أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » 400 عام على حرب الثلاثين عاما.. فترة ذعر طبعت ألمانيا ! تهور وجحشنة القيصر الكاثوليكي ماتياس تشبه تهور وجحشنة بشار

400 عام على حرب الثلاثين عاما.. فترة ذعر طبعت ألمانيا ! تهور وجحشنة القيصر الكاثوليكي ماتياس تشبه تهور وجحشنة بشار

قبل 400 عام بدأت حرب الثلاثين عاما ـ حرب من أجل الدين والسلطة زجت بأوروبا الوسطى في فوضى. واتفاق السلام لعام 1648 قد يقدم تحفيزات لإيجاد حلول لنزاعات معاصرة.

نبلاء بروتستانت يهاجمون في الـ 23 من أيار/مايو 1618 برج براغ. إنهم يطالبون بحرية التدين من والي القيصر الكاثوليكي في الامبراطورية الألمانية، لأن القيصر ماتياس قلص حقوق البروتستانت. وبعد خصام يلقي النبلاء من منطقة بومين، تشيكيا المعاصرة أتباع القيصر من النافذة، ولحسن الحظ نجا هؤلاء الأشخاص من ذلك السقوط بأعجوبة.

وهذا الفعل الثوري الذي دخل كتب التاريخ كسقوط من النافذة قيمه القيصر ماتياس كإعلان حرب. وهو أراد إخماد التمرد البروتستانتي في مهده.!!!!.. وتفجرت حرب الثلاثين عاما التي تسببت في انهيار أوروبا الوسطى بكاملها. وتحولت تلك الحرب بالنسبة إلى ألمانيا إلى صدمة. ” هذه الحرب تركت بدون شك أكثر من حروب لاحقة ـ ربما باستثناء الحربين العالميتين في القرن العشرين ـ آثار عميقة في ألمانيا”، كما اعتبر خبير الشؤون السياسية هيرفريد مونكلير من جامعة هومبولت ببرلين.

توظيف الدين

وأدى مزيج منفجر من الأسباب إلى أن تطور النزاع في منطقة بومين إلى مساحة حريق واسعة لا يمكن التحكم فيها. وفي الوقت الذي أتلفت فيه موجة برد طويلة العديد من المحاصيل الزراعية، انتشر بين السكان اعتقاد بفناء العالم. وقضايا الدين تسببت في نزاعات إضافية: فحوالي مائة عام بعد الإصلاح وانقسام الكنيسة يقف الكاثوليك والبروتستانت في خصومة كبيرة.

وتنضاف إلى ذلك مصالح دنيوية. “الدين تم توظيفه لأهداف سياسية”، تقول إليزابيث فون هامرشتين من مؤسسة كوربير بهامبورغ. ويتنافس القيصر وبعض الأمراء حول من سيسير شؤون الامبراطورية. وعلاوة على ذلك تدخلت قوى أجنبية. فالفرنسيون والهابسبورغ والسويديون إضافة إلى الإنجليز وحتى العثمانيين اعتبروا المنطقة جد هامة بالنسبة إلى أمنهم الذاتي، وقاتلوا من أجل الهيمنة أو تقليص نفوذ قوى أخرى. “وكان الدين بمثابة الزيت الذي تم صبه من أجل هذا الهدف”، كما تؤكد هامرشتين.

بُعد جديد للذعر

ويرى مؤرخون وخبراء سياسة تشابها مع نزاعات حالية مثل ما هو حاصل في سوريا. ففي البداية تعلق الأمر بانتفاضة محلية لقوى سنية ضد نظام بشار الأسد العلوي الشيعي. “والنزاع تحول بسرعة إلى حرب بالوكالة”، تقول فون هاميرشتين. ففي سوريا تنشط كل من إيران والعربية السعودية وتركيا وروسيا وليس أخيرا الولايات المتحدة الأمريكية لخدمة مصالح ذاتية ويعرقلون الوضع.

وحتى حرب الثلاثين عاما وصلت إلى بُعد جديد في الذعر عندما تدخلت دول أخرى عسكريا. فمجموعات من المرتزقة كانت تشارك في المعارك بحثا عن الغنيمة مثل أسراب الجراد وأحرقوا المدن والقرى وقتلوا السكان واغتصبوا النساء. وحتى الأطفال لم ينجوا، وتعرض الكثير من الناس للتجويع أو سقطوا ضحايا الأوبئة مثل الطاعون.

كرة في يد قوى أجنبية

والخوف من أجل البقاء سيتحول إلى مرافق دائم للناس في تلك الحقبة. فكل يوم جديد يشبه سفرا محفوفا بالمخاطر نحو مستقبل مجهول. والحاجة والفقر والكراهية تطغى على جيل بكامله لا يعرف سوى الحياة في حرب. وكانت تلك الفترة مطبوعة بأشكال العنف الدموي التي يمارسها المعتدون. كما تكشف بعض الشواهد التاريخية عن أعمال النهب والقتل التي كانت سائدة آنذاك بحيث أن عدد القتلى في حرب الثلاثين عاما يتراوح بين ثلاثة إلى تسعة ملايين شخص مقابل مجموع من السكان يتراوح بين 15 و 20 مليون نسمة. وبالمقارنة يمكن الجزم بأن عدد الضحايا يفوق عدد ضحايا الحرب العالمية الثانية. فقط بعض المناطق لم تتعرض للنهب، وكانت الدولة منهارة. وفي الوقت الذي كان يسود فيه الرخاء في بعض البلدان الأخرى، كانت ألمانيا تعيش الانهيار والكآبة. وقال خبير السياسة هيرفريد مونكلير بأن “الحرب في المجال الاجتماعي الاقتصادي رمت ألمانيا إلى الخلف بعقود من الزمن”. حرب أدت إلى القضاء على ربع أو ثلث مجموع السكان “تبدو وكأنها نقطة فاصلة في وعي الناس”.

وتجربة التحول إلى كرة في يد قوى أجنبية وأرض لتفجر نزاعاتها طبعت ألمانيا. وخبراء مثل مونكلير مقتنعون من أن هذه الصدمة ساعدت الامبراطورية الألمانية والدكتاتورية النازية على تعليل حروبها الهجومية في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

حل سلام بعد خمس سنوات من المفاوضات

في حرب الثلاثين عاما شعرت أطراف النزاع في منتصف العقد الثالث بالتعب من المجزرة أو أنها رضيت بمناطق نفوذها. وظلت طوال خمس سنوات تبحث في مونستر الكاثوليكية وأوسنابروك البروتستانتية عن حل سلمي. ولأول مرة تتعامل دول أوروبا مع القارة ككيان واحد، وهي تريد معا تحمل المسؤولية. وفي الـ 24 من أكتوبر 1648 وقعت أطراف الحرب في مونستر على اتفاقيات السلام المنشودة: السلام الفيستفيلي. وشكلت هذه القفزة النوعية إنجازا دبلوماسيا في التاريخ، لأنها تتضمن عدة حلول وسط واسعة مثلا فيما يخص حرية التدين. واتفق الكاثوليك والبروتستانت على “أنه لا يمكن حل نزاعات دينية، بل يجب البحث عن حلول براغماتية بعيدا عن النقاش حول من هو على حق”، تقول هاميرشتين.

ومن جانب آخر يحدد السلام المساواة بين المذاهب الدينية المسيحية. “وبذلك تم إيجاد الأساس للتعايش السلمي للمذاهب، الأمر الذي بدا بعد عقود من العنف غير ممكن”. ووُجد نظام من الضمانات من أجل الحفاظ على السلام. وفي حال خرق أحد الأطراف الاتفاقيات، تدخل الموقعون الآخرون لإعادة الوضع كما كان عليه. علاوة على ذلك تم تقليص سيادة القيصر وحصل الأمراء على سلطة أكبر. وبذلك تطورت الامبراطورية نهائيا إلى اتحاد دول. وفي الوقت الذي تم فيه تقوية السلطة المركزية في بلدان مثل فرنسا، فإن الوضع تطور في ألمانيا عكس ذلك. ونمو السلطة لدى الأمراء هو إلى يومنا هذا الحجر الأساس للنظام الفيدرالي للجمهورية الاتحادية حيث يسهر رؤساء الوزراء على الحقوق التي تعود للولايات الألمانية.

إلهام لجهود سلام معاصرة

وغالبا ما يتم ذكر السلام الفيستفيلي كمثال على حل لنزاعات أخرى. وخلال فعاليات يوم المؤرخين الألمان في 2016 تحدث وزير الخارجية السابق والرئيس الحالي فرانك فالتر شتاينماير عن أن وزارة الخارجية “تمعنت في وسئل السلام الفيستفيلي لرؤية ما إذا كانت تصلح لجهود سلام معاصرة”. وأكد شتاينماير على الدور المهم للضمانات الدولية، ووافق على ” عملية بدون تابوهات في البحث عن حلول”. وقال له مفكر عربي:” نحن نحتاج إلى سلام فيستفيلي لمنطقتنا”.

وحتى خبيرة الشؤون السياسية فون هاميرشتين ترى في السلام الفيستفيلي منبعا للإلهام. وعلى كل حال برهن السلام الفيستفيلي على أنه حتى الحرب المشحونة دينيا وسياسيا وعاطفيا قابلة للحل سلميا.

رالف بوزن/ م.أ.م
المصدر: دويتشه فيله