أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون دولية » جولة نتنياهو: بذور تغيير في الموقف الأوروبي من إيران

جولة نتنياهو: بذور تغيير في الموقف الأوروبي من إيران

تشير التصريحات المتتالية في اليومين الماضيين، الصادرة عن كل من المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بعد لقاءاتهما برئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، إلى بوادر تغيير في المواقف الأوروبية بشأن الاتفاق النووي مع إيران، لجهة التسليم بالموقف الإسرائيلي العام بشأن “وجوب تعديل الاتفاق النووي” إذا لم يكن ممكناً إلغاؤه كلياً. كما تشير التصريحات إلى تقارب أوروبي ــ إسرائيلي، متأثّر بالضرورة بقوة التقارب والتماهي في المواقف بين حكومة نتنياهو وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لجهة القبول بالادعاءات الإسرائيلية ضدّ إيران، وتوجيه انتقادات أوروبية للنشاط الإيراني في دول المنطقة، وتحديداً في سورية.

وجاءت بوادر التغيير الأولى في الموقف الأوروبي لجهة قبول شروط إسرائيل، عبر التصريحات التي أطلقتها ميركل بعيد لقائها بنتنياهو، عندما اعتبرت أنه “يجب معالجة مشروع الصواريخ الإيرانية الباليستية”، وهو ما كانت إسرائيل تطالب أن يتضمنه الاتفاق النووي، وكذلك تصريحها بأن “السلوك الإيراني في المنطقة يبعث فعلاً على القلق، ونحن نعتقد أنه يجب معالجة هذا النشاط ومشروع طهران الصاروخي”. ويشكّل هذا التصريح نقطة تغيير في الموقف الألماني، على الرغم من أنّ برلين لا تزال تعتقد بوجوب الإبقاء على الاتفاق النووي. إلا أنّ إضافة شرط معالجة المشروع الصاروخي، تشكّل تغييراً لجهة قبول الادعاءات الإسرائيلية ضد الاتفاق المذكور.

ولم تقف الأمور عند التغييرات التي حملتها التصريحات الألمانية، بل إن هذا التغيير في اللهجة انعكس أيضاً في التصريحات الفرنسية الصادرة عن ماكرون، ووزير خارجيته جان إيف لودريان. فمع أنّ تصريحات الرئيس الفرنسي جاءت من باب التحذير من خطر التصعيد في المنطقة بين إسرائيل وإيران، عبر قوله: “أدعو الجميع إلى الحفاظ على استقرار الوضع، وعدم الانجرار لهذا التصعيد لأنه لن يؤدي سوى لأمر واحد هو النزاع”، إلا أنّ مجرّد المساواة في حجم التصعيد تشير إلى قبول فرنسي بالموقف الإسرائيلي لجهة تحميل إيران مسؤولية أي “تصعيد” وعدوانية ونزع للاستقرار. وسيكون لهذا الأمر في نهاية المطاف تبعات على كل ما يتعلّق بالموقف الفرنسي والأوروبي من الوجود الإيراني في سورية، ومسألة إخراج إيران وقواتها ومليشياتها من هناك، خصوصاً أنّ نتنياهو لم يتردّد باتهام إيران بأنها تعدّ لحرب دينية، مستخدماً العبارات الأكثر تأثيراً في النفس الأوروبية في الحثّ على مواجهة إيران قبل “نشوب الحرب”، وتدفّق موجات جديدة من المهاجرين إلى أبواب القارة الأوروبية.

ورغم أنّ ماكرون حرص على الإشارة إلى أنّ وجود الاتفاق النووي مع إيران “أحسن من عدمه”، لكنه أضاف أنّ هذا “الاتفاق غير كاف وأنا أقرّ بذلك، لكنه أفضل مما كان لدينا من قبل، والاستخبارات الإسرائيلية برهنت على ذلك”. وإذا كانت عبارة ماكرون الأخيرة حملت نوعاً من الاستخفاف بأهمية “الأرشيف الإيراني” الذي سرقته الاستخبارات الإسرائيلية، لجهة الإشارة والتلميح بأن هذا الأرشيف لم يأت بجديد، إلا أنّ ذلك لا يمنع من ملاحظة الإقرار الفرنسي بصحة “المطلب الإسرائيلي” بشأن المشروع الصاروخي الإيراني أولاً، وبمسألة تفهّم أوروبي وفرنسي لمسألة الوجود العسكري الإيراني في سورية التي تقلق إسرائيل.

ورغم عدم وجود تسريبات ومعلومات عن مضامين اللقاءات المغلقة بين نتنياهو وماكرون وميركل، إلا أنّ مؤشرات منها لقاء نتنياهو في ألمانيا مع السفير الأميركي لدى برلين، ريتشارد غرينيل، في خطوة غير اعتيادية في العرف الدبلوماسي، والاتصالات المكثفة أخيراً بين رئيس وزراء الاحتلال ووزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، يمكنها أن ترجّح قيام نتنياهو بمحاولات لتكريس معادلة لا تتعلّق فقط بالنووي الإيراني، وإنّما أيضاً بالوجود العسكري لطهران في سورية. ويدعم ذلك قول نتنياهو إنه لم يطلب من ماكرون الانسحاب من الاتفاق النووي، مكتفياً بالتلويح بالعقوبات الاقتصادية وأثرها ليس فقط على إيران، وإنّما أيضاً على الاقتصاد الأوروبي، في حال تجاوزت الشركات الأوروبية المتفاعلة مع إيران العقوبات الأميركية.

ولعل من الممكن الترجيح بأنّ معادلة جديدة يحاول نتنياهو الوصول إليها عبر لقاءاته مع الأوروبيين، باعتباره المسؤول الدولي الأكثر قرباً اليوم من إدارة ترامب. وبالتالي قد يكون بمثابة وسيط في حلّ التوتر الحاصل بين أوروبا والولايات المتحدة، من خلال طرح جديد يبقي لإيران الاتفاق النووي في حال وافقت الأخيرة على إدخال التعديلات الإسرائيلية، وكذلك في حال وافقت على الانسحاب الكامل من سورية، وهو مطلب باتت تقبله روسيا، بما يمهّد لقبول أوروبي واسع به أيضاً. ويضع ذلك إيران في موقف حرج، فإما أن تقبل بالتسوية الجديدة وإمّا تنتظر النتيجة الحتمية للعقوبات، والتي عبّر عنها نتنياهو بقوله في باريس “أعتقد أنّ الحقائق الاقتصادية ستجد حلاً لهذه المشكلة”.

على الجانب الآخر، وفي مقابل الميوعة في الموقفين الألماني والفرنسي لجهة بدء حديث كل من برلين وباريس بالإقرار بمواطن ضعف الاتفاق النووي وخلله، هناك “حزم” بريطاني مساند علناً للمطلب الإسرائيلي، خصوصاً في ظلّ حكومة تيريزا ماي ووزير خارجيتها بوريس جونسون، مما سهّل على نتنياهو أن يردّد في لندن أيضاً المواقف التي باتت معهودة بما يتعلّق بالشأن الإيراني والتهويل من حرب دينية ومن زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط.

وفيما يمكن الحديث عن ميوعة وبوادر تغيير في الموقفين الفرنسي والألماني اتجاه إيران، بانتظار ربّما عملية تفاوض مع الولايات المتحدة، فإنّ الأمر يختلف بالنسبة للموقف الفرنسي من القضية الفلسطينية، والذي أظهر تراجعاً كبيراً في هذا الشأن، وانعكس ذلك بوضوح في تصريحات ماكرون. فعلى الرغم من أن الأخير انتقد نقل السفارة الأميركية إلى القدس، واعتبر الإعلان الأميركي بهذا الخصوص خطأً، إلا أنّه أردف بأن ذلك لن يدفع فرنسا إلى اعتراف أحادي بدولة فلسطين، ولا إطلاق مبادرة جديدة، وهو تغيير جوهري وكبير في الموقف الفرنسي مقارنة بالعامين الأخيرين لولاية الرئيس السباق فرنسوا هولاند الذي حاول إطلاق مبادرة فرنسية رداً على التعنت الإسرائيلي وإفشال المبادرة التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي السابق، جون كيري. علاوة على ذلك، أعلن ماكرون أنّ بلاده ستساعد لتطبيق كل برنامج أو خطة يطرحها الطرفان، علماً بأنّ إسرائيل تكرّر باستمرار أنه لا شريك فلسطيني لأي مبادرة سياسية.