أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » احتمالات الطلاق الروسي – الإيراني في سورية: الشروط الإسرائيلية والضغط الغربي

احتمالات الطلاق الروسي – الإيراني في سورية: الشروط الإسرائيلية والضغط الغربي

مثّلت دعوة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أثناء لقائه الأخير مع رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في سوتشي، لسحب القوات الأجنبية الموجودة حالياً في سورية، تحولاً في موقف موسكو من الصراع الدائر هناك. وكما أوضح المبعوث الروسي لسورية، ألكسندر لافرنتييف، فإنّ بوتين قصد أيضاً إجلاء القوات الإيرانية وقوات “حزب الله” اللبناني الموجودة في سورية، فضلاً عن الأميركيين والأتراك، على حد تعبيره.

وأشارت تسريبات إعلامية لصحيفة “الجريدة” الكويتية، إلى أنّ بوتين كان يعرض في الواقع على الأسد مقترحاً أميركياً إسرائيلياً ينصّ على إقدام النظام على الطلب من القوات الإيرانية وجميع المليشيات التابعة لها، الانسحاب من سورية، في مقابل التزام تل أبيب بوقف عملياتها العسكرية في العمق السوري. ويعبّر هذا العرض، في حال صحّت التسريبات، عن الموقف الإسرائيلي الرسمي، إذ إنّ تل أبيب ترى أنّ انسحاب إيران والمليشيات الطائفية، يلبّي الأهداف الأربعة التي تجاهر بأن عملياتها العسكرية في سورية تعمل على تحقيقها، وهي: منع نقل السلاح النوعي لحزب الله، الحيلولة دون السماح للقوات الإيرانية والشيعية من الاقتراب من الحدود مع الجولان المحتل، عدم السماح باستهداف العمق الإسرائيلي انطلاقاً من الأراضي السورية، وإحباط محاولات إيران لمراكمة نفوذ عسكري نوعي هناك.

ويأتي كل ذلك في أعقاب طرح بعض الأوساط في تل أبيب أخيراً، أفكاراً مماثلة، على قاعدة أنه في حال رفع الأسد مظلته الرسمية عن وجود إيران و”حزب الله”، فإنه يتوجّب على إسرائيل الإعلان عن دعمها لبقاء نظامه، على اعتبار أن ضمان استقرار النظام يعد أفضل الخيارات في الوقت الحالي بالنسبة للمصالح الإسرائيلية. وبغضّ النظر عمّا إذا كانت المطالبة بإنهاء وجود إيران و”حزب الله” في سورية، قد جاءت ضمن عرض إسرائيلي أميركي، طرحه بوتين أم لا، أو كان مجرّد طلب قدمه الرئيس الروسي، فإن كلام الأخير يدلّ بكل الأحوال على تحوّل كبير في موقف موسكو من هذا الوجود.

وينطوي موقف بوتين هذا على دلالتين رئيسيتين؛ هما: اطمئنان موسكو إلى استقرار نظام الأسد، على اعتبار أن الروس كانوا يرون في القوات الإيرانية والطائفية الموالية لها، الذراع الذي بإمكانه تأمين النظام وبقائه. إلى جانب ذلك، فإن الحماسة الروسية لإجلاء القوات الإيرانية والمليشيات التابعة لها من سورية، تعكس مظهراً آخر من مظاهر افتراق المصالح بين موسكو وطهران في هذا البلد، لأن التصميم الإسرائيلي، المدعوم أميركياً، على مواصلة استهداف الوجود الإيراني في سورية، ربما جعل الروس يخشون اندلاع مواجهة إقليمية شاملة، تهدّد خارطة مصالحهم هناك، ناهيك عن خشية موسكو من التورّط في هذه المواجهة بهذه الطريقة أو تلك.

وحتى قبل الكشف عن مطالبة بوتين بإجلاء القوات الإيرانية والمليشيات الموالية لها، فإن موسكو أبدت مؤشرات قوية على تحوّل موقفها من الوجود الإيراني. فعلى الرغم من أن إسرائيل كثّفت أخيراً من غاراتها في العمق السوري، إلا أنّ موسكو لم تمتنع فقط عن التنديد بهذه الغارات، بل إن السلوك الإسرائيلي لم يحل دون أن يحرص بوتين على دعوة رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، قبل أسبوعين، إلى موسكو حيث تم استقباله بحفاوة. فضلاً عن ذلك، اختار نتنياهو موسكو ليعلن منها نية إسرائيل مواصلة استهداف الوجود العسكري الإيراني. وأكثر من ذلك، فإن القائم بأعمال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، تقصّد التشديد قبل أيام على ضرورة أن تقدّم طهران المزيد من التنازلات بشأن الاتفاق النووي، ليبقى هذا الاتفاق سارياً.

ومن الواضح أن الشروط التي طرحها وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، بشأن الاتفاق النووي، وضمّنها المطالبة بانسحاب القوات الإيرانية من سورية، تعزّز من قوة الضغوط على طهران للاستجابة للطلب الروسي، ولا سيما أن الوزير الأميركي حذّر من أنّ عدم الاستجابة للشروط يعني أن تتعرّض إيران لنظام عقوبات هو “الأقسى في التاريخ”.

وعلى الرغم من أن التقدير السائد في تل أبيب يقول إنه يصعب تخيّل أن توافق إيران على إخلاء قواتها والمليشيات المحسوبة عليها من سورية، في أعقاب “التضحيات” التي قدمتها، والإمكانيات الكبيرة التي استثمرتها من أجل تكريس وجودها هناك، فإن عدم موافقة طهران على الانسحاب من سورية، قد يفضي إلى إقدام إسرائيل على تكثيف عملياتها العسكرية ضدّ القوات الإيرانية هناك. ومما يزيد الأمور تعقيداً، بالنسبة لإيران، حقيقة أنّ قدراتها العسكرية في سورية متواضعة لدرجة لا تجعلها قادرة على مواجهة تبعات العمليات العسكرية الإسرائيلية، مع كل ما يرافق ذلك من مسّ بمكانة طهران الإقليمية وإحراجها.

في الوقت ذاته، فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية ضدّ الوجود الإيراني في سورية قد تحظى بشرعية إقليمية ودولية أكبر على ضوء الضغط الغربي، ومن ضمنه الأوروبي، على إيران، بشأن توسّع نفوذها في الشرق الأوسط. كما أن هناك من يرى أن الموقف الروسي المستجدّ ربما يسعى إلى دقّ إسفين بين إيران والنظام السوري. من هنا، فإن كلاً من طهران ونظام الأسد يواجهان أزمة خيارات صعبة.

صالح النعامي



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع