل مجرد ذكر المخابرات يشكّل حالة رعبٍ عند الشعب. ابنه غيّبهم بداية؛ فكان السوري في بداية عهد هذا الابن يشعر وكأن دورهم ينحسر؛ وإذ بهم في حالة كمون، تهدف إلى استرخاء المجتمع وإرخائه كي يسهل كشفه وتحديد معالم البطش به بـ (إتيكيت) ورعب بارد تجلى أخيرا بتصفية أي عسكري من “حماة الديار” إذا تمنّع عن إطلاق النار على السوريين المنتفضين. تألق عمل هؤلاء من خلال “زيارة” كل معتقل إلى فروعهم المتنوعة وإشرافهم على عمليات الاختطاف والاعتقال والتعذيب في المعتقلات. فكانوا بذار الذراع المرعبة التي تجاوزت “سيد الوطن”. وفي النهاية المأساوية لسورية وأهلها، يحملون وزرَ جلِّ ما حدث؛ لقد كانوا اليد الطولى في خنق سورية و”رئيسها” الابن أيضاً.

السياسة في “سورية الأسد” أسدية فقط. عند خروج السوري على قراءة الصفحة السياسية
الأسدية يتحوّل إلى نشاز، إن لم يخرج كلّياً من الحياة؛ فخروج السوري على صفحة شريعة الأسد هي نتيجة “مؤامرة” و”إرهاب”. في سورية الخروج على شريعة الله أخفّ من الخروج على “الشريعة الأسدية”. من هنا، جاءت أوامر أحد عناصر الشبيحة لسوريٍّ يعذبه: (قل “لا إله إلا بشار”). ذلك الرفض السوري استلزم البراميل والصواريخ واعتقال مئات الآلاف وتشريد الملايين؛ وحتى دعوة الاحتلال ليؤدب ذلك السوري “الإرهابي” الخارج على طاعة “الإله”.

في الاقتصاد، احتكر الأب كلَّ شيء، لكن بحكمة “الكهين” الجاحد الذي أقنع أهل سورية بأن البلد محاصَر؛ والمؤامرة الدولية تسعى إلى تجويعه. ثلاثون عاما لم يعرف السوريون أن لديهم ثروة نفطية؛ وما دخلت ميزانية البلد إلا شكلياً. كان صمت السوريين سيد الموقف و”بقناعة” يكللها الخوف، بعد أن عرفوا ما حدث لعضوٍ في مجلس الشعب ذكر “عائدات النفط”. طبعاً “التحرير والصمود والتصدي والتوازن الاستراتيجي” كانت الحجج الدامغة لابتلاع الخمير والفطير. في “العهد الجديد” استمر الأمر، ولكن زاد في الطنبور نغماً جابي الأموال ابن الخال مالك أو شريك كل ليرة يمكن أن تجنيها سورية. إذا كان حافظ قد خطط لتحقيق نصره على الشعب السوري بالسيطرة على الوطن والمواطن، وما يملك عقلياً وروحياً؛ فوريثه ومنظومته أرادا السيطرة على ذلك كله، إضافة إلى ما يملك السوري مادياً وعيشياً. من هنا، قالوا إن حافظ كان “زاهداً”؛ لكن جشع منظومة الوريث ضيّع السيطرة الكاملة؛ فكانت خسارة كل شيء.

في الجانب الاجتماعي والديني ضمناً، أحدث الأب تهتكاً في منظومة المجتمع الأخلاقية من خلال اختياراته للأحطّ تربية وأخلاقاً؛ وحمّل كلاً منهم سجلاً حافلاً بالمعاصي والخطايا والارتكابات، ليسهل عليه دعسهم. والأمر ذاته جرى تطبيقه في قطاع الدين، ليتحول هؤلاء إلى “مشايخ السلطان”، لتحليل المحرَّم وتحريم المحلل. كما كانت الطائفية الأداة البغيضة المهلكة التي تسري كالنعاس في ثنايا مجتمع مهلهل. أتى الابن، وكان ذلك القطاع مخرّباً؛ فما كان بحاجة إلى جهدٍ لأي “تحسين” أو تخريب فيه؛ ليكون ذلك أحد أسرار الغليان المجتمعي الذي ساهم بصرخة الانعتاق السورية، والانتفاضة على المنظومة الاستبدادية بكليتها.

الاٍرهاب سلاح استفادت منه منظومة الأسد أكثر ما استفادت منه إسرائيل. ضيعت الأخيرة حق الفلسطينيين باستخدام إرهاب الدولة واتهامهم بالإرهاب، ولكن المنظومة الأسدية طورت إرهاب الدولة إلى منظومة رعب حاكمة، تقرر مصير السوري بالخوف الذي أدخلته بجيناته. أصبح رعب السوري ملازما لعيشه كما التنفس. أضحى الوطن زنزانة جماعية، والمعتقل في رأس كل فرد وروحه.

حصر العامل الخارجي بثلاث قوى؛ رتّب حافظ الأسد أموره معها بشكل متوازن. كان الروس مغرمين بالأ
سد الأب، على الرغم من رقصه على حبلي الغرب والشرق معاً؛ إلا أنهم أتوا لنجدة الأسد الابن لهمهم الخاص بالمطلق. فالابن بالنسبة لهم لا لون ولا رائحة ولا مصداقية له؛ وهم الآن يبحثون عن صفقة مناسبة لبيعه.

هللت إيران لقدوم بشار الأسد بعد أن كان حافظ قد ضبط إيقاع العلاقة معها. استبشرت بوضع اليد على عاصمةٍ عربيةٍ رابعة. خبرت إيران انتفاضة الشعب على حاكم جائر، وسبل قمع ذلك والانتصار عليه؛ فوعدت بشار بذلك متطلعةً إلى وضع يد نهائي على عاصمة الأمويين. ما كان أمام منظومة الأسد من خيار لينتصر على شعبه؛ فكانت طلائع حزب الله جاهزة؛ والحرس الثوري تدبر قدوم مليشيات القتل، ليقودوا معركة انتصار المقاومة والممانعة على الشعب السوري. وهنا انتصرت إيران على الشعب السوري؛ وخسر بشار سورية. وعندما استلزم الأمر محاولة استعادة سورية، تم استدعاء الروس؛ فخسرها ثانية للروس، وتلخبط مخطط إيران. كان الأب المؤسس للاستبداد قد أوصى بوضع اليد في الجيب الروسية، والقلب بجيب الغرب. وهكذا كان انتصار حافظ على الشعب السوري. وها هو، وإيران، وحتى روسيا؛ يخسرون سورية لأميركا وحلفائها. وما أمامهم إلا الرضى ببعض فتاتها أو الخروج الكلي. ويبقى شعب سورية صاحبها الأصل. وما كان حافظ ليفعل أياً من هذا. وهنا يقتل الابن أباه مرة أخرى.

على الرغم من أن حافظ الأسد كان الأقرب إلى إسرائيل، إلا أنه رسم صورة الأبعد والأكثر عداءً لها بين العرب؛ فهو صاحب جبهة “الصمود والتصدي” و”المقاومة والممانعة”. حمل وريثه “الأمانة” وبدقة، على الرغم من أن تصريح رامي مخلوف قد فضح القضية عند بدء الانتفاضة السورية، عندما قال ما معناه (أمن سورية يعني إسرائيل)؛ ولكن الإخلال الكبير بالوصايا الأبوية كان بالعلاقة مع العرب؛ فالتوازن الذي أوجده الأب في العلاقة مع إيران والعرب تفلتت من أيدي الابن، واتضح الخلل؛ وجيّش بعض العربان عليه. ومع ذلك، لم يتمكن هؤلاء من تعكير نصره على شعبه؛ إلا أنه لم يجعل نصره حاسماً؛ والنصر غير الحاسم في هذه الحالة هزيمة.

نجح حافظ الأسد باستخدام السياسة والاقتصاد والاجتماع والطائفية والإرهاب والمخابرات وإيران وإسرائيل، إضافة إلى وسائل لا حصر لها في هزيمة شعب سورية ولثلاثة عقود متوالية، وظن أنه بهذه الأدوات الجبارة يمكن لكل ذريته أن تحكم سورية أبدياً. هزمه سلاح الموت؛ ولكن الأدوات ذاتها هي التي هزمت وريثه. غبي أي حاكم يتصوّر أنه ينتصر على شعب.

يحيى العريضي



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع