أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » حسين العلي… وجرأة معهودة

حسين العلي… وجرأة معهودة

حسين العلي، إنسان بسيط بطبعه، لطيف بأخلاقه، ودود بتعامله. أراد العم أبو علي يوماً، وهو فلاح أباً عن جد، أن يدفع بواقع قريته وأن يخفّف العبء عن كاهل أهلها بحل مشاكلهم بجهوده الخاصة عندما تقدم بطلب إلى أحد مسؤولي المحافظة التي يقيم فيها، ويتضمن واقع القرية، وسوء آلية التخديم فيها.

ومن حسن حظ العم أبو علي، أنه سبق وأن تعلّم القراءة والكتابة في سنّ مبكرة على يد أحد حفّاظ القرآن الكريم مع عددٍ من أقرانه، وهو، إضافة لذلك، إنسان متزن بطبعه… وإذا تحدث أبهر كل من حضر جلساته، والتي تقرأ فيها عمق أفكاره، وسلاسة أسلوبه، ونظرته الثاقبة إلى أبسط الأمور وحبّه الحياةَ.

وهو الرجل المتفائل بما تدرّ عليه أرضه من خيراتها الوفيرة في مواسم الحصاد في كل عام، على الرغم من مساحتها الضيّقة.

سأله المدير المسؤول، عن ماهية طلبه الذي تقدم به لأحد رؤساء الأقسام في مؤسسة المياه، وقال له: وما أدراك يا عمّ أن ورشات الصيانة لم تقم بدورها حيال إصلاح خط مياه الشرب المكسور، فقد أوعزت منذ صباح أمس الأول إلى عمّالنا بإصلاح العطل، وأعلموني بأنه وضع في الخدمة، وهو يعمل الآن، وبشكلٍ جيد… أرجو منك أن تأخذ ورقتك هذه، فالمشكلة التي جئت بها، حلت!

استغرب العم أبو علي رد المدير المسؤول على طلبه، وهو يعلم تماماً أن المعضلة لا تزال قائمة حتى صباح اليوم، قبل مغادرته القرية والركوب في باصاتها المهترئة، وتوجهه إلى باب المؤسسة.

قام العم من على كرسيه، بعد أن شرب كأساً من الشاي الأحمر، وقال للمدير المسؤول: أستغرب ما قلته لي يا أستاذ. ما أعلموك به عمالك غير صحيح، ويمكنك التأكد من ذلك مرةً أخرى. إذا سمحت، الحال لا يُطمئن، والحاجة إلى المياه في هذا الوقت بالذات، تدفعني إلى أن أطلب منكم التأكد من الإخوة العمّال الذين قاموا بإصلاح خط المياه، كما ذكرت لي.

تجهّم المدير، وتطلّع بحنق إلى حسين العلي، نظرات فيها ازدراء وتعالٍ وأستذة لم يسبق للعم أبو علي أن لمسها في يوم ما، من قبل المديرين الذين طالما يعرف أغلبهم، ويتردد عليهم بصورةٍ مستمرة، لا سيما وأنه هو المعني بمتابعة قضايا قريته، وتأمين احتياجاتها.

هكذا هي عادته، وأهل القرية، التي تمتد على مساحة شاسعة وعدد سكانها يتجاوز العشرة آلاف إنسان، يثقون فيه كل الثقة، وهو القائم على حل مشكلاتهم أياً كانت.

تفرّس العم في وجه المدير المكفهر، ولم يستطع حبس أنفاسه وكبت غضبه، وهو العارف بخفايا الكثير من المسائل، وألاعيب الموظفين والتي لم تعد تنطلي على أحد.

وقف صامتاً، متحجّراً في مكانه، وقال له: أعرف طلباتكم، إلا أنني لا أملك المقدرة على دفع ما تريدون، وسأنقل شكواي إلى المسؤول الفلاني، وسوف يتخذ بحقك وبحق عُمالك الإجراء المناسب!

فوجئ المدير بردّ العم أبو علي، وهو رد قاس، ولا يمكن أن ينطق به إنسان ساذج من عامّة الناس، ولكن، وكما يبدو، هذا الإنسان، يعرف “البير وغطاه”، وإرضاؤه لا بد منه، لأنه كشف الكثير من أوراقنا، وعندها لا يمكن أن نخلص من “الورطة” التي وقعنا فيها.

هذا ما دار في ذهن المدير المسؤول، وتابع: من الأفضل حل مشكلته، وبسرعة، وإلا سيفضح أمرنا، وسينقل ما شاهده إلى المسؤولين في الإدارة المركزية، أو إلى المحافظ.

استدار المدير من خلف طاولة المكتب، وحاول إرضاء العم أبو علي، رغماً عنه، بالاستئناس به وتكريمه التكريم الذي يليق، بعد أن سمع منه ما سمع، وأنه سينقل شكواه إلى مسؤول مهم له شأنه، وهذا ما جعل المدير يغيّر من صورته تجاهه، ومن نبرة صوته، وإنما أراد أن يُفهِمه بأن الخطأ هو خطأ العمّال، وليس خطأه. فقال له: أرجو منك يا عم أن تسامحني، ومشكلتك ستحل خلال يومين اثنين فقط على الأغلب.

تنفّس الفلاح حسين العلي الصعداء، وقال له: أخيراً فهمت عليّ يا أستاذ، فأنا متأكد من أن خط المياه لا يزال مكسوراً، وبحاجة إلى اهتمامكم، وأهل القرية يشكرون جهودكم لحاجتهم الضرورية إلى المياه في هذه الفترة من فصل “القيظ”.

التفت إليه المدير المسؤول، وقال له: اطمئن يا عمّ، مشكلتك سأتابعها شخصياً، وسأكلّف بعض العاملين في قسم الصيانة، وعلى الفور، بمعالجتها، وقد تستمر يومين. ادعوا لنا بالخير، ونحن دائماً في خدمة الناس الطيبين من أمثالكم… أرجو منك أن تفهم مقصدي.

ودّعه العم أبو علي مسروراً بما سمعه منه، وبعد مرور يوم واحد من زيارته، عادت مياه الشرب المقطوعة عن القرية لأكثر من أسبوعين، ولم يخلص الفلاح حسين العلي من أهالي قريته الذين بادروا بزيارته وفرحوا جداً بعودة المياه إلى مجاريها، ولم يكفوا عن الدعاء له بطول العمر، وهذا ما أعاد البسمة والفرح من جديد إلى قلب أبو علي الفلاح المتواضع البسيط الذي تمكّن، وبأسلوبه المرن، وجرأته المعهودة، من أن يسدي خدمة لم يكن بإمكان أحد من وجوه القرية أن يقوم بها.

عبد الكريم البليخ