أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » تباين المعارضة السورية بشأن اللجنة الدستورية: انعكاس لخلافات دولية؟

تباين المعارضة السورية بشأن اللجنة الدستورية: انعكاس لخلافات دولية؟

تطفو خلافات على سطح الجهود القائمة لتشكيل اللجنة الدستورية السورية، التي تدفع روسيا والأمم المتحدة باتجاه إنشائها لوضع دستور جديد للبلاد، في مشهد يعكس تباينات دولية وإقليمية، مع ضغوط يمارسها أكثر من طرف لتكون له كلمة في هذه اللجنة ودورها، وهو ما ينعكس كذلك خلافات بين الأطراف السورية، وفي ظل وجود وجهتي نظر داخل الهيئة العليا للمفاوضات السورية، الممثل الأبرز للمعارضة، والتي تستعد لاجتماع حاسم حول هذه المسألة في العاصمة السعودية الرياض غداً الإثنين، وسط استمرار الغموض حول مهام وأولويات اللجنة.

ودخل أكثر من طرف دولي على خط هذه اللجنة، أبرزها روسيا، إضافة إلى مصر. ولا تكتفي موسكو بدفع الأطراف السورية للمشاركة في اللجنة بل إنها تضع شروطاً، وهو ما تمثّل في تشديد وزارة الخارجية الروسية على أن تكون قائمة ممثلي المعارضة لتشكيل اللجنة الدستورية شاملة، وأن تضم مرشحين عن كل فرق المعارضة الرئيسية في الداخل والخارج. وقالت الخارجية في بيان عقب مشاورات بين نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، ونائب رئيس لجنة التفاوض السورية المعارضة خالد المحاميد، الذي ترددت معلومات عن إقالته من اللجنة، إن “الحكومة السورية سلّمت بالفعل المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا قائمة بممثليها في اللجنة، في حين أن المعارضة لم تضع بعد قائمة مماثلة، يجب أن تكون شاملة وتشمل مرشحين من كل مجموعات المعارضة الداخلية والخارجية الرئيسية”. كذلك دخلت القاهرة على الخط بلقاء وزير خارجيتها سامح شكري، مساء الخميس، وفداً من المكتب الرئاسي للهيئة العليا للمفاوضات برئاسة نصر الحريري، بحضور أعضاء من ممثلي “مؤتمر القاهرة”.

وفي السياق، كان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، يؤكد الخميس، أن اللجنة الدستورية السورية ستشكل قريباً. وقال في مؤتمر صحافي عقب مباحثاته مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: “نحن نعمل معاً لضمان تنفيذ نتائج سوتشي بالكامل، وكما تقرر سيتم تشكيل لجنة دستورية قريباً، نحن نعمل بشكل وثيق مع روسيا من أجل تحقيق نتيجة”.

التدخّلات الدولية أكدها عضو “هيئة التفاوض” المعارضة جمال سليمان، الذي قال إن “هناك أكثر من طرف إقليمي ودولي يضغط لممارسة دوره في تشكيل اللجنة”. وشدد في تصريحات نشرتها وكالة “سبوتنيك” الروسية، على وجود خلافات دولية وإقليمية، مضيفاً “لا توجد خلافات حول الأسماء داخل الهيئة العليا، ولكن الخلافات حول التوقيت، فهناك من يرى ضرورة الإسراع في تسمية أعضاء اللجنة للحفاظ على مكانة الهيئة، وهناك من يرى أهمية التريث وإجراء المشاورات اللازمة”.

على ضفة المعارضة، استبقت المُعارِضة السورية، فرح الأتاسي، اجتماع الرياض غداً الإثنين، بالإعلان عن رفضها المشاركة فيه، واصفة الاجتماعات والتحضيرات المتعلقة باللجنة الدستورية بـ”السيرك المفخخ السياسي”. وقالت الأتاسي في منشورٍ لها في صفحتها على “فيسبوك” مساء الجمعة، إنه تمت دعوتها لـ”اجتماع الأمانة العامة لهيئة التفاوض بالرياض، وأعتذر عن حضور هذا الاجتماع، وعن المشاركة بمهرجان اللجنة الدستورية”، معلنة رفضها أن تكون “جزءاً من هذا السيرك المفخخ السياسي، أو عضواً بهذه اللجنة الخاضعة للإملاءات الإقليمية والدولية والتي تقزّم ثورة شعب قدم تضحيات هائلة ومكلفة من أجل تعديل دستوري! واقتسام السلطة مع النظام المجرم وأبواقه ومعارضته التي إما تشبهه أو تلك التي تدور في فلكه”، وفق قولها.

وتعقد الهيئة العليا للمفاوضات غداً، اجتماعاً في مقرها الدائم في الرياض، لـ”اتخاذ القرار المناسب، في ما يتعلق باللجنة الدستورية، وبقية التطورات” بحسب تغريدة لرئيسها نصر الحريري عبر “تويتر” قبل أيام. ويتزامن اجتماع الرياض، مع لقاءاتٍ “تشاورية”، يعقدها دي ميستورا، في جنيف، مع ممثلين عن الولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، والسعودية، والأردن، وتهدف بشكل أساسي، لبحث آلية وعمل اللجنة الدستورية، التي يعكف دي ميستورا، منذ أشهر على إعدادها.

وتتسع دائرة الخلاف بين مكوّنات الهيئة العليا المنوط بها اتخاذ قرار المشاركة في اللجنة الدستورية، بين تيارين، إذ يحاول تيار داخل الهيئة تعويم طرحه الذي يقوم على مبدأ عدم معاندة الجهود الدولية للحل من أجل حشر النظام في زاوية الإحراج السياسي لدفعه لمزيد من التنازلات وهو ما يعني خلخلة النظام من داخله وهو مقدمة لانهياره سياسياً. فيما يعتبر تيار آخر داخل الهيئة أن التنازلات المؤلمة للروس والإيرانيين تكريس لإرادة موسكو وطهران وأنه لا بد من التمسك بالقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي الخاصة بالملف السوري، وأن الموافقة على مناقشة الدستور أولاً مقدمة للقفز فوق قضية الانتقال السياسي القائم على تشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات من دون بشار الأسد تقود مرحلة انتقالية.

وكان مؤتمر سوتشي الذي رعته موسكو، وعُقد في 30 يناير/كانون الثاني الماضي، قد تبنّى إنشاء لجنة للإصلاح الدستوري، تتكوّن من وفد للنظام السوري ووفد معارض واسع التمثيل، “بغرض صياغة إصلاح دستوري يسهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 2254”.

ولم تتضح بعد ملامح اللجنة الدستورية لجهة عدد أعضائها ومهامها، خصوصاً أن النظام يصر على أن مهمة اللجنة إجراء تعديلات على دستور وضعه في عام 2012، ترفضه المعارضة جملة وتفصيلاً لأنه يعطي رئيس الجمهورية صلاحيات مطلقة، وتريد وضع دستور جديد قريب من دستور عام 1950 الذي يُعتبر وفق المعارضة من أفضل الدساتير التي وضعت في سورية. كما ترفض المعارضة دستور 2012 بسبب رمزيته، إذ قُتل وشرد ملايين السوريين من قبل النظام منذ إقراره، وهي لن تقبل إجراء تعديلات طفيفة عليه فقط.

وكانت “منصة موسكو” تحالفت مع “التيار الوطني الديمقراطي السوري” الذي يرأسه هيثم مناع، وتيار “الغد السوري” الذي يرأسه رئيس الائتلاف الوطني السابق أحمد الجربا. وشاركت هذه المنصات الثلاث في مؤتمر سوتشي، وهي تُتهم من قبل المعارضة بالتماهي تماماً مع الرؤية الروسية تجاه الحل السياسي في سورية، خصوصاً لجهة تثبيت رئيس النظام بشار الأسد في السلطة، وهو ما يؤكد ان أعضاء اللجنة الدستورية في حال إقرارها مقبلون على معركة سياسية كبرى، خصوصاً أن النظام يريد دستوراً على مقاسه يسمح للأسد بالترشح مجدداً لمنصب الرئاسة في البلاد.

وتحاول المعارضة تقليل الخسائر السياسية إلى الحد الأدنى من خلال الموافقة على البدء في مناقشة الدستور قبل حسم مسألة الانتقال السياسي كما ينص بيان جنيف 1 والقرار 2254، ومورست ضغوط إقليمية كبيرة على المعارضة لتسهيل مهام الأمم المتحدة على هذا الصعيد.

ولم تعد المعارضة تمتلك أوراق ضغط سياسي مهمة، بعد أن خسرت أهم مناطقها في سورية، وانحصر وجودها في شمال البلاد وجنوبها في ظل مؤشرات على نية النظام تصعيد الموقف عسكرياً في جنوب البلاد، لتحقيق استسلام عسكري وسياسي من قبل المعارضة يمهد الطريق أمام حل نهائي ينهي حالة المعارضة ويثبّت النظام في السلطة برموزه المعروفة. ومن الواضح أن موسكو تريد أن تكون اللجنة الدستورية مدخلاً واسعاً لـ”مصالحة” كبرى تشمل البلاد برمتها، وهو ما يعني سياسياً نسف كل المرجعيات الدولية للحل التي تتمسك بها المعارضة وإعلان “هزيمة” الثورة السورية من خلال اقتسام السلطة مع نظام لا يزال يملك أجهزة أمنية مطلقة الصلاحيات في الفتك بالسوريين.

أما مشاركة الأحزاب الكردية في اللجنة الدستورية، فلم يتضح حجمها بعد، خصوصاً حزب “الاتحاد الديمقراطي” الذي يتخذ من الوحدات الكردية ذراعاً عسكرية له وبات عملياً يحكم نحو ربع مساحة سورية. ومن المتوقع أن تضم قائمتا النظام والمعارضة شخصيات كردية، ولكن “الاتحاد الديمقراطي” يريد تمثيلاً له في اللجنة وهو أمر لم تتم تسويته بعد من قبل دي ميستورا حتى الآن.

أمين العاصي



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع