أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » خط بغداد-برلين… القطار الذي غيّر خريطة الشرق الأوسط

خط بغداد-برلين… القطار الذي غيّر خريطة الشرق الأوسط

في تشرين الأول من عام 1889، وصل القيصر الألماني فيلهلم الثاني إلى ميناء إسطنبول. استُقبل وهو ينزل من على متن سفينته هنتسوليرن على وقع 21 طلقة من مدفعيات سفينتين عسكريتين رافقتاه من ألمانيا، وترانيم نشيد الإمبراطورية البروسية تصدح في العاصمة العثمانية.

كان الهدف من الزيارة تعميق علاقات الصداقة بين الإمبراطوريتين، والمصير المشترك في السياسية والجغرافيا. وقد عبّر مشروع ربط بغداد ببرلين بسكة حديدية عن كل ذلك وأكثر، في إشارة إلى تعزيز المنافع الاستراتيجية بين تركيا السلطانية وألمانيا الإمبراطورية.

المشروع الطموح الذي روّج وتحمس له قيصر ألمانيا “الحاج غليوم”، كما أطلق عليه العرب والمسلمون، كان يفيض بمؤشرات العلاقة الحميمة البادية بين حليفين جديين، والموجهة ضد أخصام المستقبل.

استمرت زيارة القيصر المشرقية مدة ستة أسابيع تجوّل خلالها في أنحاء بلاد الشام لتزداد حماسته إلى تنفيذ مخططه، ممارساً ضغطاً هائلاً على المصرف الألماني العريق دويتشه بنك الذي أوكلت إليه مهمة التمويل. حتى أن الرئيس التنفيذي للمصرف غيورغ فون زيمنس، المتردد نظراً إلى المخاطر الكبيرة المحيقة بالمشروع، وقف عاجزاً أمام ضغوط القيصر، ليقول كلمته الشهيرة: “إلى الجحيم بهذا الامتياز وبقطار بغداد”.

خطط المهندسون الألمان لمد سكة حديدية طولها ألف وستمئة كيلومتر، تربط إسطنبول ببغداد ومنها إلى البصرة على شط العرب، ما يعني ربط الشرق الأوسط بالقارة الأوروبية، وبالتالي وصول الألمان إلى بغداد والخليج وإلى درة التاج البريطاني، الهند.

وقد أغضب هذا الأمر الإنكليز، بالرغم من إظهارهم مباركتهم الأولية للمشروع، إذ إن التقارب العثماني الألماني كان يخدم أهدافاً سلطانية، ما يبرر الاستياء الإنكليزي والفرنسي منه.

لم يكن التطوير والتحديث بعيداً عن نهج السلطان العثماني عبد الحميد الثاني. يُسجَّل له إدخال آلة التلغراف إلى أراضي السلطنة لأول مرة. أما هذا المشروع، فكان يمثل فرصة للإمبراطورية العثمانية للحاق بركب الدول الصناعية، إذ كانت تشكو من تخلف كبير في قطاع النقل، وتحديداً نقل البضائع والقوات العسكرية من شرق الإمبراطورية إلى أرجاء أخرى منها، والذي كان يتطلب أشهراً عديدة. هذا بالإضافة إلى العنوان الحداثي الذي يمثله المشروع، عنوان ودعاية كان الباب العالي في أمس الحاجة إليهما، إذ كانت الصحف الأوروبية تتحدث كثيراً عن تخلف رجل أوروبا المريض (الدولة العثمانية) يومها.

وفي عام 1903، انطلقت الأعمال في المشروع. حينها واجه المهندسون الألمان تحديات وعقبات كبيرة في التنفيذ. فالتخطيط شيء والتنفيذ شيء آخر. ووجد المشرفون أنفسهم على متن جمال يجوبون الجبال والأودية لاستكشاف المناطق والطرق المناسبة لمرور خط السكة، باحثين بين التضاريس الصعبة عن أفضل المسارات. يكفي انتصاب جبال طوروس أمامهم والذي يناهز ارتفاعه الثلاثة آلاف وسبعمئة متر، ناهيك عن الأودية والأنهار الملتوية.
جسر خشبي للسكة فوق نهر الفرات 1900-1910

وقابل المهندسون تحديات المشروع بمثابرة ألمانية معهودة مستخدمين التفجير لحفر الأنفاق وهندسة الجسور لإزالة العقبات، ومتحدين كبرياء الجغرافيا. إلا أن حركة التاريخ أضافت إلى المصاعب مصاعب لا يمكن الالتفاف حولها بالمتفجرات. وقطار الشرق السريع كما سُمّي وقتها استغرق بناؤه 37 عاماً.

لا شك في أن خط برلين-بغداد امتياز عثماني أعطي لألمانيا، وأفادها سياسياً واقتصادياً، بالرغم من أنها حيلة لإسطنبول لتدمير صلات بريطانيا وفرنسا مع مستعمراتها في الهند والسويس، عن طريق خلق خط مواصلات برّي موازٍ وأقل تكلفة. وأثار هذا الامتياز الغضب الأنكلوساكسوني والفرنكفوني ودفع الإنكليز والفرنسيين إلى محاربة التحايل العثماني والألماني.

هكذا، انطلق رجال يرسمون حدوداً بألوان عرقية ودينية وبفرشاة المصالح على أرض العرب، ليسجلوا أسماءهم في صفحات التاريخ. منهم لورنس ومكماهون ووايزمان وبلفور وسايكس وبيكو، ولكي لا ننسى، الليدي غيرترود بيل.

أزاح المشروع الستار عن صراع سياسي يلعب على مسرح أوروبا. إنها إرهاصات الحرب الكونية الأولى. وفي خضم تسارع الأحداث استمرت أعمال التنفيذ.

ثم في عام 1908، قامت ثورة تركية طورانية أجبرت السلطان على التنحي. هي ثورة حزب الاتحاد والترقي، وكانت تحت شعار ما تلقفوه من الثورة الفرنسية (حريات، عدالات، مساوات، أخوات)، أو كما يقول محمد حسين زيدان: “إن الشعار لم يكن إلا عن عنعنات وسبيل إلى السلطة فقط، فلا حرية في البلقان ولا عدالة للأرمن ولا مساواة مع العرب ولا أخوه مع مصر بصورة خاصة”.

على الأثر، أعلن الاتحاديون التعاون مع ألمانيا بصورة أكبر حين ابتعثوا ضباطهم للتعلم في بلاد الرايخ. وأطل رؤساء الحكومة الاتحادية بحلتهم الجديدة. خلعوا حلة الخلافة الإسلامية ولبسوا حلة أناضولية تركية. على رأس الحكومة كان طلعت باشا، ومعه أنور باشا وعمه خليل باشا وجاويد وجمال باشا والي دمشق وفخري باشا والي المدينة المنورة.

أبرزوا كلهم الوجه الطوراني بشراسة، وجه لا يمارس السلطة بقواعد القرن العشرين، وبلغ أثره أقصى الدرجات في العالم العربي من تتريك وترحيل واعتقال وقتل. وكأنه زلزال شق الأرض والأنفس والأمل.

انتفض العرب وتحركوا. ثورة في الحجاز يقودها شريف مكة. وثورة في النيل يتزعمها عرابي مصر. وعاصفة في صحراء الجزيرة العربية إمامها ابن سعود. وبطريرك الموارنة في جبال الأرز راح يتفاوض مع الفرنجة على استقلال لبنان الكبير. كل يدفع باتجاه، ومشروع القطار المزعوم يدفعهم في نفس التوجه: إسقاط الدولة العثمانية.

كل ذلك والسباق لنيل الحكم الذاتي انتهى مبكراً بالنسبة إلى الكرد، ليغدوا قومية تعيش التشتت على أرضها، وإلى اليوم. والأرمن خرجوا من المنافسة بمجزرة كانت كافية لإقصائهم عن حلمهم القومي لأجيال عديدة. هي لعبة الأمم التي أرخت بظلالها من وسط آسيا في أفغانستان مروراً بالشرق الأدنى ووصولاً إلى البلقان.

وعند انتهاء أعمال بناء السكة عام 1940، وجد المشروع نفسه في عالم آخر، عالم تغيّرت معه الخريطة السياسية والاجتماعية. حينها لم تعد هناك إمبراطورية عثمانية، فقد حوّلها الزعيم أتاتورك إلى تركية وحوّل معها إسطنبول إلى أطلسية. وبغداد لم تعد من تلك الإمبراطورية، وإنما عاصمة للملك فيصل بن الحسين ملك العراق، وبرلين ولندن وباريس وباقي مدن أوروبا كانت تعيش الحرب الكونية الثانية.

والحجاز مع نجد وملحقاتها صاروا في عهد جديد قديم. ودخل بر الشام مع جبل لبنان في فلك الأم الحنون فرنسا. أما مصر، فوجدت أن المساكنة بينها وبين المحتل الإنكليزي أفضل ترتيب. وخرجت فلسطين بعدها من تحت أقدام العرب كهدية ليهود أوروبا، هدية فرنجية تعويضاً عن معاناة قوم فرنجي أشكنازي، تعويض عن ظلم مزعوم لا علاقة للعرب والأتراك والشرق كله فيه.

المهم، المشروع أنجز والقافلة سارت.

قد يزعم البعض أن التاريخ أكثر اتزاناً، وأنه أثقل من أن يحرّكه مشروع نقل، وأن الإمبراطورية العثمانية كانت آيلة إلى السقوط لا محالة. كلام دقيق. غير أن الأكيد هو أن مشروع سكة حديد بغداد-برلين عجّل بالسقوط. إنه مشروع الموت للدولة العثمانية في رأي الكثير من المؤرخين.

خط سكة حديد برلين-بغداد هو السبب في موت رجل أوروبا المريض. والسبب أيضاً في ولادة دول جديدة. وقطار الشرق السريع، الذي اتسعت شهرته وأصبح عنواناً لكتاب الروائية الإنكليزية الشهيرة أجاثا كريستي، هو القطار الذي غيّر مسار البشر والحجر ومعه الفكر، للعرب على الأقل.

المصدر: رصيف 22