أخبار عاجلة
الرئيسية » إقتصاد » زحلة تعيد زمن العرق: خلطات كوكتيل جديدة

زحلة تعيد زمن العرق: خلطات كوكتيل جديدة

جمعت زحلة لقبها “مدينة للتذوق المستدام في شبكة المدن المتميزة للاونيسكو” مع خبرتها في صناعة العرق واستضافته على أرض بارك جوزف طعمه البلدي، مساء الجمعة في 13 تموز 2018، للاحتفال بِـ”يوم العرق اللبناني” الذي أطلقته وزارة الزراعة هذه السنة للمرة الأولى في لبنان، وكان مناسبة لإعادة التذكير بقطاع شكل مورد الرزق الأساسي للبنانيين، خصوصاً الزحليين، منذ بداية نشأة المدينة، قبل أن تستولي “المشروبات المستوردة” على أذواق جيل الشباب، فتهدد باندثار “صناعة وطنية” لطالما افتخر بها الزحليون، وثبتوها هوية دائمة لهم، تجسدت في تمثال لآلهة الشعر والخمر، رفع على مدخل زحلة منذ ستينيات القرن الماضي، ولا تزال المدينة توليه عناية خاصة حتى اليوم.

“لم يكن صدفة” ربما اختيار الانطلاقة بهذا التقليد السنوي من زحلة، فالعرق وصناعته مرتبطان بالذاكرة الجماعية لأبناء المدينة “المفطومين” على كلمات نشيدها “زحلة زحلة زحلتنا، وشرب العرق عادتنا”.

فيما شكل العرق بالنسبة إلى الزحلي دعامة أساسية لقاعدة اقتصاده، ولعب أحد الأدوار التي ساهمت بنقل شهرة المدينة وكرومها إلى الخارج. فزحلة هي من المدن القليلة في العالم التي تشتهر بصناعتها الوطنية للخمور، ولذلك ارتباط وثيق بزراعة الكرمة التي تعتبر الأخصب في هذا الجزء من لبنان، وتعتبر “الكروم الأكثر شهرة” في لبنان.

سعى الزحليون منذ أجيال لتصريف إنتاجهم الغزير، وأنتجوا منه الدبس والخل والزبيب، وخصوصاً العرق. وقد اقترنت صناعة الأخير بعنب العبيدي، لما يؤمنه من حلاوة تلائم هذه الصناعة.

تذكر كتب التاريخ أنه حتى أوائل القرن العشرين، كانت صناعة العرق قد ازدهرت بشكل كبير في زحلة، لتنتقل من الصناعة البيتية إلى انشاء الخمارات، التي اشتهر بعضها بصناعة السبيرتو، والبعض الآخر بخلطه مع اليانسون لتحويله عرقاً. فانتشرت في مختلف أحياء زحلة حتى منتصف القرن العشرين 50 خمارة، تخطت شهرة بعضها حدود المدينة في تقديم أجود أنواع العرق. وكان بين تلك الخمارات في حي الراسية وحده، وهو حي من أحياء المدينة، 25 خمارة، وأولها كما يذكر المؤرخ عيسى اسكندر المعلوف لـ”أبو موسى الياس الخياط والياس رابيه اللذين كانا ينقلان الانتاج إلى الجيش الفرنسي الموجود في عكا في مطلع القرن التاسع عشر، ثم أتقن ذلك موسى بن الياس الخياط المذكور على يد الأخ بونا تشينا اليسوعي الذي قتل سنة 1860″.

غير أن يوسف المر الذي أنجز كتاباً حول صناعة العرق، سيطلق قريبا، يرفض الحديث عن وجود خمارات في زحلة قبل العام 1901، مشيراً إلى أن ما اقتناه الزحليون كانت كركات، ساهمت بتصريف انتاج العائلات من الكروم، فيما تصدير العرق برأيه بدأ منذ العام 1920 مع التحول إلى الجيل السادس من الكركات، الذي جهز بما يسمى العروس “وهو جزء ساهم في تنظيف الكرك، وبالتالي زاد من طيب خمرها”، متحدثاً عن تسع مراحل تطورت فيها الكركة خلال الأجيال. ويرفض المر ما ذكرته كتب تاريخ زحلة عن كون الزحليين صدروا العرق إلى بعض الولايات العثمانية، “خصوصاً أنهم تعلموا هذه الصناعة من السلطنة نفسها”، كما يقول لـ”المدن”.

إلا أن “الصناعة البيتية” للعرق غابت عن يومه اللبناني الأول أمام الاجتياح الواسع لمعامله، التي أخلت مدينة زحلة تدريجاً من “الخمارات التراثية” وغاب أثرها بعدما هرمت، أو أهملت خلال الأحداث، عندما تعثر وصول كثيرين إلى كرومهم لقطف عنبها. علماً أنه لمأسسة القطاع، وتحويل انتاج الكروم من العنب العبيدي إلى عنب المائدة الأكثر ربحاً، الأثر الأكبر في انكفاء الخمارات الصغيرة، التي عانت من مضاربات “العرق التجاري”. فنشأت المعامل الكبيرة في ضواحي زحلة، وتنوع انتاجها بداية بين النبيذ والعرق، قبل أن تحول معظم خطوطها لإنتاج النبيذ، تماشياً مع تبدل “الذوق” العالمي في احتساء المشروب، وتأثر حتى شباب زحلة بعولمة المائدة، بحيث ما عاد كأس العرق يتناسب مع طبيعة الحياة العصرية وأطباقه السريعة.

مع ذلك، لم يتخل مصنعو الخمور كلياً عن صناعة العرق، بل بقيت “المؤسسات العريقة” خصوصاً تلبي الطلب عليه في الاغتراب اللبناني، وفي المطاعم الذي تقدم المازة اللبنانية. بقيت هذه الصناعة مرتبطة بالعائلات، ووسطها كلها اختارت عائلة غنطوس الأعرق في صناعة العرق “زحلياً”، أن تعود إلى نقطة انطلاقتها الأولى منذ العام 1890، من حارة الراسية، لتوفر منذ العام 1997 منتجاً بماركة تجارية جديدة، حافظت من خلاله على ارث عائلة بدأت بإنتاج العرق منذ أربعة اجيال. من هذه الخمارة، تفوح رائحة اليانسون والسبيرتو كل يوم في الحارة، لتخبر عن زمن كان فيه كل زحلي كرّاماً، وكل كرام صانعاً للعرق.

فرغم مأسستها، بقيت الخمارات الموجودة حالياً في زحلة وقراها تحديداً، تخبر قصص عائلات جاهدت ولا تزال للحفاظ على العرق منتجاً وطنياً تسعى إلى إدخاله مجدداً في الأذواق العالمية. حتى لو خلق ذلك صراعاً بين أجيالها “حول تطعيم العرق” بخلطات كوكتيل، تعيد جذب الجيل الجديد لمشروب العرق. “كيف لا”، كما يقول مصنعوه، والعرق اللبناني “أذهل” حتى البعثات الفرنسية التي شكل لبنان وجهتها في القرون السابقة، إلى حد انشاء خمارات حمل عرق أحدها اسم مطلقه “بران” منذ العام 1868.

إلا أن الجهد المطلوب يبدو استثنائياً. لاسيما بعد ما ذكره المدير العام لوزارة الزراعة لويس لحود عن تراجع انتاج العرق من 25 مليون قنينة في الثمانينات إلى مليوني قنينة، يصدر نحو 25% منها إلى الخارج، ويقدمها 51 منتجاً مسجلاً في وزارة الزراعة، 20 منها في البقاع، 15 في جبل لبنان، 10 في الشمال، و6 في الجنوب. فيما الصناعات البيتية كلها غير مسجلة في الدوائر العامة.