أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » طريق دمشق- غازي عنتاب.. عودة علاقات أم مصالح اقتصادية؟

طريق دمشق- غازي عنتاب.. عودة علاقات أم مصالح اقتصادية؟

طريق دمشق- غازي عنتاب.. عودة علاقات أم مصالح اقتصادية؟

يستمر الغموض حول مخرجات الجولة الأخيرة من محادثات أستانة، التي عقدت الأسبوع الماضي، وخاصة فيما يتعلق بإعادة فتح طريقين استراتيجيين، الأول طريق دمشق- حلب الدولي، والثاني طريق حلب- غازي عنتاب التركية، المار من سيطرة فصائل المعارضة المتمركزة في ريف حلب الشمالي، وصولًا إلى الأراضي التركية.

وبعد تسريبات من اجتماع الدول الضامنة لاتفاق “تخفيف التوتر” في سوريا (روسيا، تركيا، إيران) بشأن فتح الطريقين، دارت تساؤلات بشأن كيفية تأمينهما، ومدى الأهمية الاقتصادية للأطراف المتصارعة، سواء للنظام والمعارضة، أو لتركيا الموجودة بقوة في إدارة الشمال السوري، على الرغم من أنه لم يصدر أي تصريحات رسمية بهذا الشأن حتى لحظة إعداد هذا التقرير، كما لا توجد تحركات على الأرض.
تنفس أهالي حلب جراء فتح الطريق

الطريق الأول سيكون أوتوستراد دمشق- حلب، المغلق منذ 2012 نتيجة سيطرة فصائل المعارضة على الغوطة الشرقية لدمشق وريف حمص، وأجزاء من الطريق في إدلب وريف حماة.

وسعى النظام وروسيا إلى فتحه مرارًا عن طريق المفاوضات مع الفصائل دون جدوى، لكن في الشهر الماضي تمكنت قوات الأسد من فتح الطريق في حرستا شمال دمشق وريف حمص الشمالي بعد الاتفاق مع الفصائل والخروج إلى الشمال السوري، ولم يبق سوى الجزء الذي يمر في مناطق المعارضة في إدلب بدءًا من مدينة مورك بريف حماة الشمالي، وهذا الجزء ستتولى دوريات مشتركة (روسية، تركية، إيرانية) عملية تأمينه، على أن تكون مسافة عشرة كيلومترات على جانبيه مؤمّنة بشكل كامل، بحسب ما قاله المستشار العسكري في “الجيش الحر” إبراهيم الإدلبي، لعنب بلدي.

ويعتبر الأوتوستراد من أبرز الطرق الاستراتيجية، وهو يربط العاصمة السياسية (دمشق) والمنطقة الجنوبية بالشمال والعاصمة الاقتصادية (حلب)، وستكون لعودته فوائد اقتصادية لحكومة النظام السوري، إضافة إلى أهمية كبيرة بالنسبة للمواطنين تكمن في انخفاض أسعار المواد الغذائية والبضائع بسبب سهولة نقلها بين دمشق وحلب، بعدما كانت تصل عن طريق أثريا- خناصر غير الآمن، وحينها كانت تحتاج لوقت وتكلفة زائدة.
عملية جراحية لشريان حلب- عنتاب

أما الطريق الثاني الذي يتم الحديث عنه فهو حلب- غازي عنتاب التركية، ويمر من مدينة حلب إلى الريف الشمالي للمحافظة ليدخل منطقة عفرين، التي سيطرت عليها فصائل المعارضة مدعومة من تركيا في عملية “غصن الزيتون”، ويصل إلى اعزاز ثم إلى تركيا عبر معبر باب السلامة الحدودي.

وستكون تركيا، في حال تم الاتفاق على فتح الطريق، مسؤولة عن تأمينه من حدودها مرورًا بمناطق المعارضة وصولًا إلى منطقة دوار الليرمون شمالي مدينة حلب، قبل أن تتولى الشرطة الروسية مهمة الإشراف عليه داخل المدينة.

الباحث في المنتدى الاقتصادي السوري ملهم جزماتي، اعتبر في حديث إلى عنب بلدي أن الطريق استراتيجي وكان شريانًا أساسيًا من شرايين التجارة بين سوريا وتركيا قبل الثورة، وخاصة عقب توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين في 2004 التي تسمح بتدفق البضائع في الاتجاهين وإقامة مشاريع مشتركة، إضافة إلى اتفاقات التوأمة بين تجار حلب وتجار غازي عنتاب، وإعلانهم خلال اجتماعهم في غازي عنتاب في 2009 عن محاولتهم لإيصال حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى خمسة مليارات دولار.
بلغ حجم التبادل التجاري بين سوريا وتركيا في 2004، بحسب نائب رئيس غرفة تجارة دمشق بهاء الدين حسن، 400 مليون دولار، في حين سجل بعد الاتفاقيات مليارين و200 مليون دولار في 2010.

وشكلت سوريا ممرًا للبضائع التركية إلى الأسواق اللبنانية والأردنية والمصرية وأسواق الخليج العربي، إضافة إلى ارتفاع المشاريع التركية في سوريا بنسبة 100% وخاصة في العاصمة الاقتصادية لسوريا (حلب)، إذ شكل المستثمرون الأتراك في المدينة 40% من المستثمرين الأجانب، بحسب بيانات غرفة تجارة حلب.
فائدة مشتركة للأطراف المتصارعة

وحول أهمية الطريق بالنسبة للقوى المتصارعة في المنطقة، اعتبر عضو مجلس إدارة نقابة الاقتصاديين في ريف حلب، محمد بكور، أنه إذا مر الطريق من منطقة المعارضة ثم النظام فإن الفائدة ستكون مشتركة بين جميع الأطراف.

أما عن استيراد وتصدير البضائع في السوق، فإن المناطق المحررة ستكون متضررة، بينما تزيد فوائد النظام وتركيا، لأنهما سيستغنيان عن أسواق المناطق المحررة، التي كانت ممرًا وتلعب دور الوسيط لنقل البضائع عبر التهريب، بحسب ما قاله بكور لعنب بلدي، لافتًا إلى أثر إيجابي على المواطنين في مناطق سيطرة النظام، الذين ستصلهم السلعة بشكل مباشر وقد تكون أرخص وأسرع من قبل.

أما جزماتي، فيعتقد أن فتح الطريق ستكون له فوائد على مناطق المعارضة في ريف حلب الشمالي وعلى مناطق النظام، بسبب ازدهار التجارة ودخول البضائع التركية “بشكل شرعي”.

وأشار جزماتي إلى أن الشركات السورية للاستيراد والتصدير من أكبر الشركات الموجودة في مدينة غازي عنتاب، ومعظمها تقوم باستيراد البضائع التركية أو الأوروبية وتدخل “ترانزيت” إلى مناطق المعارضة السورية، قبل أن يتم تهريبها إلى أسواق مناطق النظام عن طريق دفع أتاوات مالية للحواجز العسكرية، مؤكدًا أن البضائع التركية موجودة في الأسواق المحلية في حمص وحماة ودمشق، لكن فتح الطريق تشريع لوصول هذه البضائع الموجودة سابقًا، ما يؤدي إلى انخفاض تكلفتها على المواطن السوري الذي كان يشتريها بسعر مرتفع كونه يتحمل نفقات الأتاوات.

لكن في الوقت نفسه، اعتبر جزماتي أن هناك خطوات مهمة يجب العمل عليها قبل فتح الطريق، وهي فتح الطرقات بين تركيا ومناطق المعارضة في ريف حلب الشمالي، لأنه إلى الآن توجد صعوبة في تخريج البضائع إلى الريف الشمالي، ووصول التجار السوريين الموجودين في تركيا إليها.
الاتفاق تركي- روسي وليس تركيًا- سوريًا

الحديث عن فتح الطريق لم يقتصر على أهميته الاقتصادية فحسب، وإنما شهد تحليلات تدور في فلك أن فتح الطريق مرحلة جديدة أمام عودة العلاقات بين سوريا وتركيا.

بكور اعتبر أن الطريق سيمهد لعودة العلاقات الاقتصادية التركية- السورية، مشيرًا إلى رغبة دولية في تفعيل طريق التجارة الدولي من سوريا، والمستفيد في هذه الحالة أكثر من دولة لديها مصلحة في التسويق عبر سوريا إلى الخليج.

لكن الاستفادة الاقتصادية ستكون أكبر لتركيا وليس لسوريا، بحسب جزماتي، لأن سوريا لن تصدر شيئًا إلى تركيا بسبب توقف عوامل الإنتاج وتحول البلاد إلى مستهلكة للمواد وليست منتجة، وبالتالي أكبر المستفيدين هم التجار الذي يصدرون إلى سوريا وتصل بضائعهم إلى مناطق النظام.

ويتقاطع ذلك مع ما صرح به وزير الاقتصاد التركي، ظافر جاغلايان، في 2011، بعد تعليق النظام الاتفاقية التجارية مع تركيا، إذ اعتبر أن في ذلك معاقبة من ”الحكومة السورية” لشعبها والصناعيين والمصدرين وأصحاب المشاريع، كون قيمة السلع المصدرة من تركيا إلى سوريا في 2010 بلغت نحو 1.8 مليار دولار، أي بنسبة 10.6% من إجمالي الواردات السورية، في حين بلغت قيمة الواردات التركية من سوريا 553 مليون دولار، أي ما يشكل فقط 0.3% من إجمالي الواردات التركية، وبالتالي المتأثر سلبيًا هم السوريون أنفسهم.

أما استفادة النظام فستكون معنوية فقط، بحسب جزماتي، كونه سيوهم مؤيديه بأنه حقق انتصارًا بفتح الطرقات مع تركيا، في حين أن الاتفاق تركي- روسي، وليس تركيًا- سوريًا.

عنب بلدي – مراد عبد الجليل