أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » لماذا يصوم المراهق؟ هل يدرك معنى الصوم وفائدته؟

لماذا يصوم المراهق؟ هل يدرك معنى الصوم وفائدته؟

عندما نقول فترة الصوم، يأخذنا تفكيرنا إلى شهر رمضان المبارك.

ولكنّ الصوم من أقدم الشعائر الدينيّة، فهو انتقل من أمّة إلى أخرى على مرّ الزمان حتى أنّ الراحل البابا شنودة الثالث قال في كتابه “روحانيّة الصوم”، إنّ الصوم هو أقدم وصيّة عرفتها البشرية، وهو الوصيّة الأولى التي أعطاها الله لآدم إذ دعاه إلى الامتناع عن الأكل من شجرة التفاح، وبهذا وضع له حدودًا لضبط إرادته ورغباته.

ويذكر شنودة أيضاً أنّ الصوم كان موجوداً حتى في الديانات الوثنيّة وغايته قهر الجسد حتى تأخذ الروح مجالها. ويعزّز هذه المعطيات ما قاله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم” (البقرة:183).

والصوم في اللغة: هو الإمساك عن أي شيء، والامتناع عن الانتقال من حال إلى حال؛ فمن امتنع عن الطعام أو الكلام أو الارتحال كان في اللغة العربية صائماً. والصوم في الشريعة الإسلاميّة هو الامتناع عن الطعام والشراب وسائر المفطِرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

أمّا عند المسيحيين فليس في إنجيلهم فريضة الصوم، وإنّما فيه ذكره ومدحه، واعتباره “عبادة كالنهي عن الربا”، وهو الإمساك عن الطعام والشراب لفترة من الزمن بغرض الاقتراب إلى الله في توبة وإيماناً (سِفر دانيال 9: 3.).
كيف ينظر المراهق إلى الصوم؟

الصائمون عادة لا ينتمون إلى فئة عمريّة محدّدة ، فهذه الشريعة أو الفرض أو الواجب يتمسك فيه الكثير من المراهقين. ففي بحث ميداني أجريناه في لبنان منتصف شهر أيار 2018، على مئة وثلاثين مراهقًا تتراوح أعمارهم بين 13و18 عاماً من الديانتين المسلمة والمسيحيّة، تبيّن أنّ 74.6% منهم يصومون فيما 25.4% لا يصومون.

وهذه النسب تدلّ على أنّ عدداً كبيراً من المراهقين في لبنان لا يزالون متمسكين بالدين وبطقوسه ويمارسون شعائره وفروضه.

وعندما سألنا العيّنة التي تصوم عن سبب إقدامها على ذلك، وجدنا أن 62% ممن يصومون يقومون بهذا الأمر لأنّهم مؤمنون بديانتهم وشعائرها، و33% منهم لأنّ الصيام فرض عليهم، و5 % منهم تماشياً مع أفراد عائلاتهم الذين يصومون.

ونتوقف هنا عند الانتماء الديني للمراهق لنشير إلى أنّ المراهق يمارس عباداته وفقاً لما يكتسبه من توجيه ديني في مرحلة الطفولة. ويَزداد تمسّكاً بأداء الفرائض الدينيّة المطلوبة منه عندما يمرّ بأزمة حادّة وما أكثرها في عمر المراهقة.

ومن المفيد التطرّق في هذا السياق إلى مسألة مهمّة للغاية وهي أنّ التغييرات البيولوجيّة والنفسيّة المتسارعة عند المراهق تُشعره بعدم التوازن والإرباك والحيرة. وقد يلجأ إلى الدين كمحطة للتخلّص من عدم الاستقرار هذا.

وفي هذه الحالة نجده يَنكر الملذّات الحسيّة، فيَكبت غرائزه ويَعيش حالة من الزهد والصفاء الروحي، وفق ما جاء في اكثر من دراسة تربوية وآخرها ما جاء في كتاب ” التربية الدينيّة والاجتماعيّة للأطفال” للكاتبة بلقيس داغستاني.

ويشدّد المؤمنون والباحثون في قضايا الدين أنّ للتربية الدينيّة دوراً أساسيّاً في توعية المراهق وتنمية معرفته بالخالق، والغاية من خلق الإنسان، وأصل النشأة الإنسانيّة وكيفيّتها، وقضايا البعث والحساب والجنّة والنار، وغيرها من المفاهيم الدينيّة.

ولذا نرى بديهيّاً ما جاء في ردّ المراهقين على سؤالنا حول ما يشعرهم به الصوم. فقال 59.2% منهم إنّه يريحهم نفسيًّا، فيما 22.3% يعتبرونه مفيدًا للصحة، أمّا 18.5% فلا يرون فيه حسنات تذكر.

هل يعي المراهق فوائد الصوم؟

تتماشى نتيجة بحثنا في ما خص شعور غالبية الصائمين بالراحة النفسيّة مع ما ورد في بعض الدراسات والكتب الدينيّة التي تحدثت عن فوائد نفسيّة كثيرة للصوم. فهو يحدّ من الشعور بالقلق، والاكتئاب، والغضب، ويُهذب النفس، ويزيد من قوّة إرادة الإنسان، وكيفيّة إدارته للأمور بشكل صحيح. كما يُساعد الصيام على تعلّم الصبر، وتحمّل الاجهاد، ومواجهة ضغوطات الحياة، وعدم اليأس.

أمّا فوائد الصوم الاجتماعيّة فلا تقل أهميّة لأنّ الصوم يعزّز المساواة بين الناس؛ فهو يساوي بين الغني والفقير في الامتناع عن الطعام والشراب، ويُشعِر الغني بمن لا يملكون قوت يومهم، وبالتّالي يُقدّم لهم المساعدات. كما أنّ فترة الإفطار مناسبة لجمع أفراد العائلات وتقوية الروابط في ما بينهم، وحلّ الخصامات إذا كانت موجودة لأنّ التواصل يخفّف الحقد في النفس البشريّة.

إنّ 22.3% من المراهقين فقط يعتبرون أنّ الصوم مفيد للصحة. وهذه تعتبر نسبة قليلة نظراً للفائدة الجسديّة والفيزيولوجيّة الكبيرة الناجمة عن الصوم. فقد دلّت بعض الدراسات العلميّة والصحيّة أنّ الصّيام يزيل السموم الّتي تتراكم في جسم الإنسان وينقّي الدم؛ ويقضي على الخلايا الضعيفة والمريضة؛ لأنّ الإنسان عندما يجوع يتغذّى من هذه الخلايا.

ويقول سالوم، أحد الأطباء المعالجين بالصوم: “إنّ من نتائج الصيام وزن أقل، وجلد نقي، وإزالة متزايدة للسموم، وإصلاح للأنسجة، وانخفاض في الألم والالتهاب، وزيادة في التركيز، واسترخاء، وتوفير في الغذاء والوقت. وربما الفائدة الكبرى تتمثّل في الرضا بأنك لعبت دوراً رئيسيًّا في تحسين صحتك”.

وقد لخّص القرآن الكريم كلّ هذا الكلام بكلمات بليغة ووجيزة ” وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ” .
هل يرافق المراهقون صيامهم بالصلاة؟

أظهرت الدراسة التي أجريناها أنّ 48.5 % من المراهقين الذين يوصومون لا يرافقون صيامهم مع الصلاة فيما 51.5% يصلّون، وقد تدفعنا هذه الأرقام إلى الإشارة إلى أنّ حوالي نصف المراهقين يصومون لأنّهم اعتادوا على ذلك في بيئتهم الضيّقة، وهم بالتّالي غير متمسكين بكل فروض الدين وإن كانوا يعتبرون أنّهم مؤمنون.

ويمكننا الاستنتاج أنّ الصوم عند أفراد هذه الفئة من العينّة لا يتعلق بالضرورة بالتزامهم بفروض الدين الإسلاميّة أو المسيحيّة؛ ونستشهد هنا بآية قرآنية “من صام ولم يصل فهو كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، فالصلاة عماد الدين”.

كما نتوقف بالسياق عينه عند ما قاله القدّيس يوحنا السلمي في كتابه “السلّم الى السماء” الصوم هو طهارة الصلاة وليس هدفاً بحدّ ذاته، وإنّما وسيلة للوصول إلى الهدف، إلى الله، ” خُبزُ الحَياة” (يوحنا 5: 48). 

الصدق ضروري في بناء شخصيّة المراهق

وفي الختام لا بد من دعوة المراهقين إلى تفهّم المعنى الحقيقي للصوم، والغاية التي أراد أن يزرعها الله في نفوس الصائمين، ولذا يستحضرنا بعض ما جاء في انجيل متى، المهمّ في الصّوم عدم تباهي الصّائم بصومه أمام الناس لكي يكسب منهم مديحاً، بل الصّوم المقبول عند الله هو الصّوم الخفي المعلن لله، لأن الصّوم هو أمر شخصي وليس فرصةً للتظاهر.

وأيّاً تكن رغبات المراهق؛ التزامه بالصيام أو عدمه، تمسكه بفروض دينه أم لا، المهم أن يكون صادقاً ومقتنعاً بما يقوم به، لأنّ المراهقة مرحلة غير مستقلّه بحدّ ذاتها، وكل ما يمرّ به المراهق له تأثيرات كبيرة في تكوين شخصيّته التي هي هي نتاج تفاعله مع محيطه.

المصدر: رصيف 22