أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » في انتظار المهرجان : زينة شهلا تصف لنا الأوضاع في عربين بعد ان حررها المجرم بشار من أهلها

في انتظار المهرجان : زينة شهلا تصف لنا الأوضاع في عربين بعد ان حررها المجرم بشار من أهلها

أترجل من الحافلة في ساحة مدينة عربين على أطراف غوطة دمشق الشرقية. أتلفّت حولي وأنا لا أعرف أحداً، أجد فتاتين في انتظاري، وكأنهما تعرفان موعد مجيئي تماماً.

تقتربان مني بحذر. الكبرى ترتدي بنطالاً من الجينز وكنزة بيضاء طرزت عليها بخيوط سوداء عبارة “حلوة يا بلدي”، أما الصغرى فترتدي كنزة حمراء وتنورة ذات ألوان عسكرية.

تعجبني الكنزة البيضاء. أطلب من الفتاة أن أصورها فترفض. تقول إنها لا تحب التصوير، وتخبرني أنه بإمكاني التقاط صورة للفتاة الأصغر فقط. أسألهما عن اسميهما وعمريهما فتقولان “سندس. عشرة أعوام، وفرح، تسعة”. ونبدأ بالسير معاً.

تسأل سندس: “متى سيفتتحون المهرجان؟”، مشيرةً لجموع قليلة أمام ما يشبه المهجع الكبير، والذي علقت عليه لافتات تدعو الأهالي لافتتاح مهرجان للتسوق بعنوان “الخير بغوطتنا”.

أتمنى لو كنت أعلم يا عزيزتي. علينا انتظار الوفود الرسمية.

تتذمر الفتاة وتخبرني بأنها هنا منذ ساعتين، وبأنها جاءت من منزلها البعيد مشياً لترى هذا المكان الجميل الذي يعج بالناس والألوان حسب وصفها، على عكس سوق المدينة المدمر والملأن بالتراب، والذي لا يحوي سوى القليل من البضائع.

أخبرها بأن تنتظر قليلاً، فلا بد أن يَصلوا عما قريب. أسألها عن كنزتها التي خُطّت عليها تلك العبارة فتخبرني بأنها هدية من عمتها التي قدمت لزيارتهم من “الشام”. أودعهما وأسير باتجاه شارع قريب فتلحقان بي.

“انتبهي لئلا تضيعي، فالشوارع هنا متشابهة بسبب الدمار والركام”، تنبهني سندس وتسير إلى جانبي وكأنها ترغب بحمايتي من الضياع، وتبدأ بشرح ما نراه.

“نحن الآن في منطقة تدعى المحطة. هنا ساحة عربين الرئيسية. انظري إلى هذا الطفل. إنه ينزع النحاس عن الأسلاك. أطفال كثر يقومون بذلك بشكل يومي، يبحثون عن الأسلاك بين الركام”. “وماذا يفعلون بالنحاس؟” أسألها. “لا أدري. ربما يبيعونه”.

تشير بيدها نحو أطفال آخرين مشغولين باللعب بأكوام من التراب. أستغل انشغالها بالحديث وأطلب تصويرها مرة أخرى، وترفض مجدداً. “لا أحب التصوير. يمكنك تصوير الأطفال الآخرين”. بالفعل يتجمع حولي أطفال كثر، بعضهم يطلب أن أصوره. آخرون يخجلون أو يخافون، أو يتسمرون في مكانهم دونما حراك. نكمل مسيرنا.

“هل تذهبان للمدرسة؟” أسألهما. “نعم. لكنها بعيدة، ونضطر للمشي لمسافات طويلة. لا سيارات هنا بعد، وقليلون هم القادرون على شراء الوقود”. أنظر حولي. بالفعل، تعج الطرقات بالدراجات الهوائية، وببعض السيارات. أشعر بالمفارقة عند رؤية سيارة حديثة قادمة إلى المهرجان وهي تمر إلى جانب سيارة أخرى محروقة أو معطلة.

“ماذا ستصبحين عندما تكبرين؟”، أسأل سندس. “لا أعرف”. “مدرّسة؟ طبيبة؟ محامية؟”. “ربما. لا أعرف”.

أرى سيارة احترق كل ما فيها، وبقي هيكلها الخارجي. أقول للفتاتين “تعاليا نتصور داخلها ونتخيل بأننا كائنات من كوكب آخر وبأنها مركبة فضائية ستأخذنا بعيداً عن هنا”. ترفض سندس إذ تخشى على ثيابها من الاتساخ. أعرض عليها صفقة وأطلب منها للمرة الثالثة أن أصورها. تقبل بخجل. لا تأخذ وضعية التصوير، وإنما تنظر للمكان حولها، وتخبرني بأن الطرقات اليوم أفضل حالاً مما كانت عليه قبل شهرين. “كان هناك الكثير من الركام. انظري لتلك التلة من الردم والزجاج والحجارة، كانت كل شوارعنا هكذا”، وتضحك.

يمر جانبنا ثلاثة شبان. ينظرون إلينا وللسيارة المحروقة. “هل هي للبيع؟” يسأل أحدهم ضاحكاً. تطل فتاتان برأسيهما من شباك صغير في البناء المقابل. تلوحان لي وتقول أكبرهما إن اسمها آلاء. أصرخ لها بأن اسمي زينة. تضحك وتحمر وجنتاها عندما أخرج الكاميرا لأصورها.

نتابع سيرنا. تشير الفتاتان إلى منازل فقدت جدرانها لتبدو تفاصيلها من الداخل واضحة للعيان. واضحة وحزينة. “انظري. غرفة نوم. حمام. مطبخ مكسر. مروحة محروقة”. تضحكان بجنون وكأنهما تشاهدان مسرحية كوميدية، وهما من الحضور، ولا علاقة تربطهما بما يحدث على المسرح.

أجفل من صوت سيارة تقترب مني. شاحنة صغيرة كتب عليها “نقل بالأجرة”. ربما هي واحدة من المهن القليلة المتبقية في البلدة اليوم، وهو ما تؤكده لي سندس.
سندس وفرح

“معظم الناس عاطلون عن العمل. بعض المحال فتحت أبوابها، لكننا لا نملك نقوداً لشراء أي شيء”.

“وكيف تتدبرون معيشتكم؟”

“أبي توفي، وأعيش مع أمي وإخوتي الصغار، وكذلك فرح وهي ابنة عمتي، تعيش مع أمها وإخوتها بعد وفاة والدها. نحصل على وجبة واحدة في اليوم من العساكر المقيمين جانب منزلنا. أكلنا الأرز البارحة، واليوم عند الإفطار سأذهب لأرى ما سيعطوننا”.

تصمت سندس فجأة، وتنظر إليّ ببعض الغضب. “هلأ بيروح علينا المهرجان. لإيمت بدك تضلي تمشي؟”. أخبرها بأننا سنسمع دون شك أصوات العراضة الشامية التي لا بد أنها سترافق الافتتاح. وبالفعل، بعد ثوانٍ يعلو صوت قرع الطبول والهتافات والغناء. لقد وصل الوفد الرسمي. “عالعين موليتين واطنعش موليا.. جسر الحديد انقطع من دوس رجليا”.

تغيب سندس وفرح خلال ثوانٍ. لا أحاول تتبعهما أو البحث عنهما. ذهبتا للعثور على متعة جديدة، وحان وقت عودتي إلى عالمي.

زينة شهلا

المصدر: رصيف 22



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع