أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » الشمال السوري… الواقع الإنساني وهمّ تأمين الرغيف / وضع كارثي / اعتماد على المنظمات

الشمال السوري… الواقع الإنساني وهمّ تأمين الرغيف / وضع كارثي / اعتماد على المنظمات

كلّما اشتدّ الحصار عليهم، أمل السوريون بالإفلات منه وصاروا ينتظرون لحظة الانتقال إلى منطقة أخرى يستطيعون العيش فيها حياة كريمة. وكلّما اشتدّ القصف عليهم، أملوا بالهرب من القذائف إلى منطقة أكثر أماناً واستقراراً. وصل كثيرون من هؤلاء خلال الفترة الأخيرة إلى الشمال السوري، غير أنّهم لم يجدوا ما كانوا ينتظرونه. الوضع هنا وإن كان أفضل ممّا عاشوه، إلا أنّه ليس آمناً كلياً والحياة المتوفّرة ليست كريمة. يبدو أنّ الشقاء لهم بالمرصاد حيثما ذهبوا. في ما يأتي الحلقة الأولي من محور “الشمال السوري”…

يعيش ملايين السوريين اليوم في الشمال السوري موزّعين بين إدلب وريف حلب الشمالي، إذ إنّ مئات آلاف النازحين وصلوا إلى المنطقة خلال الفترة الماضية في ظل أوضاع إنسانية سيّئة جداً. وقد أدّى ارتفاع نسبة البطالة هناك إلى ضيق سبل العيش الكريم، في حين تشكو المنظمات من عدم توفّر الدعم الكافي وسط مخاطر تدهور الأوضاع يوماً بعد آخر. وحاولت “العربي الجديد” استطلاع أحوال بعض من هؤلاء الذين تهجّروا من بيتوهم ومناطقهم فخلّفوها وراءهم وانتقلوا إلى أخرى “أكثر أماناً” في البلاد.

أبو بشير دغمش مهجّر من الغوطة الشرقية إلى الشمال السوري، يقول لـ”العربي الجديد” إنّ “العيش في الشمال يختلف كثيراً عن الحياة في الغوطة، وثمّة صعوبات تعوّق التأقلم في المنطقة”. يضيف أنّ “أهل الشمال يعتمدون على الإغاثة ولا يملكون صناعة ولا حركة عمل حرفي. وهم في المجمل مجتمع زراعي وينتظرون موسم القمح وموسم الزيتون كمورد رئيسي لهم، غير أنّ المهجّرين لا يملكون أرضاً ليعيشوا من إنتاجها”. يتابع أنّ “ثمّة مؤسسات توزّع مساعدات غذائية لكنّ العملية لا تجري بطريقة منتظمة، بالإضافة إلى المشكلات التي تتخلل عمليات التوزيع. وثمّة من يحصل على حصتَين أو ثلاث حصص في حين أنّ عائلات بأكملها لا يُتاح لها الحصول على حصة واحدة”.

ويؤكد دغمش أنّ “حالة الناس العامة سيئة جداً. يمكن للشخص إيجاد عمل في مجال ما، لكنّ أجره الشهري بالكاد يسدّ إيجار منزله. فمتوسّط أجر العامل اليومي يتراوح بين 1500 ليرة سورية و2000 (ما بين ثلاثة دولارات وأربعة تقريباً)، في حين أنّ متوسّط بدل إيجار منزل غير مفروش في تلك المناطق هو 40 ألف ليرة (نحو 80 دولاراً)”. ويشير دغمش إلى أنّ “المناطق حيث من الممكن إيجاد سكن مجاني أو منازل بإيجار منخفض، لا تتوفر فيها فرص عمل، بينما التنقل بين المناطق ليس بالأمر اليسير، وهو مكلف جداً لارتفاع أسعار الوقود”. إلى ذلك، يقول إنّ “النسبة الكبرى المحرومة من المساعدات هي من الشباب العازبين، وكأنّ الشاب العازب لا يأكل ولا يشرب. وهو ما يجبرهم على العمل مع أيّ جهة عسكرية، حتى ولو لم يكونوا مقتنعين بها وبما تطرحه، لكنّها تبقى ملجأ لهم”.

أمّا محمد السباعي المهجّر من حمص إلى ريف حلب الشمالي، فيقول لـ”العربي الجديد” إنّ “الحياة هنا غالية جداً، والعائلات عموماً تحاول أن تؤمن خبزها كفاف يومها إن استطاعت”، مشيراً إلى أنّ “هذا العام أسوأ من سابقه، إذ إنّ الناس يستغنون عن احتياجات كثيرة، في مقابل تأمين فاتورة الكهرباء وشراء المياه التي تُعَدّ أساسية للحياة. فالعائلة تحتاج يومياً إلى ما بين سبعة آلاف ليرة وثمانية آلاف (ما بين 13 دولارا و15 تقريباً) يُضاف إليها إيجار المنزل الذي يتراوح بين 100 و300 دولاراً، الأمر الذي يجعل الاعتماد كبيراً على ما يصل من المغتربين. ما يجده الناس من عمل داخل المنطقة لا يؤمّن الحد الأدنى من الاحتياجات”.

اعتماد على المنظمات

من جهته، يتحدث براء أبو يحيى المهجّر من الغوطة الشرقية إلى إدلب لـ “العربي الجديد”، عن مصادر المساعدات التي تصل إلى الناس، فيشرح أنّ ثمّة أشخاصاً يعتمدون على المؤسسات والمنظمات الخيرية وهم أكثرية، في حين أنّ آخرين يعملون في محال تجارية أو مصانع أو في أعمال حرة، الأمر الذي يجعل بعضهم قادراً على تأمين وجبتين خفيفتين في اليوم. إلى هؤلاء، أشخاص وضعهم سيّئ جداً وهم من دون عمل ولا مساعدات. يُذكر أنّ العائلة تحتاج في اليوم الواحد إلى ثمانية آلاف ليرة (نحو 15 دولاراً)”.

ويشير أبو يحيى إلى أنّ “واقع المهجّرين من الغوطة الشرقية سيئ جداً بعد خروجهم من الحصار المطبق وفقدانهم كل ما يملكون، في حين أنّ المنظمات لا تغطّي أكثر من 40 في المائة من هؤلاء. وفي شهر رمضان تحوّل الوضع إلى كابوس بالنسبة إلى المهجّرين، إذ إنّ المناطق الشمالية مفتوحة وتتوفّر في الأسواق مواد كثيرة والأب يبكي حين تطلب ابنته منه قطعة حلوى أو فاكهة ويعجز عن شرائها”. ويرى أبو يحيى أنّ “المشكلة تتفاقم نتيجة ضعف التنسيق بين المنظمات، خصوصاً في ما يخصّ مناطق الاستهداف، الأمر الذي يحرم مناطق من المساعدات. إلى ذلك، ثمّة فلتان أمني غير مسبوق، فتنتشر السرقات بصورة كبيرة بالإضافة إلى تفجيرات ومحاولات خطف”.

ويلفت أبو يحيى إلى أنّ “عائلات كثيرة اتخذت قرارها بالسفر إلى تركيا من أجل إيجاد فرصة عمل وتأمين لقمة العيش. لكن الجندرما وحرس الحدود الأتراك يقفون بالمرصاد لكل من يحاول الهرب من مخيّمات الموت إلى الحدود التركية عبر طرق التهريب، إذ إنّه لا تتوفّر سبل سفر شرعية”. يضيف أنّ “ثمّة انتهاكات كثيرة، لم يسلم منها حتى الأطفال. ولديّ أصدقاء تعرّضوا للضرب المبرح لا سيّما بأعقاب البنادق، حتى أصبح لون جلدهم أزرق وأسود. وقد جُرّد بعضهم من ملابسهم كلياً من قبل عناصر الجندرما، وتُركوا كذلك ومن دون مالهم وهواتفهم”. ويلفت أبو يحيى إلى أنّ “الناشطين والحقوقيين ممنوعون كذلك من السفر إلى تركيا من الشمال بطريقة شرعية، لذا يتوجّب عليهم المخاطرة عبر طرق التهريب معرّضين أنفسهم لخطر الإهانة والضرب، وقد يصل الأمر إلى حدّ فقدانهم حياتهم”.

العمل ضرورة

من لا يعمل في إدلب لا يستطع تأمين احتياجاته اليومية، واقع يؤكّده محمد دهنين لـ”العربي الجديد”، وهو صاحب محل للمواد الغذائية في إدلب، يضيف أنّ “عائلة مؤلّفة من خمسة أشخاص على سبيل المثال في حاجة إلى أربعة آلاف ليرة يومياً على أقل تقدير لتأمين طعامها والكهرباء والمياه، في حين يتراوح أجر العامل اليومي بين 1500 ليرة وثلاثة آلاف (بين ثلاثة دولارات وستّة)”.

ويشير ناشطون إلى أنّ “شخصاً واحداً لا يستطيع إعالة أسرة مؤلّفة من أربعة أو خمسة أفراد، الأمر الذي يضطر عائلات كثيرة إلى توجيه أكثر من فرد فيها نحو العمل، حتى ولو كانوا أطفالاً. ومداخيل هؤلاء بالإضافة إلى المساعدات المحتملة التي قد ترسلها إليهم عائلاتهم في خارج البلاد تمكّنهم من الصمود. ويرى هؤلاء الناشطون أنّ الحياة في الشمال عموماً قاسية جداً، إذ إنّ السكان بمعظمهم لا يجدون عملاً يوفّر لهم أجراً يكفيهم مع عائلاتهم ويردّ عنهم العوز. لذا فإنّ العائلة تحاول سدّ عجزها إمّا عبر الحصول على سلة مساعدات من هنا أو سلة من هناك، بالإضافة إلى التقشّف في المصاريف اليومية إلى أقصى حد. وكثيرة هي العائلات التي تعيش أياماً طويلة مكتفية بصنف واحد من الطعام، إمّا البرغل وإمّا الأرزّ وإمّا العدس، إذ إنّها تعجز عن شراء أنواع أخرى، خصوصاً أنّها تحمل همّ تأمين الخبز والمياه. إلى ذلك، فإنّ الكهرباء تغيب عن عائلات أخرى، وقد صارت بالنسبة إليها ترفاً ومن الكماليات، إذ إنّ الأولوية هي لما يسدّ رمق أفرادها.

وضع كارثي

في السياق، يقول مدير فريق منسقي الاستجابة محمد الشامي لـ”العربي الجديد” إنّ “ثمّة أشخاصاً جائعين بكلّ معنى الكلمة، وقد كثرت السرقات من جرّاء الحاجة وانتشار البطالة، وبدأنا نسمع باستغلال جنسي في مقابل السلة الغذائية. لذا فإنّ الوضع خطير وكارثي، خصوصاً بعد تراجع الدعم. أمّا المنظمات التي تعمل ميدانياً، فإمكانياتها ضعيفة ويجري التضييق عليها من قبل السلطات المحلية بشكل كبير، بالإضافة إلى الإتاوات التي تفرض عليها والتي تحدّ من قدرتها على مساعدة المجتمع وتخفيف المعاناة عنه”. يضيف الشامي: “يجب أن ندقّ ناقوس الخطر، فالوضع الإنساني في الشمال كارثي، ومخيمات كثيرة لم تعد تتلقى أيّ نوع من المساعدات الغذائية، مثل مخيمات ريف حارم، في ظل غياب المنظمات. ومن يعش خارج المخيمات يعانِ من غلاء إيجارات المنازل إن وجدت، وعدم توفّر فرص العمل”.

ويلفت الشامي إلى أنّ “الشمال السوري وقبل حركات التهجير الأخيرة، كان يعاني من نقص كبير في الوجبات الغذائية لأسباب عدّة، أبرزها قلّة عدد المنظمات العاملة في هذا المجال والتي تقدّم وجبات غذائية، بالإضافة إلى نقص كبير في عدد المطابخ الميدانية. لكن، حتى ولو استطاعت أكثر من منظمة تأمين المواد اللازمة لإعداد الوجبات في تلك المطابخ المتوفّرة، فإنّها غير قادرة على استيعاب عدد كبير من المستفيدين”. يضيف الشامي أنّ “أسعار مكوّنات الوجبات سجّلت ارتفاعاً كبيراً بينما لم تكن سابقاً تكلّف نصف ما تستوجبه اليوم. إلى ذلك، فإنّ المنظمات والجهات المانحة راحت تتجه إلى اعتماد البرامج الثابتة والمنتظمة ومحاولة الابتعاد عن الوجبات الغذائية بسبب كثرة الشؤون اللوجستية المتعلقة بها، بالتزامن مع حملات التهجير الأخيرة التي وصل خلالها أكثر من 90 ألف شخص خلال الشهرين الماضيين، إلى مناطق إدلب وريف حلب الغربي، في حين سبقتها كذلك حملات تهجير ضخمة من مناطق ريف حماة الشرقي وريف إدلب الجنوبي. كلّ ذلك زاد الأمر صعوبة، إذ تشكّلت فجوة ضخمة بين إمكانيات المنظمات وما هو مطلوب لتغطية الاحتياجات”.

ويوضح الشامي أنّ “الاحتياجات اليوم هي زيادة الدعم الخاص بالوجبات الغذائية، وذلك لتخفيف الضغط المادي الكبير على المهجّرين، واللجوء إلى تفعيل برامج الطوارئ الدورية الشهرية، علماً أنّ المنظمات تعتمد برنامج طوارئ لمرّة واحدة فقط قبل أن تحوّل المهجّر (إذا أمكن) إلى برنامج ثابت يستغرق مدة زمنية طويلة. بالتالي، يُفضّل البرنامج الخاص على الطوارئ لسدّ الثغرات الكبيرة ومساعدة الناس على تأمين قوت يومهم”. ويتابع الشامي أنّ “العائلات المهجّرة لا تحصل كلها على سلال غذائية بسبب انتشارها الواسع في مختلف المناطق، وذلك يحول دون تغطيتها من قبل المنظمات ذات البرامج والقوانين الخاصة، بالتالي لا تحصل على سلال غذائية ثابتة إنّما يقتصر الأمر على سلّة طوارئ لمرّة واحدة”.

من جهته، يقول فؤاد سيّد عيسى وهو متطوّع في منظمة “بنفسج” لـ”العربي الجديد”، إنّ “الداخل السوري يعتمد على المساعدات الإنسانية كمصدر أساسي للاحتياجات اليومية، إذ يعاني الداخل من عدم توفّر فرص عمل. لكنّ المعلومات تشير إلى أنّ المساعدات التي تصل لا تغطي أكثر من 20 في المائة من احتياجات الناس، وهذا مؤشّر خطير في ظل غياب البدائل بالنسبة إلى هؤلاء. يُذكر أنّ المشاريع التنموية والمدرة للربح والتي تؤمّن فرص العمل تغيب عن المنطقة، بالتزامن مع الحركة الاقتصادية البطيئة والمتراجعة”. ويضيف: “نحن كمنظمة نساهم مع مجموعة من المنظمات في تقديم مساعدات إنسانية غذائية، ونعمد شهرياً إلى تقديم 40 ألف سلة غذائية. وثمّة منظمات أخرى تملك برامج مماثلة، لكنّ هذه الأرقام تبدو ضئيلة قياساً بعدد سكان محافظة إدلب المقدّر أخيراً بنحو خمسة ملايين نسمة، مع وصول مهجّري دمشق وريفها وريف حمص”.



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع