أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » قصص الولادة في الملاجئ والأنفاق.. من ذاكرة نساء الغوطة الشرقية

قصص الولادة في الملاجئ والأنفاق.. من ذاكرة نساء الغوطة الشرقية

ورد مارديني – ريف دمشق – تقرير

دخلت نور إلى غرفة المخاض، بالتزامن مع أحداث الغوطة الشرقية الأخيرة، ما زاد أوجاعها أضعاف مضاعفة، فهي لم تتخيل نفسها يوماً أنها ستلد جنينها في ملجأ تحت الأرض، في ظل الحملة العسكرية الأخيرة للنظام على الغوطة الشرقية، التي انتهت بتهجير السكان قسرياً إلى الشمال السوري.

وصلت نور منذ شهر إلى مدينة إدلب، ووصفت لموقع الحل السوري ما عانته خلال ولادتها في الملجأ “كنت أنظر دائماً إلى سرير طفلي الأول، الذي اشتريته مع زوجي عندما دخلت شهري الثامن من الحمل، وزينته له بالألعاب الصغيرة، ووضعت فيه ملابسه التي انتقيتها بيدي، وركزت فيها على أدق التفاصيل، وكل شيء كل جاهزاً في مخيلتي”.

وأردفت “عندما بدأت الحملة العسكرية الأخيرة للنظام على الغوطة الشرقية، كنت في منتصف الشهر التاسع من حملي، وصمَّمت على البقاء في منزلي بالطابق الثاني، إلا أن صاروخاً غادراً من الطيران الحربي، استهدف البناء الذي كنت أقطن فيه، بعد ثلاثة أيام من الحملة، واضطررت للهرب مع زوجي إلى أحد الملاجئ في منتصف الليل”.

“هربتُ وتركتُ في منزلي كل أحلامي التي اختصرتها بسرير طفلي، وتركت ذكرياتي التي عشتها في كل زاوية من منزلي، ولم أستطع أن آخذ معي إلى الملجأ، سوى هوية تثبت شخصيتي.. وصلنا إلى الملجأ وبدأتُ أشعر بأوجاعٍ مؤلمة، ظننتها تشنجات من شدة الخوف الذي رافقني خلال الطريق، فالقصف لم يتوقف لحظة واحدة، والسماء كانت تشتعل ناراً مع كل غارة جوية، أو برميل متفجر، لكن الأوجاع استمرت لأكثر من ساعة، وآهات وجعي بدأت تعلو، وتُسمع بوضوح في الملجأ، رغم وجودي مع أكثر من 100 شخص، فتجمَّعت النساء حولي، وأخبروني أنها آلام ما قبل المخاض، وهنا كانت الصاعقة بالنسبة لي” تروي نور.

شعورٌ بالقلق والخوف سيطر على نور، وزاد من أوجاعها، وبدأت تصرخ (أمي) مع كل آه، وهي تعلم تماماً أن أمها لن تأتِ، وربما لن تراها لأيام، من شدة القصف المكثف على الغوطة الشرقية.. فاستسلمت نور للقدر، وذكرت لموقع الحل ما جرى لها بعد 5 ساعات من الوجع المتواصل “حاولنا الاتصال بأحد الأطباء لكنه كان مشغولاً مع الجرحى، فأرسلَ لنا قابلة، وجهزوا لي غرفة في الملجأ، أغلقوها بستائر قماشية، وعندما وصلت القابلة أخبرتني أن الموعد قد حان لولادتي، وأدخلتني إلى الغرفة التي سألد فيها، وبدأ كل من في الملجأ يدعو لي بالتيسير”.

ثم أردفت، “اختلطت مشاعر الخوف والألم، فلم أكن أعرف، هل أنا خائفة من القصف؟، أم أنني خائفة من الولادة؟، وهل أنا أتألم من شدة البرد؟، أم من آلام المخاض؟، ما كنت أعرفه فقط أنني أحمل أوجاع الدنيا كلها في تلك الغرفة المظلمة الباردة”.

نور مثال واحد عن مئات الحوامل اللواتي أنجبن خلال الحملة العسكرية الأخيرة للنظام على الغوطة الشرقية، حيث برز دور الأطباء بشكل كبير، وتحمّلوا أكثر من طاقاتهم، خاصة بعد استهداف النظام لأكثر من 80 % من النقاط الطبية خلال الأسبوع الأول من الحملة.

الطبيب بكر أبو إبراهيم، المسؤول عن مشفى التوليد في مدينة سقبا بالغوطة الشرقية، قال لموقع الحل السوري، إن الطيران الحربي ركّز بقصفه على المشافي، خاصة مشافي التوليد “نحن كنا نتوقع ذلك، فجهزنا مشافٍ تحت الأرض لاستيعاب الجرحى، وأنشأنا قسماً للتوليد”، وأضاف الطبيب، إن “حركة النساء الحوامل كانت صعبة جداً، خاصة أن الطريق إلى المشفى عبارة عن عدة أنفاق موصولة ببعضها، لذلك قمنا بالتنسيق مع عدة قابلات، وزوّدناهن بالأدوات الأساسية للولادة الطبيعية، ووزعناهنّ على أحياء المدينة”.

وأشار الطبيب إلى أن الولادات لم تتوقف يوماً واحداً في الغوطة الشرقية، وقدّر عددها في مدينة سقبا بحوالي 40 ولادة أسبوعياً، يقول “جهزنا غرفة خاصة للولادات القيصرية، واستمرينا بعملنا حتى وصول جيش النظام إلى مشارف مدينة سقبا، رغم النقص الكبير في الأدوية والمعدات الطبية”.

ولفت الطبيب إلى أن حالات الإجهاض تكررت بشكل كبير عند النساء الحوامل، بسبب الخوف والرعب، والتنقل المفاجئ هرباً من القصف، وسوء التغذية، بالمقابل “أخرجنا عدة أجنة على قيد الحياة، بعد استشهاد أمهاتهن جراء القصف”.

المصدر: الحل السوري



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع