أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون دولية » بوادر لي ذراع بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين بخصوص طهران

بوادر لي ذراع بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين بخصوص طهران

مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء الثلاثاء الماضي، انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران رغم معارضة البلدان الأوروبية، وخصوصا إعلانه إعادة فرض العقوبات الاقتصادية والتجارية السابقة على طهران، والتحضير لعقوبات إضافية تطال كل الشركات المتعاملة معها، بدأت تلوح في الأفق علامات «حرب» اقتصادية بين واشنطن والعواصم الأوروبية خصوصا فرنسا وألمانيا وبريطانيا.
وفي هذه الحرب تريد البلدان الأوروبية الدفاع عن مصالح شركاتها، ولكن أيضا توفير «الضمانات» التي تطالب بها طهران من أجل البقاء داخل الاتفاق وعدم الانقياد وراء من يطالب بـ«إحراقه» بعد أن عمد الرئيس ترمب إلى «تمزيقه».
وتعني هذه الضمانات، وفق الرؤية الإيرانية، استمرار الشركات الأوروبية في التعامل مع إيران أكان ذلك صفقات تجارية أم شراكات اقتصادية أم استثمارات متنوعة. وهذه «الضمانات» أشار إليها المرشد الإيراني علي خامنئي، الأربعاء الماضي، وشدد عليها الرئيس حسن روحاني في الاتصال الهاتفي مع الرئيس ماكرون في اليوم نفسه. وطالب روحاني بأن توفر هذه الضمانات «سريعا» مقابل أن يفعل «ما بوسعه» من أجل إقناع الإيرانيين بعدم الخروج من الاتفاق رابطا ذلك بأن يضمن «المصلحة الوطنية» الإيرانية.
من هذا المنطلق، تبدو أوروبا قادمة على عملية «لي ذراع» مع واشنطن المتسلحة بقوانينها التي تريد تطبيقها على كافة الشركات أكانت أميركية أم غير أميركية وعلى الأراضي الأميركية وخارجها.
وقال وزير الخارجية الفرنسي في مقابلة صحافية أمس إنه «ليس للأوروبيين أن يدفعوا ثمن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق الذي ساهموا بأنفسهم بإبرامه». مضيفا أن باريس تقول للأميركيين إن «التدابير العقابية تعنيهم هم لكننا نعتبر أن تشريعاتهم التي تتجاوز الحدود الإقليمية لا يمكن قبولها».
وتريد باريس التفاوض مع الجانب الأميركي ليست منفردة ولكن في الإطار الأوروبي وهي تتوقع أن تكون المناقشات مع الطرف الأميركي «شاقة». ولن يذهب الأوروبيون إلى المفاوضات «صفر اليدين» بل متسلحين بمجموعة من التدابير الجماعية التي تخضع للتشاور فيما بينهم في الوقت الحاضر وستكون على رأس جدول أعمال وزراء الخارجية الثلاثة لدى اجتماعهم يوم الثلاثاء القادم في بروكسل برئاسة «وزيرة» خارجية الاتحاد فيديريكا موغيريني وذلك قبل الاجتماع المرتقب مع نظيرهم الإيراني محمد جواد ظريف في اليوم نفسه.
وقال لودريان الذي بدا عاقد العزم على مواجهة حادة مع واشنطن: «إنه يتوجب علينا كأوروبيين أن نبلور التدابير الضرورية التي من شأنها أن تحمي مصالح شركاتنا وأن نتفاوض مع واشنطن بخصوصها».
وبنظر الوزير الفرنسي، فإن الأوروبيين بحاجة إلى «قوة جديدة» من أجل مواجهة واشنطن لا بل إلى نوع من «الاستقلالية الاستراتيجية» التي أشارت إليها المستشارة الألمانية في الخطاب الذي ألقته في مدينة أكس لا شابيل بحضور الرئيس الفرنسي يوم الأربعاء الماضي. وبحسب ميركل، فإن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى سياسة خارجية موحدة التي وصفتها بأنها «ضرورة وجودية» من أجل أن «يمسك الأوروبيون مصيرهم بأيديهم».
لكن لا ميركل ولا لودريان أوضحا ما تعنيه حقيقة «الاستقلالية الاستراتيجية» وما إذا كان المقصود بها الخروج من العباءة العسكرية الأميركية أو أن يعود القرار الاقتصادي إلى الأوروبيين بمعزل عما تقرره واشنطن. وبهذا الخصوص، أشار لودريان إلى أن الأوروبيين «لا يريدون القطيعة» مع الشريك الأميركي بل يسعون إلى أن تكون لهم «استقلالية الحركة» داخل الحلف الأطلسي.
وقد سعى وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير أمس إلى إعطاء مضمون عملي لمبدأ «الاستقلالية» الذي ليس جديدا في سياق الجدل على ضفتي الأطلسي. وقال الوزير الفرنسي إنه دعا نظيريه البريطاني والألماني إلى اجتماع أواخر الشهر الحالي للبحث في التدابير التي من شأنها مواجهة الإجراءات الأميركية وتمكين الأوروبيين من المحافظة على مصالح شركاتهم وفي الوقت نفسه توفير «الذخيرة» للرئيس الإيراني للبقاء داخل الاتفاق. كذلك سيعقد الوزيران لودريان ولومير اجتماعا الثلاثاء القادم مع الشركات الفرنسية الرئيسية العاملة في إيران مثل إيرباص وبيجو ورينو وبويغ ودانون… للتشاور.
ما يريده لومير هو توفير، كما ورد في حديث صحافي مع إذاعة «أوروبا رقم واحد» أمس هو «السيادة الاقتصادية الأوروبية» إذ تساءل: «هل نريد أن نكون أتباعا للولايات المتحدة أم نريدها شرطي العالم الاقتصادي؟». وبرأي لومير، فإنه «حان الوقت للانتقال من الأقوال إلى الأفعال» بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن مصالحها.
وكشف لومير أنه اتصل بنظيره الأميركي ستيفان منوشين ليطلب منه «إعفاءات» للشركات الأوروبية للاستمرار في تواجدها في إيران أو إعطاءها «مهلا إضافية» لتدبير أمورها في هذا البلد.
وكانت واشنطن قد أمهلت كافة الشركات المتواجدة في إيران ما بين 3 إلى 6 أشهر لتسوية أوضاعها قبل البدء بتطبيق العقوبات بحقها فيما ستفرض العقوبات فورا بالنسبة للعقود الجديدة. وتعاني الشركات الكبرى مثل توتال أو إيرباص ورينو وبيجو من اتساع حضورها على الأراضي الأميركية وبالتالي فإنها ستكون مضطرة للمفاضلة ما بين استمرار تعاملها مع إيران والقطيعة مع أميركا إضافة إلى فرض عقوبات مالية عليها.
عمليا، أفاد لومير أن الأوروبيين يعملون على بلورة ثلاثة مقترحات لمواجهة الضغوط الاقتصادية والمالية الأميركية فضلا عن العقوبات. والمقترح الأول هو تفعيل قرار أوروبي اتخذ في العام 1996 الذي يصون الشركات الأوروبية من عقوبات قادمة من وراء الحدود أي من الطرف الأميركي. والقرار المذكور اتخذ لحماية الشركات المذكورة التي كانت راغبة في التعامل مع كوبا الخاضعة وقتها لنظام المقاطعة الأميركي. أما المقترح الثاني فقوامه أن يعمد الأوروبيون إلى بلورة «الوسائل المالية لتوفير الاستقلالية بالنسبة للولايات المتحدة». إلا أن لومير لم يفسر مضمون مقترحه وما إذا كان يعني بذلك التخلي عن العملة الأميركية في التعامل مع إيران لكي لا تقع الشركات المعنية تحت طائلة القوانين الأميركية.
وأخيرا، يطرح الوزير الفرنسي فكرة أن يقوم الاتحاد الأوروبي بإنشاء مكتب متخصص في متابعة نشاطات الشركات الأميركية في الخارج على غرار ما هو موجود في واشنطن بحيث يتبع الأوروبيون مبدأ المعاملة بالمثل. وخلاصة الوزير الفرنسي هي أن للأوروبيين «مصالح اقتصادية ونريد الاستمرار في العلاقات التجارية مع إيران في إطار اتفاق استراتيجي وهو ما نعتبره الطريق الصحيح الذي نريد أن نكمل فيه».

المصدر: الشرق الأوسط