أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » دمشق المنهكة تتهيأ للعيد

دمشق المنهكة تتهيأ للعيد

الحركة النشيطة التي تشهدها أسواق مدينة دمشق بعد الإفطار، تغري بالخروج من المنازل للاستمتاع بنسيم الليل العليل بعد يوم حار، حيث تتزاحم الأجساد أمام محلات المثلجات والمرطبات، وتعبق الأجواء المحيطة بالمقاهي بدخان الأراجيل، ويجن ليل المطاعم بأصوات مغنين يُحْيون برامج الليالي الرمضانية بصخب غوغائي، بالتوازي مع ذلك وفي مفارقة فاقعة، تضيق صحون الجوامع بمصلي التراويح، فيحتلون الأرصفة المحيطة، ويقيمون صلاتهم بخشوع وانضباط تأمين، قريباً من صخب المقاهي والمطاعم، وأكشاك بسطات الباعة الجائلين، حيث تتكوم البضائع ومستلزمات الأعياد بسخاء تحت إنارة تعمي الأبصار.

أحمد جاء مع عائلته للتنزه في حديقة الجاحظ بعد الإفطار، يقول إنه أدى صلاة التراويح مع زوجته في جامع «بدر» ثم جلسا مع أولادهما على الرصيف بجوار الحديقة المغلقة ليلاً ليشربوا الشاي قبل حلول موعد السحور، وقد جلبوا معهم الكراسي والترمس الشاي، ومثلهم العشرات ممن يتنزهون على الأرصفة لأن ليس بمقدورهم تغطية تكاليف الجلوس في المقاهي، خصوصاً في تلك المنطقة التي تعد من الأحياء الراقية في دمشق.

يقول أحمد: «تكلفة شرب الشاي في أحد تلك المقاهي مع عائلتي لا تقل عن 20 ألف ليرة، بينما دخلي الشهري لا يتجاوز مائة ألف ليرة، (الدولار يعادل 434 ليرة تقريباً). والسؤال الذي يحير أحمد والغالبية العظمى من السوريين: «من أين يأتي رواد أماكن الخمس نجوم بالمال؟».

صور «مدينة الياسمين» التي يروّجها إعلام النظام والإعلام الموالي، تريد القول إن دمشق في طريقها إلى التعافي من 7 سنوات حرب، لكن الولوج في عمق تلك الصور والنظر إلى ما خلفها يكشف عن مدينة منهكة، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، تنمّ عنها مفارقات فاقعة، فبينما ترتفع في الشوارع صور لرموز النظام تحمل التهاني بالنصر، تنتشر أخبار تأديب عناصر الشرطة الروسية لجنود النظام لقيامهم بمخالفة القوانين!

المفارقات والتناقضات الحادة إحدى أبرز بصمات الحرب التي يعاينها سكان دمشق يومياً، فيقول تاجر في سوق الشعلان: «السوق داقر (حركتها بطيئة)، لا مال في أيدي الناس لتشتري، ومع ذلك ترتفع أجور المحلات والعقارات بشكل خيالي، ونحن أصحاب المحلات لا همّ لنا سوى التملص من دوريات الحكومة التي تلاحقنا على الكعب». ويضيف متأففاً: «ألا تكفينا الجمارك وحماية المستهلك، والصحة والكهرباء وما يسطرونه من مخالفات جائرة… الآن جاء دور المالية ومتابعة التهرب الضريبي، إنهم يحضرون فجأة ويفتشون الكومبيوترات ودفاتر الحسابات ويضعون أرقاماً ضريبية على هواهم. وإما أن ترضى وإما أن تدفع المعلوم لدفع البلاء». غير أنه يؤكد أن هذا السلوك «لا يطبَّق إلا على التجار العاديين، كأننا نعمل لدى الحكومة، بينما يتركون الشبيحة وأمراء الحرب يُغرقون الأسواق بمختلف أنواع البضائع المهربة والمنتهية الصلاحية ومجهولة المنشأ التي تضرب الأسواق المحلية بلا حسيب ولا رقيب».

يستبيح أمراء الحرب والشبيحة والعساكر المدينة، ويفرضون عليها ذائقة مشوهة تقضي على هوية المدينة الأصيلة، حسب ما قالته طبيبة تملك عيادتها في الصالحية، قلب دمشق التجاري. وتضيف: «تغيرت دمشق حتى لم تعد تعرف نفسها»، وتعطي مثالاً منطقة الطلياني حيث يقع مشفى الطلياني العريق، وجسر أبيض المعروف بسوق المانطو، والعفيف حيث السفارة الفرنسية، بأنها كانت من أجمل وأنظف أسواق الملبوسات في دمشق، لكنها اليوم ومع انتشار بسطات الخضار تحولت إلى منطقة أشبه بجراجات الهوب هوب (مراكز انطلاق الحافلات الشعبية)، في تلك المناطق قمامة وصخب ومتسولون وبؤس، شيء مؤسف». وتضيف الطبيبة: «هناك من احتل دمشق وفرض هويته المشوهة عليها، منهم أصحاب سيارات فارهة يجوبون الشوارع بلا ذوق، يطلقون أصوات الأبواق أو موسيقى نشازاً دون مراعاة لحياة الآخرين ولا لنظام السير ولا لأي شيء كأنهم في حلبة استعراض قوة».

مظاهر الابتذال واستباحة الحيز العام الذي تحدثت عنها الطبيبة، تقابلها مظاهر غاية في البؤس تشهدها مقاعد الحدائق العامة وأرصفة الشوارع في الأحياء السكنية ما بعد منتصف الليل، حين تخف الأنوار ويخف تزاحم الأقدام، فتفترش الأرض عائلاتٌ نازحة شرّدتها الحرب، وأطفال امتهنوا التسول، وشيوخ فقدوا المعين والمعيل، يلتحفون خرقاً رثة ويغفون على قطع من الكرتون تداري أوجاعهم بضع ساعات من النوم.

وفي ساحة العباسيين التي كانت قبل أشهر قليلة منطقة ساخنة محاذية لجبهة جوبر، تنام امرأة مع أطفالها، ويقول أحد سكان المنطقة إن العائلة تنام هنا منذ توقف انهمار القذائف. وعن حال حي العباسيين بعد إزالة عدد من الحواجز المحيطة به، يضيف: «توقعنا بعد إزالة بعض الحواجز أن تعتني الحكومة بالنظافة والخدمات لكن هذا لم يحصل، ولا تزال المطبات والحفر التي خلّفتها الحرب قائمة، والقمامة تزكم الأنوف».

إنه العيد الثامن الذي تتهيأ له دمشق وهي تنتظر غروب شمس حرب طالت، وورّثتها أوجاعاً لا يبدو أنها ستزول في الأمد القريب، ففي حي الميدان الذي لا ينام، تشتعل إنارة العيد لتضيء الحلويات، لكن القلوب المعمَّرة بالحزن لن تلحظ سوى وجه المجند النحيل عند الحاجز وقد كلّت يمينه من فتح صناديق سيارات العابرين.

المصدر: الشرق الأوسط