أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » أحمد مستاد : عذرا ماركس.. الكرة أفيون الشعوب

أحمد مستاد : عذرا ماركس.. الكرة أفيون الشعوب

لا حديث هذه الأيام سوى عن مونديال الروس، حتى خلت كرة القدم ديانة اعتنقها جميع الأدميين وأضحت خلاص للبشرية -ولو بشكل مؤقت- من آلامها وحروبها ونكباتها وخلافاتها المحلية والإقليمية والدولية التي لا تكاد تنتهي. الجميل أن البعض اكتشف للتو أن كرة القدم هي سيل جارف من الأحاسيس المختلطة، هي فرح وهيستيريا وجنون ونشوة عند تسجيل الأهداف، هي حسرة وألم ودموع عند الخسارة، هي خوف وتوجس عند إصابة نجم الفريق لأن عاشق الرياضة الأكثر شعبية في العالم يعلق عليه كل آماله وأمنياته بعدما خدعه الساسة وأثقلته الحياة همومًا ولم يهتد دونها للفرحة المنشودة. ساعة ونصف يهب فيه هواة «الفوتبول» جوارحهم لفرق ومنتخبات وينسون أو يتناسون بؤس الحياة الذي تركوه خلفهم وانغمسوا في حياة من اختيار أهوائهم.

  الجلد  المدور على صغره استطاع أن يتكفل بما عجزت عنه كل دبلوماسيات الدول، فمباراة واحدة بين الأرجنتين وأيسلندا كانت كفيلة بأن يكتشف العالم مثابرة واجتهاد هذا الشعب الإسكندنافي المكافح الذي وقف الند للند أمام الأسطورة ليونيل ميسي ورفاقه، بلاعبين يزاولون مهنًا أخرى وفي بلد تعداد سكانه مماثل لتعداد سكان بعض المناطق في مدننا العربية المكتظة. من المشاهد اللافتة أيضًا في كأس الدنيا هو مواساة مشجعة إيرانية لمناصر مغربي بعد كبوة أسود الأطلس في مباراتهم الأولى رغم فتور العلاقات الايرانية والمغربية. وكيف شجع الجزائريون إخوتهم المغاربة بكل الجوارح رغم توتر العلاقات الدبلوماسية بين الجارتين وإغلاق الحدود البرية بين البلدين منذ سنوات. الكل أيضًا شعر بالقشعريرة واهتز كيانه عندما شاهدوا صورة يظهر فيها مجموعة من مشجعي أمريكا اللاتينية يرفعون مشجعًا مصريًا وكرسيه المتحرك ليتابع مباراة بلاده، وفهم الجميع ماذا يعني التلاقح الثقافي عندما جلست مشجعة بولندية بجانب مناصرين سينغاليين بعيدًا عن كل مظاهر العنصرية والتعصب التي أصبحت سائدة في العالم.

 كأس العالم أيضًا شكلت مناسبة لمصالحة الشعوب العربية مع  وطنيتهم  وحبهم لبلدانهم، كان فرصة للحمة أمم سائرة نحو التفكك وسادت فيها التفرقة لأسبباب دينية وعرقية أو لاختلاف التصورات والرؤى حول سبل انتشال المجتمعات العربية من براثن الجهل والتخلف وتضارب مصالح سياسيها، لقد بكينا وتألمنا جميعًا لخسارة بلداننا العربية، لكن الإيجابي أن أغلبنا تخلى عن عبارات الخذلان والسخط التي يمطر بها الآخرين كلما باغتهم شبح الفشل،  وشجعنا لاعبينا رغم مرارة النتائج، لقد تخلينا عن خطابنا العدمي والسوداوي وتمنينا الأفضل لمنتخابتنا خصوصًا المنتخب التونسي والمغربي اللذين ظهرا بوجه مشرف لحدود كتابة هذه السطور. فعلنا كل هذا لأننا رأينا بأم أعيننا كيف ابتلت القمصان بعرق الرجال وكيف اقتلع نور الدين امرابط خوذته الواقية وكيف قاومت تونس ببسالة الإنجليز رغم الفارق الفني الشاسع بين المنتخبين.

لقد وصلنا -ربما- لدرجة من الوعي فأصبحنا نعرف أن كل أولئك المسؤولين الذين يرفعون شعار تمثيل البلد في المحافل الدولية ببذلاتهم الأنيقة ورحلاتهم الفاخرة ليسوا مجرد انتهازيين يدافعون عن مصالجهم الشخصية، لذلك علقنا كل آمالنا على منتخاباتنا الوطنية. فعلى الأقل كرة القدم تلعب في المستطيل الأخضر والنتائج تحصد بمجهودات اللاعبين بعيدًا عن الكولسة ومناورات من احتكروا حب الوطن لأنفسهم.

 كرة القدم معجزة حقًا لأنها جعلت أحدهم يشجع بلدًا لا يعرف موضعه في الخريطة فقط حبًا في حسناوات المدرجات، وغيرت بوصلة قدر كارلوس تيفيز ومعه الكثيرين من الإجرام إلى نعيم الحياة ومن الفقر إلى الثراء، الجلد المدور يوفر الملايين من فرص الشغل في العالم، ويشبع الحاجة النفسية للانتماء للكثيرين من الذين يشعرون بحالة من التية داخل المجتمع والخذلان من الجميع. علمتنا الحياة أن مجابهة القوى العظمى اقتصاديًّا وتقنيًّا وسياسيًّا درب من الخيال ولكن الساحرة المستديرة لقنت الجميع درسًا أن المستطيل الأخضر هو محك للفدائية والقتال لتشريف الأوطان ولا يفوز سوى من أسرع إيصال نداء القلوب للأقدام ويشهد المكسيك وأيسلندا على ما أقول. لكل هذه الأسباب، عذرا كارل ماركس.. الكرة أفيون الشعوب.

أحمد مستاد

مواطن مغربي، طالب إعلام وعاشق للحياة

المصدر: ساسة بوست