أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » ملحمة الخلق البابلية الخالدة : “إينوما إيليش/ عندما في الأعالي”

ملحمة الخلق البابلية الخالدة : “إينوما إيليش/ عندما في الأعالي”

في بابل القديمة، في الأيام الأحد عشر الأولى من شهر أبريل/نيسان كان البابليون يحتلفون برأس السنة الجديدة في الـ”إيساجيلا” أي “البيت المرفوع الرأس” وهو معبد الإله “مردوخ” كبير آلهة بابل.

وكان الطقس أن يتقدّم منه الملك البابلي ويبدي له الخضوع بأن يجلس عنده وحيداً، وقد جرده الكهنة من شارات المُلك، ثم يتقدم كبير الكهنة ويجذب الملك من أذنه ويصفعه على وجهه ويجبره على السجود للإله وهو يتضرع إليه ويتبرأ أمامه من الخطايا، ثم يجذب الكاهن الملك مرة ثانية وهو يصفعه مجدداً قبل أن يعيد له شارات المُلك، فإذا دمعت عينا الملك كان ذلك علامة عن رضا مردوخ.

يشار إلى أنّ مردوخ، بحسب ما رجحه الكاتب عبد الحميد جودة السحار في كتابه “محمد رسول الله والذين معه”، وهو ما نتفق معه، هو المشار له بـ”كبيرهم هذا” في القصة القرآنية للنبي إبراهيم الذي عاصر بابل الكلدانية التي تعبدت لمردوخ.

أثناء الاحتفال برأس السنة البابلية، كان يجري تمثيل قصة مردوخ وملحمة الخليقة التي تحمل اسم “إينوما إيليش” أي “عندما في الأعالي”، وهو اسم قصة الخلق البابلية الذي يبدأ بتلك العبارة “عندما في الأعالي” حسب عادة تسمية كل ملحمة بأولى عباراتها.

هذه الأسطورة، التي كتبت في ألف بيت، يرجح أنها قد كُتِبَت في الألفية الثانية قبل الميلاد، وقد عثرت بعثات الآثار الإنجليزية على ألواحها في حفريات مكتبة الملك الأشوري “أشور بانيبال” الذي كان مولعاً بجمع الكتب.
صراع الآلهة الشابة مع الآباء الأوائل

تقول الأسطورة إن في البدء لم يكن من شيء. إذ “عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء، وفي الأسفل لم يكن هناك أرض”.

لم يكن سوى ثلاث آلهة هم “أبسو”، الماء العذب، وزوجته “تيامات”، الماء المالح، و”ممو” الضباب، وزير أبسو. تزاوج أبسو وتيامات فولٰدا آلهة صغاراً توالدت وتكاثرت وهي تعيش في جوف الأم تيامات حتى صار لحركتهم ضجيج أزعج أبسو فقرر القضاء عليهم.

اجتمع أبسو بزوجته ووزيره وصارحهما برغبته فرفضت تيامات قتل أبنائها وصاحت بزوجها:

لماذا ندمر من وهبناهم نحن الحياة؟

بينما وافق ممو سيده وقال:

نعم يا والدي دمرهم لتستريح نهارك وترقد ليلك

تلك المؤامرة بلغت الآلهة الأبناء، فتصدى أحدهم “أيا”، إله الحكمة والدهاء، لإفشال خطة أبسو، بأن وضع تعويذة حول هؤلاء الآلهة أحاطتهم وحمتهم، ثم أحاط أبسو بتعويذة أخرى ألقت عليه النوم.

فتقدم أيا وخلع عن أبسو، رموزه الإلهية: تاجه ونطاقه، ثم ذبحه، وداهم ممو وربطه بقيد من أنفه، وأقام لنفسه بيتاً فوق جسد أبسو، وبذلك أصبح أيا هو رب المياه إضافة للدهاء والحكمة، ولذلك أيضاً أصبح ممو/الضباب يُرَى دائمًا فوق سطح الماء يتبعه في كل مكان.
مسلة من معبد مردوخ، من مقتنيات المتحف البريطاني

وفي بيت أيا وُلِدَ له ابنه “مردوخ” الذي أرضعته أمه حليب الآلهة:

وأسبغت عليه الجلالة والهيبة، تخلب الألباب قامته، تلمع كالبرق عيناه، يخطو بعنفوان ورجولة، إنه زعيم من البداية

وكانت لمردوخ هيئة إلهية، بخلاف هيئته البشرية المرسومة على المعابد، فهو عملاق متألق بالبهاء، له أربع آذان وأربع أعين، وقد خلق له أبوه الرياح الأربع وجعلها طوعه منذ كان طفلاً.
الإلهة الأم تغضب والآلهة المتمردة تخاف

فور علم تيامات بما جرى ثار غضبها، وزادت بعض الآلهة الكبرى في غضبها بأن لاموها لتقاعسها عن قمع الآلهة الشابة.

قررت تيامات أن تُهلِك الآلهة المتمردة عليها وعلى أبسو، فقامت وخلقت وحوشاً لجيشها:

أتت بأسلحة لا تقاوَم، أفاع هائلة، حادة أسنانها، مريعة أنيابها،

ملئت جسدها بدل الدم سماً.

أتت بتنانين ضارية تبعث الهلع، توجتها بهالة من الرعب وألبستها جلال الآلهة،

يموت الناظر إليها فرقاً.

خلقت الأفعى الخبيثة والتنين والأسد الجبار والكلب المسعور والرجل العقرب،

وعفاريت العاصفة والذبابة العملاقة والثور.

ثم اختارت تيامات من الجيل الأول من الآلهة “كينجو” فتزوجته وجعلته قائداً لهذا الجيش، وعلقت على صدره “ألواح القدر” التي تجعل لكلمته قوة كلمة الإله المقرر للأقدار.
ألواح نقشت عليها ملحمة إينوما إليش، عثر عليها في مكتبة آشور بانيبال، وهي اليوم من مقتنيات المتحف البريطاني، رابط القطعة.

بلغت تلك الأنباء مسامع الإلهة المتمردة بقيادة أيا الذي ذهب إلى جده الإله أنشار-حفيد تيامات المباشر- فيأمره الجد بالإسراع بمواجهة تيامات، فيحاول أيا التصدي لهذا الجيش لكنه ينسحب خوفًا، ثم تلاه الإله “أنو” لكنه انسحب كذلك خائب الحيلة وهو يتساءل كيف يتصدى المرء لجيش كهذا.

هنا يظهر في الصورة الإله الفتى مردوخ، فيهرع إليه أبوه أيا ويستغيث به ويحضره إلى حضرة الإله الجد أنشار الذي يقص عليه ما فعلت تيامات وما أعدت للآلهة من أهوال.
مردوخ وقيادة الآلهة

يوافق مردوخ فوراً على التصدي لتيامات وجيشها، لكنه يشترط على الإلهة التسليم بسيادته عليها

إذا كان لي أن أنتقم لكم حقاً

فأقهر تيامات وأحفظ حياتكم

فإنني أطلب اجتماعاً يُعلَن فيه اقتداري

وعندما تلتقون جذلين في قاعدة الاجتماع

اِجعلوا لكلمتي قوة تقرير المصائر

وليبق ما أخلق قائماً لا يزول

وما أنطلق به من أوامر ماضياً لا يحوّل

وبالفعل، اجتمع الآلهة في وليمة فأكلوا وشربوا الخمر وتراجع خوفهم، ثم اختبروا قوة مردوخ بأن وضعوا له ثوباً وطلبوا منه أن يأمر بفنائه، فأمر به ففُني الثوب، ثم طلبوا أن يأمر برجوعه ففعل فرجع الثوب، فأيقنوا أنه يستحق ثقتهم وأن كلمته قد صارت لها قوة القدر.

ونصبت الآلهة مردوخ ملكاً لها، فأحضروا له عرشاً ورداءً ملكياً وصولجاناً، وصنعوا له أسلحته ليواجه تيامات.

حمل مردوخ هراوته بيمينه، وعلق في جنبه قوسه وسهامه الحادة، وأرسل أمامه البرق يتقدمه، وارتدى درعاً من الزرد (حلقات معدنية متصلة في هيئة قميص) وملأ جسده بالنار الملتهبة، وأمر الرياح الأربع أن تحمل شبكته العملاقة ليصيد تيامات.

خلق كذلك أنواعاً من الرياح على رأسها الرياح الشيطانية والزوابع والإعصار والعاصفة. وتقدمه طوفان من الأمطار.

واعتلى مردوخ عربته الحربية التي تجرها أربعة وحوش هم “المدمر” و”العتي” و”الساحق” و”الطيار”، والسم يسيل من أنيابها الحادة، وجعل عن يمينه ويساره وحشين هما “الفاتك” و”المجلي”، ووضع في يده ترياقاً يقيه سموم وحوش تيامات وبين شفتيه طلسمًا يجعله يطلق اللعنات الرهيبة.

تقدم مردوخ بهيئته تلك من جيش تيامات الذي انكمش قائده كينجو محجماً عن مواجهة الإله الفتى، فتقدمت تيامات نفسها من مردوخ في مبارزة فردية بدآها أولًا بوَصلة من الإهانات المتبادَلة، ثم استطاع مردوخ إفقاد تيامات سيطرتها على غضبها فاندفعت تهاجمه وهي تطلق اللعنات.

كانت المبارزة سريعة، فنفذ مردوخ خطته:

نشر الرب شبكته واحتواها في داخلها، وفي وجهها أفلتت الرياح الشيطانية التي تهب وراءه، وعندما فتحت فمها لابتلاعه دفع في فمها الرياح الشيطانية، وامتلأ جوفها بالرياح الصاخبة، فبطنها منتفخ وفمها فاغر على اتساعه، ثم أطلق الرب من سهامه واحدًا مزق أعماقها تغلغل في الحشا وشطر منها القلب. فلما تهاوت أمامه أجهز على حياتها، طرح جثتها أرضًا واعتلى عليها

عندما رأى الآلهة الكبيرة الموالية لتيامات مصير الإلهة الأم حاولوا الهرب لكن مردوخ ألقى عليهم شبكته وأسرهم جميعاً، ثم داس مسوخ تيامات بقدمه وقيد أطرافهم، وقيد كينجو وأخذ منه ألواح الأقدار فوضع عليها ختمه ثم علقها على صدره.
وهكذا انتصر مردوخ في المعركة الإلهية وخلق العالم

تأمل مردوخ جسد تيامات، ثم شقه نصفين، رفع الأول فجعله سماء،

وبسط الآخر فصارت منه الأرض.

ثم خلق مردوخ في السماء نجومًا وكواكب وجعل لكل إله كوكبه،

وقسم الليل والنهار وجعل لمراحل كل منهما حرساً من الآلهة.

ثم خلق من ثديّ تيامات الجبال والمرتفعات،

وفجر من عينيها نهرا دجلة والفرات.

وجعل الآلهة قسمين، الكبار يعيشون في السماء، والصغار يحرسون الأرض.

ولكن بقيت مشكلة، فالآلهة قد سئمت خدمة نفسها بنفسها، فالتمست من مردوخ أن يخلق لها من يخفف العبء عنها.

فتوجه مردوخ للآلهة الأسيرة من جيش تيامات وعرض عليهم أن يعفو عنهم شريطة أن يدلوه على من كان منهم المحرض الأول لتيامات لتهاجم أبناءها، فأعلنوا أنه كينجو القائد الأسير. فأخذ مردوخ كينجو وقطع شرايينه وصفى دمه حتى مات، ثم أخذ هذا الدم وعجن منه الطين ليخلق الإنسان الذي سيصبح مكلفاً بعد ذلك بخدمة الآلهة وتقريب القرابين لها.

على رأس من تناولوا تلك الأسطورة/الملحمة، كان الباحث السوري فراس السواح في كتابه “مغامرة العقل الأولى”. وهو بعد أن يعرض ترجمتها يعلق عليها من مختلف الزوايا.

فمن الزاوية الفكرية، يشير لكونها تمثل “مغامرة فذة” وهذا لأنها لم تفترض فكرة الخلق من العدم وإنما جعلت الخلق من عنصر مبدئي هو “الماء”، وهو ما يتوافق مع نصوص توراتية وقرآنية تشير لما قبل خلق العالم.

ومن ناحية التاريخ الذي نقرأه بين ثنايا الأسطورة، يشير السواح لأنها تمثل انتهاء “النظام الأمومي” وبداية “النظام الأبوي”، فقديماً كان النظام الأمومي هو الحاكم للأسرة والعشيرة، ثم انقلب عليه النظام الذكوري وسيطر على إدارة الحياة، وهو ما نقرأه في إزاحة حكم تيامات وإقامة حكم مردوخ.

من ناحية السياسة الاجتماعية، يمثل تقديس الآلهة مردوخ وقبولها أن يكون حاكماً مطلقاً لها فكرة الحكم المطلق البابلي وكون ملك بابل لا مساس به وهو المسيطر الأول على كل شيء.

أما من الناحية الطقوسية الدينية فإن تمثيل تلك الملحمة في عيد رأس السنة البابلية يمثل فكرة الصراع الدائم بين الطبيعة الثائرة والإنسان الراغب في السيطرة عليها، فهو صراع أبدي.
إسقاطات تاريخية واردة

يمكننا أن نحاول كذلك قراءة ما بين سطور الأسطورة، فالأسطورة-أية أسطورة-عادة ما تكون إسقاطًا على وقائع تاريخية حقيقية.

فمردوخ كان الإله البابلي المحلي، وعند تسيّد بابل على مدن العراق التي كانت تعيش حالة “المدينة=دولة” فإن هذا يعني أن بابل قد صارت مسؤولة عن حماية تلك المدن مقابل خضوعها لها.

ألا يشبه هذا موقف مردوخ حين اشترط خضوع الآلهة له مقابل الحماية؟

ما يؤكد ذلك هو أن عجلة التاريخ حين دارت لتصبح أشور هي سيدة العراق القديم حلت شخصية الإله “أشور” محل الإله “مردوخ” في نفس الأسطورة.

وفكرة أن “بابل أقيمت بأمر إلهي مباشر” تضفي على الدولة نوعاً من القداسة، فهي لم يبنها بشر عادي وإنما الإله نفسه.

كذلك فإن فكرة الصراع مع “الماء” سواء كان الماء العذب “أبسو” أو المالح “تيامات” تشير لمحاولات أهل العراق القديم السيطرة على مجاري الأنهار وسواحل البحر لإقامة مدنهم. وهو إسقاط تاريخي/أسطوري يتكرر في أكثر من ثقافة.

كما أنها تحمل فلسفة “حياة مقابل حياة”، التي نجدها في الكثير من الموروثات الأسطورية الشرقية، فلكي توهب حياة يجب أن تُسلَب حياة، فتيامات تفقد حياتها مقابل حياة العالم. 

فضلاً عن أنها تعبر عن صراع “النظام” ضد “الفوضى”، فبينما تمثل الفوضى النمط القديم “آلهة تعيش في جوف تيامات”، فإن النظام الذي يستولي منها على مقاليد الأمور هو مردوخ الذي خلق النظام الملكي والمدن والسماء والأرض والتوقيت والتأريخ ووزع المهمات.

وأخيراً لنا أن نتساءل: هل كانت الإينوما إيليش كذلك تعبيراً عن وقائع فيما قبل التاريخ والانتقال من القبيلة للمدينة؟

تعالوا نتخيل: قبائل صغيرة تعيش كل منها منفصلة عن الأخرى، ثم تتعرض لتهديد من عدو أقوى فتستقوي بقبيلة قوية فتية تتصدى لذلك العدو مقابل خضوع باقي القبائل لها، ثم يصبح معبودها الرسمي “مردوخ” هو المعبود للمدينة الجديدة الناشئة عن اتحاد تلك القبائل. أليس هذا هو نمط قيام المدن في العالم القديم؟

يصنّف المشتغلون بعلوم الأساطير الـ”إينوما إيليش/عندما في الأعالي” على أنها واحد من أجمل النصوص، بفضل تفاعل خصوبة الخيال مع دقة الوصف وارتباط كل مرحلة منها بإسقاط دنيوي تاريخي.

كما تتميز الملحمة بدقة الوصف للماديات مثل الوحوش والمسوخ والمعنويات مثل المشاعر والانفعالات، وتقسيمها من مقدمة مثيرة لعقدة “خطر تيامات” ثم مَتن العمل وهو “استعدادات المعركة ثم المعركة ذاتها” و”ذروة” هي انتصار مردوخ و”خاتمة” هي خلق العالم والتسبيح بحمد مردوخ العظيم.

كل ذلك إنما ينم عن خيال خصب وقدرة إبداعية عالية سابقة-من حيث الصياغة-لعصرها، وهو ما جعل منها نصاً يستحق الدراسة من حيث الشكل الأدبي أو المضمون الأسطوري.

مقتطفات الملحمة في النص من ترجمة الباحث السوري فراس السوّاح.

المصدر: رصيف 22