أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » إيطاليا.. حيث تتبدّى محنة أوروبا

إيطاليا.. حيث تتبدّى محنة أوروبا

تجنبت ألمانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى، وصول اليمين الصاعد في أوروبا إلى الحكم، غير أن إيطاليا لم تتمكن من ذلك، فقد استطاعت قوى اليمين الإيطالي، بجدارة، قبل أيام، تشكيل حكومةٍ، ستضع إيطاليا وأوروبا أمام واقعٍ جديدٍ، أشبه ما يكون بالكابوس الذي لم تتخيّل دوائر صنع القرار فيها حدوثه. وحيث أن مخاض تشكيل الحكومة الإيطالية استمر ثلاثة أشهر، بعد فوز أحزاب اليمين في الانتخابات التشريعية، إلا أن طول فترة ذلك المخاض لم يستطع أن يخفّف من الثقل الذي بدأت تفرضه هذه الأحزاب على المزاج السياسي في إيطاليا وأوروبا، وهو الثقل الذي إذا كان المتشائمون لا يريدون توصيفه كابوساً لأوروبا، فإن إرادتهم تلك لا يمكنها أن تخفي حقيقة أنه وضعَ أوروبا أمام محنتها الحقيقية، حين ابتعد قادتها عن الاستماع إلى هموم جمهورهم.

لا ينفصل المشهد السياسي في إيطاليا، هذه الأيام، والأزمة الحكومية التي سبَّبها فوز اليمين الإيطالي المتطرّف في الانتخابات التشريعية التي جرت في 4 مارس/ آذار الماضي عن المشهد السياسي في أوروبا، عموماً. حيث يكرّس ترادف صعود اليمين المتتالي في الدول الأوروبية الاعتقاد أن ثمّة محنة تعيشها القارة الأوروبية بدأت منذ قرّرت الحكومات التراجع عن مبدأ الإصلاحات الاجتماعية، والانكفاء أمام اكتساح قوى السوق، النيوليبرالية، المشهد الاقتصادي والسياسي. وتعزّزت تلك المحنة، حين أخذت أحزاب اشتراكية ديمقراطية تقليدية، تزاود على الأحزاب المحافظة، وحتى اليمينية، من أجل الفوز بأصوات مؤيديها الانتخابية، حين انتهجت، عندما كانت في الحكومة، سياساتٍ يمينيةً أفقدتها أصوات محازبيها، ولم تكسبها
أصوات اليمين، فالحزب الديمقراطي، القائم على الديمقراطية الاشتراكية، والهجين من شيوعيين وديمقراطيين مسيحيين سابقين، انفضَّ عنه محازبوه، خصوصاً الشيوعيين منهم، حين بدا، على يد رئيس الوزراء السابق، ماتِّيو رينزي، أنه يدّعي اليسارية الوسطية، ويمارس سياساتٍ نيوليبراليةً أقرب إلى سياسة اليمين. إذ إنه بدأ بالتساهل تجاه انحدار الخدمات الاجتماعية، وتراجعَ عن مبادئ العدالة الاجتماعية، بدلاً من الدفاع عنها وتعزيزها. وأفقده هذا النهج شعبيته، حيث أحدثَ ردود فعلٍ أكسبته عداوة أعضائه قبل ناخبيه. وكان مقتله، وربما مقتل اليسار في إيطاليا، في غياب كيان حزبي شيوعي إيطالي تقليدي، أن محازبي الحزب الديمقراطي انكفأوا عنه، إما إلى داخل بيوتهم، مبتعدين عن المشاركة السياسية، أو إلى البحث عن بدائل، وجدوها في حركة “النجوم الخمس” التي رفعت، بدايةً، شعاراتٍ أقرب إلى الشعارات الطوباوية القديمة.

وتنفرد إيطاليا عن باقي الدول الأوروبية بافتقاد كلمة اليسار معناها أو الصفات التي تحملها خلال التداول السياسي اليومي لها، وهو الغياب الذي تزامن مع حل الحزب الشيوعي الإيطالي نفسه، سنة 1992، إثر انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية. ولم يستطع كيانٌ شيوعيٌّ، شكَّله الذين تداعوا إلى ذلك من الشيوعيين القديمين، أو حتى الشيوعيين الذين انصهروا، سنة 2007، مع أعضاء الحزب الديمقراطي المسيحي المنحل، في حزبٍ كَثُرَت تمظهراته في أسماءٍ، جديدها “الحزب الديمقراطي”، المُصنَّف يسار وسط، والذي كان ينتمي إليه رئيس الحكومة الأسبق، ماتِّيو رينزي، لم يستطيعوا إيفاء هذه الكلمة معناها، بما تتطلبه من عملٍ لصالح الطبقات الفقيرة، من أجل تبيان الفروق بينهم وبين أصحاب اليمين الناهض.

ومن اللافت أن أول ما يفعله اليمين، عند وصوله إلى الحكم، الانقضاض على مكتسبات المواطنين، حيث كان أحد أهداف رئيس حزب الرابطة، اليميني، ماتِّيو سالفيني، وجاهر به في حملته الانتخابية، التقليل من التقديمات للمتقاعدين. وفرغت الساحة ممن يمكن أن يُظهر حقيقة القوى اليمينية وحقيقة عقائدها وسلوكها السياسي على الأرض. بل يمكن القول إن الحزب الديمقراطي الذي كان يدَّعي اليساريّة كان يعتمد الديماغوجية في عمله، خصوصاً خلال فترة رئاسة رينزي له، إذ لم يرفع شعار الدفاع عن مصالح الطبقة الكادحة، كما لم يمارسه حين كان في الحكومة، وهما الشعار والممارسة اللذان كانا رافعة القوى اليساريّة جماهيريّاً وما أوصلاها إلى الحكم، بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى بداية التسعينيات. حيث يسيطر على المزاج الإيطالي الخوف من اليمين الذي ارتبط اسمه بالحزب الفاشستي وزعيمه، بينيتو موسوليني اللذيْن أدخلا إيطاليا في حكم ديكتاتوري استمر قائماً عقدين. ومن ثم في حربٍ طويلةٍ ومدمِّرةٍ، حين اصطفّ موسوليني مع حليفه، الزعيم الألماني النازي، أدولف هتلر، في الحرب العالمية الثانية التي استمرت خمس سنوات، دمرت البلاد وأوروبا ودولاً أخرى خارج القارّة. وشكَّل غياب ذلك الشعار وتلك الممارسة الأرضية الخصبة لأحزابٍ يمينية، وأخرى تجاهر بفاشستيتها، للصعود إلى المشهد السياسي الإيطالي بقوةٍ أوصلتها إلى إظهار تلك القوة عند الاستفتاء على تعديل بنود في الدستور، في ديسمبر/ كانون الأول 2016. كما تكرّست قوتها الآن في الانتخابات التشريعية الأخيرة، سيما منها حركة النجوم الخمس وحزب الرابطة الذي كان اسمه “رابطة الشمال”، وكان يدعو إلى انفصال الشمال عن إيطاليا. وتجمع كلا الحزبين أهداف خروج إيطاليا من الاتحاد الأوروبي والعداء للمهاجرين، وغيرها من التوجهات العنصرية.

ومن سخريات القدر بالنسبة إلى أوروبا، وربما هي السخرية المحضة، أن الأحزاب اليمينية الموزعة في الدول الأوروبية، تتداعى إلى اجتماعات مشتركة دورية فيما بينها، تستعرض فيها مدى لُحمَتها، واجتماعها على مبدأ العنصرية تجاه المهاجرين، بينما تتبنّى، في الوقت عينه، الأفكار المناهضة لمبدأ الاتحاد، المتمثل بالاتحاد الأوروبي، وتحصد أعلى الأصوات الانتخابية، بفضل دعوات انفصال بلدانها عن هذا الاتحاد، سخريةٌ تتمثل في أنها أحزابٌ يجمعها مبدأ التفرقة. وكان جديد تلك الاجتماعات الاجتماع الذي عقدته في براغ، أواخر السنة الماضية، ودعت فيه إلى العمل على تفكيك الاتحاد الأوروبي من داخله، ومنع الهجرة إلى أوروبا من الدول المسلمة.

خلال فترة المخاض الحكومية، قالت كاتبة إيطالية عن حركة النجوم الخمس التي حصلت على
أعلى نسبة اقتراع، حين فازت بنسبة 32% من أصوات الناخبين: “هذه الحركة تعرف كيف تصنع المركب، لكنها لا تعرف كيف تُلقي المرساة”. ويبدو أن هذا توصيفٌ ينطبق على أحزاب يمينية أخرى، تعادي المؤسسات، وليس لديها تصوُّرٌ لكيفية إدارة البلاد، وهو ما برز حين فشلت النجوم الخمس والرابطة في الاتفاق على تسمية رئيس حكومة، حيث حكمت الريبة والشك علاقتهما، وأطالت فترة المشاورات. وكادت أزمة تشكيل الحكومة أن تُدخل إيطاليا في أزمةٍ سياسية، كانت مقدمتها التوجه إلى إلغاء نتائج الانتخابات، وإجراء انتخابات تشريعية جديدة. ويتوقع مراقبون ألا يستمر توافقهما الذي لجأ إليه كلاهما من أجل تسمية رئيس حكومة طوال فترة عمل الحكومة، ما قد يؤثر على إدارات الدولة، ويُنتج قرارات ارتجالية تنعكس على أسهم الشركات والبنوك، وتؤثر على معدلات النمو في البلاد.

وتعد أزمة تشكيل الحكومة في إيطاليا تكراراً لأزمة تشكيل الحكومة التي حصلت قبلها في ألمانيا، واستمرت أكثر من خمسة أشهر، حين بقي الائتلاف عزيزاً بين حزب المستشارة، أنجيلا ميركل، الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، بسبب تقدُّم حزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني، في الانتخابات التشريعية، وأرخى ظلاله على مشاوراتهما. وهي أزمات يمكن أن تتكرر في دول أوروبية أخرى، كاد اليمين فيها أن يلامس عتبة النجاح في الانتخابات، لكنه يحضِّر الأرضية للفوز في انتخابات مقبلة. ومع تكرّر المشهدين الألماني والإيطالي في بلدان أوروبية أخرى، ستصبح القارة أسيرةَ حكوماتٍ عرجاء، يكون تقدّمها إلى الأمام في مسار تنفيذ أهدافها بمثابة تراجع القارة إلى الوراء في حقول مسلمّاتها التاريخية، وتلك محنتها.

مالك ونوس



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع