أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » أمر روسي للأسد بإحياء اللجنة الدستورية

أمر روسي للأسد بإحياء اللجنة الدستورية

يشير الاستدعاء الروسي لرئيس النظام السوري بشار الأسد إلى سوتشي في روسيا، مساء الخميس، إلى أن موسكو باتت ترى أن الوقت قد حان من أجل تحريك ملف الحل السياسي في جنيف، بعد أن هيأت الأرضية المناسبة له من خلال تمكين النظام من تأمين محيط العاصمة دمشق والقضاء على كبرى الفصائل في غوطة دمشق الشرقية وتهجير كل المعارضين للنظام منها، بالإضافة إلى حل فصائل المعارضة في ريف حمص الشرقي والاستيلاء على كل المنطقة وتمكن النظام من فتح الطريق الدولي بين حمص ودمشق من دون أي تهديد. هذا ويتزامن الاستدعاء الروسي للأسد مع انتهاء أستانة 9 التي أعقبها ظهور تفاهمات روسية تركية، بما يخص منطقة خفض التصعيد الرابعة في الشمال السوري.

ويبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد طلب خلال اجتماعه بالأسد في سوتشي تغيير موقف النظام السوري تجاه اللجنة الدستورية التي أقرت خلال مؤتمر “سوتشي” الذي دعت إليه روسيا، تحت مسمى مؤتمر “الحوار السوري السوري” والذي عقد في منتجع سوتشي الروسي نهاية شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، وتمّ إقرار اللجنة الدستورية على أن تتكفل الأمم المتحدة بتشكيلها والإشراف عليها بمرجعية القرار الدولي الخاص بسورية رقم 2254. وهي اللجنة التي اتخذ منها الأسد موقفاً سلبياً على الرغم من إرساله أكثر من ألف شخصية للمشاركة بمؤتمر سوتشي بتكليف من قبل الأجهزة الأمنية، غالبيتهم طاولتهم انتقادات حادة لعدم أهليتهم للمشاركة بمؤتمر كهذا، إلا أنه أكد على عدم وجود تمثيل رسمي له. وقد حاول النظام التهرب من مقررات المؤتمر، إذ صرح معاون وزير الخارجية السوري أيمن سوسان، خلال مؤتمر صحافي عقده في دمشق بعد أيام من اختتام المؤتمر، بأنه “كدولة، أي لجنة ليست سورية التشكيل والرئاسة والأعضاء، نحن غير ملزمين بها ولا علاقة لنا بها”.

واعتبر هذا التصريح حينها بمثابة انقلاب للنظام على مقررات المؤتمر، إذ من المقرر أن يختار المبعوث الأممي لسورية ستيفان دي ميستورا أعضاء اللجنة الدستورية من بين قوائم مرشحي المعارضة والنظام التي يجب أن يتقدما بها، إضافة إلى ممثلي المجتمع المدني والخبراء والنساء ومستقلين، ليكون لكل جانب ثلث أعضاء اللجنة، التي لا يزيد أعضاؤها عن الـ50 عضواً، كما أن دي ميستورا سيحدّد أيضاً المعايير الخاصة بأعضاء اللجنة، بحسب تصريح صحافي سابق له. إلا أن الأسد غيّر من موقفه في سوتشي، إذ أكد عقب لقائه الرئيس الروسي التزامه بإرسال قائمة مرشحيه للمشاركة في اللجنة إلى الأمم المتحدة بأقرب فرصة.

وقال بوتين عقب لقاء الأسد: “توصلنا إلى استنتاج مفاده أن وضعاً ملائماً تشكّل اليوم لتفعيل العملية السياسية”، متابعاً أنه “في هذا السياق اتخذ الرئيس السوري قراراً بإرسال وفد لتشكيل اللجنة الدستورية. إن روسيا ترحب بهذا القرار وستؤيده بكل السبل الممكنة، أخذاً بعين الاعتبار الاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال أعمال مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي جرى في سوتشي منذ أشهر عدة”.

من جانبه، ذكر الأسد عقب اللقاء، أنه “قيّمنا العملية السياسية خلال الأشهر الماضية، خصوصاً بعد مؤتمر سوتشي، وبعد جولات عدة لمؤتمر أستانة، وتحدثنا بالخطوات المطلوبة لدفع هذه العملية”، مضيفاً أنه “طبعاً ركزنا بشكل أساسي على لجنة مناقشة الدستور المنبثقة عن مؤتمر سوتشي، والتي ستبدأ أعمالها بمشاركة الأمم المتحدة، واتفقنا الرئيس بوتين وأنا على أن ترسل سورية أسماء مرشحيها لهذه اللجنة للبدء بمناقشة الدستور الحالي في أقرب فرصة”.

وكان البيان الختامي لمؤتمر سوتشي قد أقر مبادئ المبعوث الأممي الخاص بسورية ستيفان دي ميستورا الـ13 التي كان قد طرحها في جنيف سابقاً على النظام والمعارضة، إضافة إلى إقرار تشكيل لجنة دستورية تتكون من وفد للنظام ووفد معارض واسع التمثيل، “بغرض صياغة إصلاح دستوري يسهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 2254”.

وحسب البيان، فإن اللجنة الدستورية ستتكون، بالحد الأدنى، من ممثلين للحكومة وممثلي المعارضة المشاركة في المحادثات السورية السورية وخبراء سوريين وممثلين للمجتمع المدني ومستقلين وقيادات قبلية ونساء. إلا أن دي ميستورا قال حينها إن اللجنة ستضم ممثلين من وفد المعارضة المشاركة في مفاوضات جنيف برعاية الأمم المتحدة، في إشارة الى “هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية” التي قاطعت مؤتمر سوتشي.

وعلى الرغم من تأييد أطراف المعارضة السورية لتشكيل اللجنة الدستورية، إلا أن مصادر معارضة ذكرت، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “المعارضة لم تقدم بعد قائمة بمرشحيها للجنة الدستورية، فما زالت هناك مباحثات في ما بينها حول تشكيل تلك القائمة ونسب التمثيل، فقائمة المعارضة ستضم ممثلين عن المشاركين في مؤتمر سوتشي، وأبرزهم تيار الديمقراطيين السوريين برئاسة هيثم مناع، ومنصة موسكو وعرابها قدري جميل، ومنصة أستانة، المقربان من الروس، إضافة إلى الهيئة العليا للمفاوضات، ووفد الفصائل المسلحة المشاركة في مباحثات أستانة الخاص بالشأن العسكري”.

وبيّنت المصادر أنه “إلى اليوم لم تتضح مهمة هذه اللجنة وصلاحياتها وآليات عملها، بالرغم من أنها وصفت بالإصلاحية، وستتعامل مع دستور عام 2012 الذي أقرّه النظام، إلا أن مفهوم الإصلاح ما زال ملتبساً، ففي حين ينظر النظام أنه سيطاول بعض المواد الثانوية غير المؤثرة في شكل الحكم وصلاحيات رئيس الجمهورية، ترى المعارضة أنه يجب أن يطاول جميع مواد الدستور، تحديداً شكل الحكم وإدارته وصلاحيات رئيس الجمهورية والفصل بين السلطات، الأمر الذي سيغير بنية النظام السياسي في سورية. وهو ما قد يتسبب بصدامات ومشاكل كبيرة خلال عمل اللجنة، ويعطّل عملها أو يقودها للفشل في ظلّ غياب أي رؤية أو فلسفة مشتركة أو قريبة في ما بينهم”.

وأرجع الخبير بالمجلس الروسي للشؤون الدولية، كيريل سيميونوف، تصريحات بوتين بشأن استئناف العملية السياسية، إلى “سعي موسكو لتجنب تجدد أعمال القتال تفادياً لموجة جديدة من التصعيد في العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل”. وأضاف في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أنه “يبدو أن موسكو ستعارض في الفترة المقبلة أي أعمال عسكرية في إدلب، ويمكن الاعتبار أن الأسد فقد السيطرة على هذه المنطقة بشكل مؤقت. لا تريد موسكو تجدد أعمال القتال في درعا أيضاً، لأنها قد تؤدي إلى موجة جديدة من التصعيد في العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك اقترح بوتين التركيز على العملية السياسية”.

وفي معرض إجابته عن سؤال حول ما إذا كانت روسيا تسعى لإعادة إحياء مفاوضات جنيف أو خلق إطار بديل، رأى أن “روسيا تبحث عن إقامة ساحة بديلة للمفاوضات، فبعد انقضاء إمكانيات أستانة بصفتها منصة عسكرية، يبحث الجانب الروسي لتوحيدها مع سوتشي، وفعلياً خلق إطار سياسي جديد للمفاوضات بديل عن جنيف التي لا تناسب الأسد لمنحها صفات متكافئة للنظام والمعارضة”.

بدورها ذكرت وكالة “نوفوستي” أن “عملية صياغة الدستور قد تدوم طويلاً”، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن “قرار الأسد في حد ذاته سيكون خطوة نحو التسوية السياسية”. ونقلت الوكالة عن كبير الباحثين بمركز الدراسات العربية والإسلامية بمعهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، بوريس دولغوف، قوله إن “هذه نقطة هامة، ولكنه يجب القول إن عمل لجنة الدستور هو عملية طويلة، إذ يجب اقتراح دستور جديد أو تعديلات للدستور الحالي وطرحها للاستفتاء”. وأضاف أن “كيفية تنظيم ذلك مسألة صعبة، ولكن قيام القيادة السورية بإيفاد ممثليها للعمل باللجنة، فهذه، بالطبع، خطوة إيجابية تهدف إلى الدفع بالتسوية السياسية للنزاع السوري”.

يشار إلى أن مسألة إصلاح أو تغيير الدستور السوري شهدت خلال السنوات الأخيرة الكثير من المساهمات، إذ قدم الروس مسودة دستور للمعارضة والنظام، شبيه بالدستور الروسي، كما كانت هناك مسودة أميركية غير رسمية، إضافة إلى عقد ورشة عمل موسعة في لوزان لمختلف أطراف المعارضة على مستوى الخبراء، إضافة إلى مسودات عدة قدمها ناشطون سوريون، كالتي قدمها الناشط الحقوقي أنور البني، إلا أن النظام ما زال يمنع في مناطق سيطرته نقل الحوار حول الدستور إلى المستوى الشعبي، مبرراً ذلك بأن أي بحث لتعديل الدستور يجب حصره في المؤسسات الدستورية وفي مقدمتها مجلس الشعب بحسب الدستور الحالي. ومن المرجح أن يقابِل التحرك الروسي بالإملاء على النظام بما يجب عليه القبول به لتحريك مسار الحل السياسي تحركاً تركياً تجاه المعارضة من أجل تهيئة الأجواء لجولة ثانية من مفاوضات جنيف التي أصبح متوقعاً أن يتم استئنافها خلال الفترة المقبلة.

عبسي سميسم ــ رامي القليوبي