أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » فيلتسيا لانغر.. وداعاً

فيلتسيا لانغر.. وداعاً

على ما وسعهم من فضاء العالم الافتراضي، أقام المناضلون الوطنيون والمثقفون الفلسطينيون الديمقراطيون، فور تلقيهم نبأ رحيل المحامية الحقوقية التقدمية، فيلتسيا لانغر، سرادق عزاء مفتوحا، راحوا يتبادلون فيه مشاعر العزاء والمواساة، إلى جانب تعابير الحس بالخسارة الثقيلة، بفقدان أول من دافع عن الأسرى والمعتقلين أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية الجائرة، ووقف بصلابة منقطعة النظير ضد سياسات القتل والتعذيب المميت، والإبعاد والاعتقال، ومصادرة الأراضي وهدم البيوت، في وقت مبكر من زمن الاحتلال عام 1967، حين بدت شجاعةً هذه المرأة، في حينه، بمثابة أول خيط شعاع ضئيل في عتمة ليل فلسطيني دامس وطويل.

لا نعلم على وجه الدقة بعدُ كيف استقبل آلاف الأسرى والمعتقلين في غياهب الباستيلات الإسرائيلية خبر وفاة رفيقة دربهم، ومؤنسة عزلتهم، فيلتسيا لانغر، لا سيما العشرات ممن ترافعت عنهم هذه المحامية اللامعة، قبل أن تسلّم الأمانة لمساعدتها الشابة، وتغادر إلى ألمانيا عام 1990، وقد تقدم بها العمر قليلاً، في غمرة شعور عميقٍ باليأس والاشمئزاز وعدم الجدوى، إزاء عبثية الإقامة في دولة احتلال فاشي، أقيمت على أنقاض شعب آخر، وفق ما قالته بصراحة، وخشيةً من عقابيل ظهورها بمظهر ورقة التوت في لعبة الديمقراطية الوحيدة المزعومة في الشرق الأوسط.

غير أن من المؤكد أن مسحة الحزن التي رانت على مداخلات الذين تبادلوا، عبر الشبكة
العنكبوتية، كلمات العزاء بين بعضهم بعضاً، برحيل هذه المناضلة الحقيقية، كانت أكثر قتامة على وجوه أبناء الحركة الفلسطينية الأسيرة، وكانت مواساة هؤلاء بعضهم بعضا أشد مضاضة بهذه الخسارة الفادحة، خصوصاً أن من كانوا يسمونها “الحاجة فولا” ترافعت عن مئات منهم، وقضت جل عمرها في الدفاع عنهم، ونقلت معاناتهم إلى العالم، وخاضت وإياهم أولى المعارك السياسية والحقوقية والأخلاقية، في مواجهة احتلال غاشم، رغب في التستر على وحشيته إلى أبعد الحدود، وإسكات كل صوت فاضح لعنصريته المقيتة، بما في ذلك صوت هذه المرأة اليهودية الباسلة التي بدت، في ذلك الوقت، كأنها الاستثناء على القاعدة.

ولعلها المرة الأولى، أو قل السابقة غير المسبوقة، في تاريخ الصراع الممتد على مدى قرن وأكثر، تبادر فيها معظم القوى الديمقراطية الفلسطينية، ناهيك عن المؤسسات الرسمية في السلطة الوطنية والحكومة المنبثقة عن منظمة التحرير الفلسطينية، بتأبين امرأة إسرائيلية من أبوين يهوديين، والتنويه بدورها الذي لم يسقط من الذاكرة الجماعية، على الرغم من تواري “الحاجة فولا” الطويل عن الأنظار، الأمر الذي يبرز مدى الاحترام والتقدير الشديدين لها، فضلاً عن الاعتراف بمكانتها الرفيعة في الوجدان العام، وذلك على نحو ما جاء في نص بيان وزارة الأسرى والمحرّرين، وهي أكثر الجهات المختصة معرفة بقيمة ما قدمته هذه المرأة للنضال الفلسطيني ومغزاه.

كان لافتاً ما فاضت به مواقع إخبارية فلسطينية، ومنابر التواصل الاجتماعي، من كلماتٍ دافئة عن سيرة المحامية الشجاعة فيلتسيا لانغر، إلى حدّ قال أحدهم “اليوم (22/6) تيتم الأسرى، وفقد النضال الفلسطيني أهم المناصرين لقضيته العادلة”. واستعاد كثيرون صفحات مشرقة من حياتها الحافلة بالمواقف المشرفة، واستذكر نفر منهم مساهماتها الفكرية القيّمة، ومن أهمها كتاب “بأم عيني” وآخر بعنوان “أولئك إخواني”، ومرافعاتها المشهودة عن المناضل بسام الشكعة، والجوائز التي نالتها لقاء كفاحها الموصول في خدمة العدالة، ومنها جائزة برونو كرايسكي، وجائزة نوبل البديلة للشجاعة المثالية، أضف تكريما لنضالها من أجل الحقوق الأساسية الفلسطينية.

واستزادة في تكريم أول رفيقة للفدائيين الأسرى وراء القضبان، نوّه المفجوعون برحيل هذه
المرأة، (قال لي صديق ممن كانوا على صداقة وثيقة معها إنها كانت تخجل من كونها إسرائيلية)، إن الشاعر الراحل توفيق زياد هو من كتب لها مقدمة كتابها “بأم عيني”، وقال فيها؛ “عندما يسجل التاريخ رواية الشعب الفلسطيني في نضاله، سيكون اسم وعمل المحامية فيلتسيا لانغر جزءاً أصيلاً من هذه الرواية”. كما أن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وهي من أعرق المراكز الفكرية في بيروت، ترجمت وأصدرت كتاباً آخر لها بعنوان “الغضب والأمل”، وهو مذكراتها أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية خمسة وعشرين عاماً.

ومع أن فيلتسيا لانغر نادراً ما فازت في القضايا التي ترافعت فيها أمام النظام القضائي الإسرائيلي، المصمم أساساً لتبييض وجه الاحتلال القبيح، إلا أنها كانت صاحبة الفضل في نقل جانب من صور المعاناة الفلسطينية للعالم، وأنها ظلت تعارض الاحتلال بلا هوادة، وتندّد بممارساته الوحشية من دون تحسّبٍ من ردود أفعاله الانتقامية، حيث أنشأت بعد حرب العام 1967 مكتب محاماة في القدس، كرّسته للدفاع عن الأسرى والمعتقلين، وبقيت مثل الشوكة في حلق إسرائيل، وصارت مرجعاً موثوقاً لمنظمات حقوق الإنسان في العالم، وبذلك أدت هذه المرأة، ذات المولد الألماني، دوراً مميزاً في خدمة القضية الفلسطينية، على نحوٍ فاقت فيه أدوار فلسطينيين وعربٍ لا حصر لهم.

بقدر ما كانت فيلتسيا لانغر في حياتها المديدة (88 عاماً) علامةً فارقة في مسيرة الكفاح الفلسطيني، كونها إسرائيلية ويهودية لأبوين ناجيين من المذبحة النازية، بقدر ما مثّل رحيلها، في المقابل، بعيداً عن أرض الميدان الذي أبلت فيه أحسن البلاء، علامة مميزة ومضيئة في آن، تجلت في هذا التقريظ الجماعي الواسع لدورها المساند لنضال الشعب الفلسطيني، وفي هذا الإقرار المعلن على رؤوس الأشهاد بعلو منزلتها الرفيعة في الضمير العام، تماماً على نحو ما عبر عنه وطنيون وديمقراطيون ومثقفون ورسميون فلسطينيون، لم يسبق لهم أن توافقوا بمثل هذه الدرجة، ولا بمثل الجرأة، على الإشادة برفيقة كفاح امتد من أواخر عقد الستينيات إلى نهاية عقد الثمانينيات.

عيسى الشعيبي