أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » من الچاي إلى الأتاي… عن الشاي وطقوسه في بعض البلدان العربية

من الچاي إلى الأتاي… عن الشاي وطقوسه في بعض البلدان العربية

مع رائحته، يبدأ صباح كثيرين وينتهي مساؤهم. يُرافق الفقراء في أوقات أعمالهم المضنية، والأغنياء في جلساتهم بعد أن تُضاف إليه منكهات، وهذه كلها طقوس تتنوع بين بلد وآخر، وقد تختلف بحسب ساعات النهار والأشخاص والأماكن.

كُتبت له أبيات شعر عدة، منها:

لئن كان غيري بالمدامة مولعاً فقد ولعت نفسي بشاي معطرِ

إذا صب في كأس الزجاج حسبته مذاب عقيق صب في كأس جوهرِ (أحمد الصافي النجفي)

وهنالك أغانٍ تتغزل بلونه وصفائه وشربه في أوقات لا تنسى:

خدري الجاي لمن أخدره… وشلون أصفي الماي وشلون أفوره… (يطلب من سيدة إعداد الشاي، لكنها وإذ تفتقد حبيبها الذي اعتادت شرب الشاي معه تجيب: لمن سوف أعده؟).

https://www.youtube.com/watch?v=fktdND acfQ

الشاي مشروب انطلق من الصين منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، واسمه باللغة الصينية “شا”. وحول اكتشافه، تقول إحدى الأساطير إن أوراقاً من هذه النبتة وقعت في كأس ماء ساخن كان يرتشفه الملك شينوق، ليلاحظ تغير لون الماء وطعمه ويستسيغه.

وتحكي أسطورة أخرى أن راهباً بوذياً سقطت جفونه بعد سنوات أمضاها وهو يتأمل أحد الجدران، وعند ملامستها الأرض تجذرت فيها ونمت على شكل شجيرات. من هنا، تبدأ حكاية الشاي الذي قلما يخلو منه منزل أو مدينة في العالم.

لنذهب في رحلة نتعرف من خلالها إلى أنواع من الشاي وطقوسه في عالمنا العربي. قد نجد كلمات عامية ومحلية لا بد من ذكرها لتكتمل النكهة ولنشتمّ الرائحة ونحرق أطراف شفاهنا ونحن نرتشف هذا المشروب الساخن عند تقديمه.
العراق: الچايخانه والقوري والاستكانة والشكردانة

يعتبر الشاي (الچاي) المشروب الشعبي الأول في العراق، إذ قلما يخلو اجتماع أو جلسة منه، وهو يستهلك في الصباح بدلاً من القهوة، وبعد تناول كل وجبة.

ولا بد لكل من زار العراق وسار في شوارعه أن يلاحظ زوايا وأماكن مخصصة لشرب الشاي في كل حي تقريباً، يطلق عليها اسم الچايخانه نسبة إلى اسم المشروب باللهجة العراقية (حيث يلفظ حرف چ كحرف ش).

وللشاي العراقي طرائق في إعداده، هي بمثابة “سر الصنعة” في الچايخانه، حيث تخلط أنواع عدة من أوراق الشاي، يكون بعضها معطراً. وقد تضاف إلى الخلطة منكهات مثل الهال أو ماء الورد، وفي أحيان، القرفة.

أما التحضير فيتم بطريقة “التخدير”، إذ تضاف خلطة الشاي إلى الماء الفاتر أو الساخن في الإبريق الذي يسمى باللهجة المحلية “القوري”، ثم يترك ليتخمر على السماور (وعاء معدني يستخدم خصوصاً لهذا الغرض) ويصبح مركّزاً جداً. بعد ذلك، تملأ الكأس (أو الاستكانة باللهجة المحلية) إلى نصفها شاياً ثم ماءً ساخناً، والاستكانة هي الأداة التي يغلب استعمالها لتقديم الشاي العراقي بدلاً من الأكواب أو الفناجين.

يحب العراقيون بشكل عام شرب الشاي وهو ساخن جداً. قد تصاب بالذهول وأنت ترى عراقياً ينهي استكانة الشاي خلال عشر ثوانٍ! ولا تستغرب إن رأيت آخرين لا يستطيعون شربه ساخناً للغاية، وهم يلجأون إلى صب جزء منه في الصحن الموضوع تحت الكأس ومن ثم ارتشافه في انتظار أن يبرد ما تبقى.

ولتحلية الشاي حكاية أيضاً. العراقيون يحبون الشاي حلواً، ويخصصون وعاءً لوضع السكر يطلق عليه اسم “الشكردان” (والشكر هو السكر باللهجة المحلية).

ولا يُذوّب السكر داخل الاستكانة وإنما توضع قطعة أو مكعب من السكر تحت اللسان ويشرب الشاي المر من دون تحلية، وهي طريقة متبعة منذ القدم، إذ اعتاد العراقيون استخدام كتل من السكر محضرة يدوياً للشاي، تطورت مع الزمن لتأخذ شكل مكعبات.

تقول إحدى الطرائف الشائعة في العراق إن عدد النساء اللواتي يمكن الرجل أن يتزوجهن خلال حياته يوازي عدد مكعبات السكر التي يشرب الشاي معها، لكن حذارِ أن تشرب الشاي في العراق من دون سكر، لأنه يعني أنك لن تتزوج على الإطلاق!

مصر: شاي منه فيه… منه لله!

أصناف الشاي في مصر متشعبة، وهو في رأي الشاعر المصري الراحل أحمد فؤاد نجم من أهم النباتات التي خلقها الله للإنسان وأجملها.

أكثر أنواع الشاي المصري شهرةً: الأحمر أو الكشري، وهو شاي الشرّيبة ذوي المزاج العالي، لا يُغلى في المقهى إنما يوضع في كوب مع ماء ساخن فلا يتغير طعمه ولا يفقد قيمته بالغلي.

وتشتد درجة لونه أي تركيزه في مناطق عدة حتى يصل إلى السواد كما في الصعيد، ويطلق عليه في أحيان “الحبر”. الفريسكا، وهو الشاي الخفيف مع سكر زيادة. الجنايني مع النعناع الذي يقطف من الحديقة (نتذكر هنا أغنية محمد منير “نعناع الجنينة”). البوستة أو سكر بره، وهو الشاي المنفصل عن السكر. والميزة، ولعله سمي بذلك لتميزه نتيجة إضافة اللبن إليه، ويختلف عن الشاي باللبن الصافي الذي لا يضاف إليه الماء، فيطلق عليه “شاي منه فيه”، وهذان النوعان هما المسموح بهما للأطفال.

يعتبر الشاي في مصر مشروب الضيافة الأول، بخاصة بالنسبة إلى الشخص الغريب أو المسافر، ويجب أن يكون ثقيلاً ومشبعاً بالسكر. وفي أوقات العمل، هو رفيق عمال البناء والدهان والخشب وغيرهم من مزاولي المهن الشاقة التي تتطلب مهارات يدوية، والحاضر الأول في استراحاتهم ووجبات طعامهم.

إياك أن ترفض شرب الشاي عندما يُقدّم لك في مصر، لأنه إهانة كبيرة لمقدمه ويعني عدم ثقتك في نظافته.
قطر والخليج: شاي الكرك

إن زرت قطر يوماً فلا بد أنك سمعت بشاي الكرك، الذي يتكون من الحليب المبخر وورق الشاي والماء.

على الرغم من أن منشأ الشاي هو الهند، وقد دخل قطر وبلداناً كثيرة في الخليج العربي كالإمارات والبحرين والأجزاء الشرقية من السعودية نتيجة التبادل التجاري البحري مع الشرق، فإنه يعتبر أساسياً اليوم في قطر، ولا يكاد يخلو مكان أو زمان منه، بخاصة المناسبات الوطنية والتقليدية كاليوم الوطني، إذ بات هذا المشروب معبراً عن الثقافة القطرية.

يحضر الكرك بطرائق عدة، فهناك مَن يحبه ثقيلاً مع الحليب، ومَن يفضله خفيفاً فيزيده ماء. وللسكر المضاف إلى الشاي بضعة طقوس، فهناك مَن يضع السكر مع الحليب حتى يغلي، وهناك مَن يفضل السكر جانباً.

وهنالك إضافات أخرى إلى الكرك باتت شائعة، كالهال والزعفران وماء الورد، حسب الرغبة. ومن الممكن تناول خبز الشباتي معه، وهو طعام مستورد من الهند، مكوّن من الخبز بالزيت ويمكن أن يضاف إليه البيض أو الجبن.

تطور الشاي في قطر من مشروب شعبي موجود في أبسط الكافيتيريات إلى مشروب فاخر لا تخلو منه المقاهي الراقية. هذا التطور ترافق أيضاً مع بروز مصطلح جديد في البلاد: اللون الكركي. إنه لون شاي الكرك: ليس بالبني ولا بالأصفر ولا بالأبيض، وإنما مزيج من هذه الألوان جميعها.

الأردن

يقدم الشاي في الأردن في غالبية المنازل، بخاصة في المناطق الريفية، وتوضع الأباريق فيها على النار على مدار الساعة، إذ يُرتشف الشاي في جميع الأوقات، بعد وجبات الطعام وأثناء النهار. كما يعتبر من أهم المشروبات التي تقدم للضيوف.

وفي المقاهي، يُقدم نوعان من الشاي بشكل أساسي: الشاي الصب أو البخار وهو الشاي الذي يترك ليغلي على مهل، ثم يصب في كؤوس، والشاي الكشري أو العادي، الذي يحضّر بوساطة ماء مغلي وأوراق شاي معبأة في مظروفات.

ويختلف الإقبال على كلا النوعين وفق المنطقة وأذواق رواد المقاهي. ففي الأماكن الأكثر شعبية، والتي يرتادها على الأغلب الرجال يُطلب الشاي الصب بكثرة، في حين أن الشاي العادي قد يكون أكثر شيوعاً في المقاهي الفخمة، والتي تتفنن بإضافات إليه كالهال والقرنفل والميرمية وقشر البرتقال.

وهنالك مقاهٍ استوحت طريقة إعداد البدو الرُحل للشاي على الرمل الساخن، فبدأت تحضير الشاي بهذه الطريقة وتقديمه إلى روادها.

يعتقد الأردنيون أن أنسب فصل لشرب الشاي هو الصيف، إذ يساهم في زيادة التعرق، وبالتالي يمنح الجسم برودة.
بلدان المغرب العربي: الأتاي صديق الصحراويين

يختلف الشاي في تونس والمغرب والجزائر عن نظيره الرائج في بلدان المشرق العربي، سواء في طريقة تحضيره أو طقوسه أو معانيه وارتباطاته الاجتماعية. وبشكل عام، يطلق عليه “الأتاي”، ويعتبر المشروب الأساسي لمن يعيشون في الصحراء ورفيقهم في حلهم وترحالهم.

إن قُدمت لك كؤوس الشاي الثلاث في بلد من المغرب العربي، فإياك أن ترفض، لأنه تصرف ينم عن عدم الاحترام

إحدى أغنيات فرقة “تيناروين” (وهي مجموعة موسيقية من طوارق الصحراء الأفريقية) تقول: “شربت كأس شاي فأطفأ نار قلبي”.

يقدم الأتاي مع الأكل وأيضاً بعده، ويكون حلواً بشكل عام ويحضر من الشاي الأخضر وتضاف إليه أنواع من الأعشاب، في مقدمها النعناع والشيبة والقرفة والبابونج والهال والزعتر.

بعد غسل أوراق الشاي ببعض الماء المغلي، توضع في الإبريق المخصص، ويدعى “البراد” لتغلي مع الماء والسكر. وتختلف وسائل الغلي بحسب المكان، فهي الجمر في الصحراء، والمواقد في المدن.

ومن أشهر طقوس شرب الشاي في هذه البلدان طريقة “الكؤوس الثلاث”، إذ يجب على شارب الشاي ارتشاف ثلاث كؤوس منه، الكأس الأولى هي الأقل تركيزاً، والأخيرة مركزة، ويقال إن من يشربه يعجز عن النوم ليلة كاملة.

ولتقديمه أوانٍ خاصة تتنوع حسب درجة الغنى، كالصينية والإبريق الفضيين والكاسات الملونة لدى الطبقات الميسورة، والأباريق العادية والكاسات الصغيرة لدى الشريحة الشعبية. ويسكب في الكؤوس من علو مرتفع قليلاً لتكوين رغوة.

إن قُدمت لك كؤوس الشاي الثلاث في بلد من المغرب العربي، فإياك أن ترفض، لأنه تصرف ينم عن عدم الاحترام.

المصدر: رصيف 22