أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » عندما خرج ياسر من المعتقل وهو يهذي

عندما خرج ياسر من المعتقل وهو يهذي

بالتزامن مع تصاعد وتيرة الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية المناهضة لنظام الاستبداد، والمطالِبة بالحرية والكرامة، تصاعدت الحملات الأمنية المكثفة لمختلف الأجهزة الأمنية، وارتفعت وتيرتها على نحو ملحوظ، قبل التظاهرات والاعتصامات وخلالها، وبعدها، ولم يسلم من تلك الحملات شابٌّ ولا شيخ ولا امرأة ولا طفل، فكل من تصادف وجوده في مكان التظاهرة أو قريبًا منها كان عرضة للاعتقال، وقد شكّل الناشطون والناشطات من الشبان والشابات الهدف الأبرز لعناصر المخابرات الذين كانوا يعتقدون أنهم المحرك الأساس لتنظيم الاحتجاجات والتظاهرات وكتابة الشعارات.

ومع مرور الأيام والأسابيع الأولى على اندلاع التظاهرات المناهضة لنظام الأسد؛ بدأت قوافل المعتقلين والمعتقلات تتدفق تباعًا إلى قصور العدل في كافة المحافظات، ولا سيما في قصر العدل بدمشق، حيث كانت أجهزة الأمن، على مدار اليوم، تُحيل عشرات المعتقلين جماعات وأفرادًا في باصات كبيرة، حتى غصّت بهم نظارة القصر العدلي بدمشق، وارتفعت أعداد الدعاوى الجزائية في محاكم دمشق بشكل كبير جدًا، بما يفوق طاقة القضاة على دراسة تلك القضايا المحدثة على عجل، واستجواب المتهمين فيها، حيث كانت أغلب التهم الموجهة إلى المعتقلين والمعتقلات تتمحور بين توجيه تهمة “إثارة الشغب والحض على التظاهر” لأغلبية المعتقلين، وتوجيه تهم “النيل من هيبة الدولة”، و”نشر الأنباء الكاذبة”، و”الانتساب إلى جمعيات محظورة هدفها قلب النظام وتغيير الدستور بطرق غير شرعية”، إلى الناشطين البارزين من كتّاب ومحامين وصحفيين وسياسيين معارضين. ولم يخلُ الأمر من اعتقال أطفال، نعم أطفال بعمر الورود، بتُهمٍ مختلفة منها المشاركة في التظاهرات وترديد شعارات مناهضة ومسيئة “للقيادة الحكيمة”، وفقًا لما ورد في الضبوط الأمنية.

في مثل هذه الأيام من عام 2014، كنتُ في محكمة الإرهاب بدمشق، وفي أثناء بحثي اليومي المعتاد في سجلات المحكمة عن أسماء معتقلين، ظهر أمامي اسم أحد الأطفال يدعى (محمد) من حيّ الميدان، وقد كُتب بجانب اسمه أنه “محال بتهمة الإرهاب من فرع الشرطة العسكرية”، وقد أسعدني خبر إحالته إلى المحكمة، بعد أن كان أهله يظنون أنه قد مات تحت التعذيب، فأخبرت ذويه على الفور أن ابنهم (محمد) حيّ يُرزق، وقد تمّت إحالة ملفه اليوم إلى محكمة، وخلال أيام قليلة سيُحال ملفه إلى القضاء المدني، لكونه حدثًا، أو يُفرج عنه من قبل المحكمة. مضى أسبوع ولم يُحل محمد إلى المحكمة، وفي اليوم الثامن، ورد ضبط لاحق إلى المحكمة يفيد أن الطفل (محمد) قد “توفي في مستشفى تشرين العسكري، بعد تدهور حالته الصحيّة بشكل مفاجئ”. صُدم الأهل لهذا الخبر المروع، بعد أن جهزوا أنفسهم لاستقباله، وكانت الصدمة الأكبر عندما رفضوا تسليم جثة الطفل محمد إلى ذويه، فتحوّل الفرح إلى حزن وألم شديدين، على فقدانهم ابنهم وحرمانهم من رؤيته حتى وهو ميت.

في مشهد آخر، خلال متابعتي لملف أحد المعتقلين لدى قاضي تحقيق الأحداث السادس بدمشق، طلب مني القاضي أن أحضر مسخرًا للدفاع عن موقوف قاصر يدعى (ياسر) من حيّ القدم بدمشق، فوافقت على الحضور، وما هي إلا دقائق قليلة حتى أُدخل الفتى القاصر مقيّدًا إلى مكتب القاضي الذي أمر بفك قيده، لم يكن يحمل بطاقة شخصية بل “إخراج قيد نفوس” عليه صورته الشخصية، باعتبار أنه بلغ الرابعة عشر من عمره بعد اعتقاله بنحو شهر، سأله القاضي عن السلاح الذي كان يحمله، أجاب ياسر وهو ينظر إلى الأسفل: “يا سيدي، لم يكن معي أي سلاح، بل أوقفني الأمن لأنني كنت أتفرج على تظاهرة”، رد القاضي عليه مستفسرًا: “يعني كنت مشارك بالمظاهرات وعم تهتف ضد القيادة، مو هيك؟”. أنكر الطفل ياسر فعل ذلك، وهنا قال له القاضي “ارفع راسك ولا تخاف، هون ما في ضرب ولا قتل”، لكن سرعان ما خفض الطفل رأسه مجددًا نحو الأرض، فسأله القاضي لماذا تخفض رأسك إلى الأسفل، هل أنت مريض؟ أجاب الطفل ببراءة: “يا سيدي، هيك علموني بالأمن أن أبقي رأسي منخفضًا طوال وجودي في الزنزانة”. قاطعه القاضي بالقول وكم بقيت محتجزًا في الزنزانة؟ أجاب الطفل ياسر: “ما بعرف يا سيدي، كل يللي بعرفه أنه طول الوقت وأنا بالزنزانة يا سيدي”، سأله القاضي: “يعني ما بتعرف أنه صرلك موقوف 52 يوم؟!”، أجاب الطفل: “لا والله يا سيدي، راسي ما عاد جمّع معي وما عدت أعرف شي”.

هنا قرر القاضي إطلاق سراحه. خرج الطفل (ياسر) من مكتب القاضي دون أن يبدو عليه أي شعور بالفرح. خرج وهو يهذي، لا يدري ما يحدث حوله.. لا يعرف أين يتجه.

خرجتُ معه باتجاه الشارع، وأول كلمة نطق بها بعد خروجه من باب القصر العدلي: “يا الله قديش صرلي ما شفت الشارع “، يلتفت يمينًا ويسارًا مندهشًا من منظر حركة الناس والسيارات، وكأنه غير مصدق ما يحصل معه، سألته عن رقم هاتف أهله، فأجاب إنه لا يتذكره، أمسكت بيده باتجاه الجهة الأخرى من شارع النصر، بعيدًا من الناس الذين تجمّعوا لسؤاله عن أقربائهم المعتقلين، فأوضحت لهم أنه لا يتذكر شيئًا، فبالكاد يتذكر اسمه.

سألته مجددًا أيعرف منزل أهله، أم أنه يحتاج إلى مساعدة لإيصاله إلى بيته، أجاب إنه ما زال يتذكر منزل أهله، وهنا أوقفت له سيارة تكسي دفعت لسائقها أجرته مقدمًا، وبدا ياسر متأثرًا من مساعدتي له، فقلت له: “من يصمد في الزنزانة مدة شهر ونصف في مثل عمرك فهو بطل بكل تأكيد، وأنت كذلك بطل يا ياسر..”، فشكرني والدموع تسيل على وجنتيه، وقال لي: “روح يا أستاذ الله يوفقك، لأنك ساعدتني وأنت ما بتعرفني”، ثم انطلقت به السيارة باتجاه منزل أهله. وما زال ذلك المشهد حيًّا في ذاكرتي حتى الآن، رغم مضي سنوات.

محامي وناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان

geroun



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع