أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » ساعتان في مدينة دوما

ساعتان في مدينة دوما

في مدن الحرب، تتراءى الصور المتلاحقة وكأنها بعضها متراكب فوق بعض. تلهث ذاكرتي وراء كل صورة محاولةً أن تضعها في مكانها الصحيح، لكن التلاحق أسرع من ذاكرتي، والتراكب المتعب مع ذكريات قديمة حية يزيد من صعوبة ترتيب أفكاري.

إلى أين تنتمي هذه الصورة؟ لأي عام؟ لأي مشهد؟ لأي طبقة؟ عملية فصل مرهقة ولا متناهية، تدفعني في الأخير للاستسلام، وكتابة ما رأيته بعد ظهر اليوم خلال زيارتي مدينة دوما بغوطة دمشق الشرقية دون ترتيب وتصنيف.
مشهد 1

تختلف نظرات الأطفال هناك بين طفل وآخر. ليس بالضرورة أن يبتسم لك الجميع وإن اعتقدت بأنك تلاطفهم. البعض يشيح بوجهه. آخرون يفضلون أن يثبتوا نظرهم في عينيك دون أن يقولوا شيئاً، ودون أن يكون لنظراتهم أي معنى. البعض قد لا يجد ضيراً في أن يرد الابتسامة بأخرى أجمل. لكن، ما إن تخرج كاميرتك للتصوير، حتى تلاحقك العيون المذهولة. ويلحق بك عشرات الأطفال طالبين منك أن تصورهم، وحين ترفع العدسة يهرب بعضهم ربما خجلاً أو خوفاً، وسيبتسم قسم منهم، وينضم آخرون للصورة على عجل.

الكثير من الأطفال يذهبون للمدرسة ولم ينقطعوا عنها سوى فترات محدودة. يقولون إن أساتذتهم جيدون، ويستطردون بكل فخر بأنهم سينجحون دون شك ويترفّعون للصفوف الأعلى.

طفل واحد لا يبدو أنه يرغب في شيء. يجلس في شاحنة صغيرة معطلة. عيناه لا تنظران لأي مكان. يقول إن اسمه محمد، ولا يعرف كيف يجيب عندما سألناه: “ماذا ترغب في أن تصبح عندما تكبر؟”. لا رغبة لديه أم لا خيارات؟

 

مشهد 2

يبدو الشباب الأكبر سناً وكأنهم في حال أفضل من الأطفال. يرحبون بالغرباء القادمين من الكوكب الآخر، كوكب “الشام”. يتحدثون باقتضاب عن السنوات الماضية الصعبة، وعن الاضطرار لأكل خبز الشعير وشرب الشاي دون سكر، وعن حياتهم المتوقفة منذ نحو سبعة أعوام. نسألهم: “كيف كنتم تتدبرون أمور معيشتكم؟”. البعض يقول إن المدينة ملأى بالخيرات والمزارع. والبعض الآخر يتحدث عن اضطراره لبيع ممتلكاته كي يتمكن من إطعام عائلته. آخرون يضحكون. “سعر كيلو السكر وصل 17 ألف ليرة. وغرام الذهب كمان 17 ألف ليرة. النسوان باعت الذهب مشان تاكل”.

يلحق بي كثيرون مطالبين بأن أصوّرهم. ألتقط صوراً لشابين معاً، ثم لثلاثة أو أكثر. في إحدى الصور يتجمع أكثر من عشرين شاباً، ويستمرون في مناداة أصدقائهم. وفي صورة أخرى، يفضل شاب أن يتصور وحيداً. لا أدري لماذا. يشكرني ويمضي في طريقه.

يسألونني بعد الانتهاء من التصوير: أين ستنشر الصور؟ أقول إنني سأحتفظ بها لنفسي. يأتي صوت من الخلف: ديري بالك عليها. ديري بالك علينا…

بائعو الغاز يطالبون كذلك بصورة. يصرخ بي أحدهم: “ألا نستحق التصوير نحن أيضاً؟”. يعرضون عليّ كأساً من الشاي، ويشكرونني على “تعبي”.
مشهد 3

الفتيات بدورهن يرحبن بي. يسألنني عن اسمي. تقول إحداهن “اسمكِ جميل. أنتِ جميلة”. يسألنني من أين أتيت. تبدو لهنّ دمشق بعيدة. تخبرني فتاة تدعى زهرة بأنها مشتاقة للذهاب إلى الجامع الأموي وسوق الحميدية، وأتمنى لو كنا شخصيات في مسلسل “أليس في بلاد العجائب”.

أقول لهن: “الحمدلله على سلامتكن”. تجيب إحداهن: “الحمدلله. راح الزلمة وراح البيت وضليت أنا والولاد”. تسأل أخرى هل أستطيع إقراضها نقوداً لتشتري بطاطا. يحاصرنني بالأسئلة، فأنا الغريبة الجميلة التي أعرف كل شيء عن عالمهن وعن عالمي. تلاحقني نظراتهن وأنا أودعهن. تقول مريم: “صار عندك رفقات هون. تعالي زورينا”.
مشهد 4

أب يجرّ كرسياً متحركاً تجلس فيه ابنته التي لا يزيد عمرها عن خمسة عشر عاماً، وطائرة حربية يسمع هديرها بوضوح وهي تستهدف مواقع في الطرف الآخر من المدينة. يصعب على الطفلة معرفة أن الحرب في مدينتها انتهت، وأن للطائرة التي تحلق في السماء اليوم وجهة أخرى مختلفة. تضع يديها على أذنيها بذعر شديد، وتعبر أمامي لأتمنى لو كان بإمكاني أن أهمس لها بألا تخاف، فهي اليوم في أمان.
مشهد 5

تلحق بي امرأة وتصرخ وهي تكاد تبكي: “هلأ أجيتو بعد ما بعنا كلشي معنا؟ بعد ما راح البيت وراح كلشي؟ الله يسامحكم”.

سؤال أخير:

ومن المفارقة أن يطرح عليّ من رأيتهم من سكان دوما، ومن أصدقائي خارجها، السؤال نفسه: كيف شفتي دوما؟ هل عليّ هنا أن أبحث عن صفات؟ هل عليّ مثلاً أن أقول إنني وجدتها جميلة؟ حزينة؟ متعبة؟ مذهولة؟ منهكة؟ سؤال لا أدري الجواب عنه. رأيت دوما ككل المدن الخارجة من حرب طاحنة، تبحث مثلي عن إجابات لأسئلة تدور في رأسها منذ سبع سنوات. أسئلة تأبى أن تستكين أو تصمت.

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

المصدر: رصيف 22



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع