أخبار عاجلة
الرئيسية » صحافة وإعلام » هنادي الخطيب تفتح النار على ما يسمى المثقفين ( الاعلاميين والصحافيين خاصة ) السوريين اللاجئين في اسطنبول

هنادي الخطيب تفتح النار على ما يسمى المثقفين ( الاعلاميين والصحافيين خاصة ) السوريين اللاجئين في اسطنبول

انتظرتُ عامًا كاملًا كي أستطيع الحصول على فيزا إلى تركيا، عامًا من الرفض المتكرر، لم نستطع -السوريين- فهمَ أسباب التضييق على دخولنا إلى تركيا، ولكن أنّى لنا أن نطلب تفسيرًا لقرار سلطوي، ونحن الهاربون من أبشع سلطة، فلا بأس ألا نفهم قوانين دولة وفرت لنا حماية وملجأ.

بكل الأحوال، حصلت على الفيزا، وبدأ خيالي يسرح في الحياة السعيدة التي سأعيشها في إسطنبول، ليست المدينة فقط هي ما انتظرت أن أنتقل للإقامة فيها، الحقيقة أن الكثافة السورية في إسطنبول كان السبب الأول والثاني والعاشر، والسبب نفسه اليوم هو ما يدفعني إلى التفكير بكل الطرق للخروج من المدينة.

إسطنبول المدينة التي تتقاسم مع باريس الناشطين والمثقفين السوريين، فهي إذن مدينة الخطيئة، والفساد والشطارة السورية، مدينة المؤامرات والكذب، مدينة التعالي على الناس، مدينة “الرزق بيحب الخفية”، مدينة سرقة الفرص، مدينة الشاشات الإخبارية والشهرة الكاذبة، لربما قال طه حسين سورية: إسطنبول مدينة الجن والملائكة، كما قالها طه مصر عن باريس.

منذ أن وصلت إلى إسطنبول، سعيت سريعًا للتعرف على المجتمع السوري “المثقف”، لكني هربت أسرع مما كنت أتوقع، لقد كانت أول خيبة في إسطنبول، إحدى أكثر المدن استقبالًا للسياح في العالم؛ كانت خيبة العاطفة لأكون دقيقة، فما الذي سيميز سوريي إسطنبول “المثقفين”، عمّن رأيناهم يشاركون في تشتيتنا وتفرقتنا، عبر شاشات الإعلام وساحات اللايكات الألفية الفيسبوكية؟

السوريون في إسطنبول يعيشون على (فيسبوك) أيام الثورة الأولى، لا يزالون يقولون إنها “حرية للأبد”، يكتبون بوستات على (فيسبوك) تراوح ما بين المثالية والأحلام، وما بين وهم أن كلماتهم المفعمة بروائح الشيشة التركية تغيّر موازين القوى في سورية.

سوريو إسطنبول المثقفون يضعون سوار علم الثورة الأخضر، يرفعون يدهم لتظهر في كل الصور التي ينشرونها على (إنستغرام)، نعم يا سادة، السوريون في إسطنبول نشيطون على (إنستغرام)، ونشيطون أكثر على الشاشات الإخبارية، ونشيطون أكثر بتوزيع شهادات الوطنية، نحن -السوريين في إسطنبول- نعيش أول أيام الثورة.

السوريون الإعلاميون في إسطنبول يراقبون التهجير الذي يحدث للسوريين في سورية، على الهواء مباشرة، فهو أمر سيحتاجون إليه في مداخلاتهم، التي تقتصر على الصراخ والتباكي، وكأن مهنتنا الجديدة هي التباكي.

سوريو إسطنبول المثقفون، يعيشون حياةً تناقضُ حياتهم الافتراضية، يعيشون حياتهم كما كل الناس، وإن كان من الطبيعي أن يعيش الإنسان ويأكل ويشرب ويدخن ويخرج في رحلة مع أصدقائه أو عائلته، فإن السوريين في إسطنبول، لكثرة التملق على (فيسبوك)، يجعلون من ممارستهم لحياتهم الطبيعية ذنبًا من الصعب غفرانه.

السخرية الحقيقية تأتي بامتشاقهم سيف الدول الراعية، فيتشاجرون افتراضيًا، ويتشاتمون لتمجيد دولة خليجية تدفع راتبًا، ثم بعد أن ينتقل منبع الراتب إلى دولة أخرى؛ يشتم الحبيبة القديمة، ويتغزل بالجديدة. أما ما لا يمكن فهمه، فهو إطلاق رصاص الكلام على كل من ينتقد الدولة التي يوجد فيها، فلا راتب هنا ليكون مبررًا للتسبيح بحمد رئيس الدولة، وكي لا نظلم أنفسنا فليس المبرر دائمًا ماديًا، فيطرح البعض نظرية أن هناك مَن يعتقد أن ممارسة التملق اللامحدود يمكن أن تساعد في ترشحهم لمنصب رئيس الدولة، أو بأسوأ الأحوال تجعله خبيرًا مستشارًا في الشؤون السورية والعربية والإسلامية وربما في الشؤون الدولية أيضًا. بينما يرى آخرون أن البعض قد اعتاد على هذا النوع من الممارسات في بلدهم الأم سورية، من طول العشرة، فليس من السهل نسيان 40 عامًا من التملق والرشوة والفساد والتشبيح وكتابة التقارير، فهل هي فعلًا تربية البعث فينا؟

سوريو إسطنبول المثقفون متعددو المواهب، جميعهم خاضوا تجربة الاعتقال والتعذيب والتظاهرات والهروب، جميعهم أبطال في الثورة السورية حتى الذي كان منهم خارج سورية عندما انطلقت الثورة، وبالطبع هم محترفون بالعلاقات العامة، يقفزون من مقهى إلى آخر للاجتماع بالأصدقاء الناشطين، يتنادون من أجل تظاهرة، يصل منهم عشرون أو ثلاثون للهتاف في التظاهرة، ويخرج 50 مقطع فيديو سيلفي مع علم الثورة، والحناجر تصدح “الموت ولا المذلة”، يبدون وكأنهم خارج التاريخ وخارج الواقع، وبعيدون من أحداث سورية بُعد اليابانيين عن حمورية ودوما.

السوريون في إسطنبول إعلاميون مخضرمون، جميعهم يمتلك المعلومة الصحيحة، وما إن يشكك أحد “الجهلة” بالمعلومة حتى تخرج الأسلحة الكاملة: رسائل (واتساب) وإيميلات ورسائل (فيسبوك)، جميعها تحتوي على المعلومات السرية التي يشاركونها مع جميع الجالسين في المقهى.

سوريو إسطنبول المثقفون أصدقاء الشهيد، زملاؤه في المعتقل، يكملون “برستيجهم”، بمجرد الإعلام عن استشهاد سوري جديد تحت التعذيب، فتظهر آخر رسالة من الشهيد على (فيسبوك)، وتنتشر صور السيلفي مع الشهيد، وتتحول نعيَةُ الشهيد، من الحزن الطبيعي على شاب قُتل تحت التعذيب إلى مباراة بين الأصدقاء. السوريون في إسطنبول جميعهم أصدقاء الشهيد ومشروع الشهيد، كان ينبغي على الشهيد أن يضع قائمة بأصدقائه، ليقلل من المتسلقين على اسمه والمحبين الوهميين.

السوريون في إسطنبول، السوريون المثقفون، يكتبون على صفحاتهم “الثورة مستمرة”، ويمارسون أفكارهم طالما أن النت في تركيا متاح، يشجعون “النصرة” سنوات، ويغيّرون موقفهم حسب الموجة السائدة، يرسلون التحية تلو التحية لأبطال الداخل، وما إن يصل البطل إلى إسطنبول، يحذفون رقمه من موبايلاتهم، فالبطل سيتصل ليسأل عن عمل أو مساعدة مؤقتة، ريثما يدرك الوضع الجديد..

مسكين السوري في إسطنبول، يبني أمجادًا وهمية، أساطير من الحكايا الخرافية، يستمع لبطولات غيره في صفقة ضمنية “أسمع بطولاتك وستسمع بطولاتي”، ينامون قريري العين، هم أدوا واجبهم تجاه الثورة.. تصبحون على ثورة.

المصدر: geroun