أخبار عاجلة
الرئيسية » اخترنا لكم » لنتكلم اليوم عن مدن الحب والسلام: عامودا السورية

لنتكلم اليوم عن مدن الحب والسلام: عامودا السورية

للمدن كالناس حياة. حياةٌ تُبنى على مر السنين الطويلة، وتختلط فيها الخبرات والحكايات مع الأحجار والتراب ليتكون مزيج لا يمكن له في أي حال من الأحوال أن يتشابه في أي مكانين وزمانين مختلفين، فلكل مدينة روح وفِكر وحتى أطباع تميزها عن غيرها.

ولهذا المزيج في مدينة عامودا السورية نكهة خاصة، أهو موقعها شمال شرق البلاد؟ أم تنوع قوميات وأديان وطوائف سكانها؟ أم بساطة أهلها وكرمهم وطرافتهم وثقافتهم العميقة في الوقت ذاته؟

القليل عن تاريخها، والكثير عن حاضرها وما يحدث فيها اليوم سيكون كفيلاً بأن نتعرف إلى مدينة، صغيرة ربما، مهملة في بعض الأحيان، لكن سكانها لا يتعبون ولا يتوقفون عن إرسال إشارات الحب والسلام لبقية المدن السورية وللعالم.
بعض من تاريخ عامودا

تتحدث العديد من الروايات والمراجع عن مدينة عامودا التي كانت في بدايتها مجرد قرية صغيرة. بعض الكتب تروي عن تشييد أول منزل فيها أواسط القرن الثامن عشر على يد عشيرة الدقوري وهي من أوائل سكان عامودا، لتتحول إلى موقع جديد بدأ باجتذاب الناس من المناطق المحيطة، وأخرى تؤكد وجود حياة عامرة فيها أواسط القرن التاسع عشر، بدليل وجود عشرات المنازل ومسجد للمصلين فيها.

أما التسمية “عامودا” فلها أيضاً روايات مختلفة. المسنون يتحدثون عن أسطورة تفيد بولادة طفل على هيئة سفاح في العائلة المالكة بمدينة ماردين، فأمرت والدته بتعليقه على عامود لاتقاء شره، وأخذت القوافل المارة من المكان بتناقل قصص شفهية عن الطفل والعامود، وهو ذات المكان الذي بنيت فيه قرية عامودا فيما بعد.

والرواية الأخرى تتحدث عن أصل كردي للاسم يعود لأيام امبراطورية ميديا الكردية التي كانت قائمة قبل الميلاد بقرون عديدة.

بالعودة للتاريخ الأقرب، فإن المثبت وبشكل فعلي هو هجرة الآلاف من تركيا جنوباً نحو المدن والقرى السورية أوائل القرن العشرين هرباً من الإبادة التي رافقت الحرب العالمية الأولى، فاستقرت عائلات كثيرة من قوميات وأديان مختلفة في عامودا وقرى أخرى غيرها على طول الخط الحدودي الفاصل فيما بعد بين سوريا وتركيا، واستمرت الهجرة حتى خلال سنوات ما بعد الحرب مع رغبة العائلات باللحاق بأفرادها والاستقرار في مكان واحد.

وعامودا اليوم هي ناحية ضمن منطقة القامشلي في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، ويتبع لها أكثر من 160 قرية وثلاث تلال أثرية هي تل “موزان” وتل “شاغر بازار” وتل ” گري شرمولا” وهي تلال كانت مأهولة لقرون طويلة قبل الميلاد.

آخر إحصاء سكاني في سوريا منذ حوالي عشر سنوات تحدث عن وجود قرابة 56 ألف نسمة في عامودا، يشكل الأكراد النسبة الأكبر منهم.

دور عبادة لمختلف الطوائف

نتيجة توسع عامودا وقدوم مئات العائلات إليها خلال الأعوام المئة الأخيرة، برزت حاجة لبناء دُورِ عبادة لمختلف الطوائف التي شكّلت ولا زالت تشكّل هوية المدينة، وهذا ما كان. اعتباراً من الثلث الأول من القرن العشرين شيّدت أربع كنائس في عامودا تتبع لطوائف على رأسها السريان والأرمن.

ولم يقتصر دَور تلك الكنائس على خدمة مسيحيي المدينة الذين وصلت نسبتهم حتى عشرة بالمئة تقريباً وفق تقديرات سكانها، وإنما تحولت لمقصد كثيرين من طوائف أخرى لأهداف مختلفة، وهو ما يتحدث عنه محمد د. من سكان عامودا لرصيف22.

محمد، الذي فضل الحديث باسمه الأول، يصف فترة الخمسينات والستينات في المدينة بأنها “أكبر شاهد على تنوع وغنى عامودا ومعظم المدن والقرى المحيطة بها والواقعة في الجزيرة السورية. المنطقة كانت عبارة عن خليط فريد من قوميات وأديان بعضها قد لا يكون موجوداً في مناطق سورية أخرى وهو ما أكسبها ذلك التميز”.

ومن ذكريات الرجل البالغ من العمر خمس وستين عاماً عن تلك الفترة، ارتياد كثير من المسلمين وخاصة الأكراد المدارس المسيحية في فصل الصيف لدراسة المنهاج الأساسي بشكل مكثف كبديل عن الالتحاق بصفوف تحفيظ القرآن، وتوجه عدد من تلك العائلات لتطبيق طقس العمادة على أبنائها، ظناً منها بأنهم يحصلون على قدسية معينة بذلك.

العمادة هي طقس الدخول في الحياة المسيحية وتتم عن طريق سكب المياه أو الغطس فيها كتعبير عن الولادة الجديدة ونسيان الحياة القديمة.

وللأسف، ووفق تعبير المتحدث، لم تستمر تلك الفترة طويلاً، فبداية السبعينيات والسنوات التي تلتها شكّلت مرحلة جديدة في عامودا والجزيرة بشكل عام، حيث بدأت هجرة شبه جماعية لسكانها وخاصة المكوّن المسيحي لأسباب عديدة، منها الظروف الاقتصادية المتردية وإهمال تنمية المنطقة على كافة المستويات.

الصحفية نالين موسى من إذاعة آرتا في عامودا تتحدث لرصيف22 عن تلك الهجرة، والتي حدثت على مراحل وكان من أهم أسبابها الخروج إلى مراكز المدن الكبيرة خاصة في محافظة الحسكة بحثاً عن طرق لتحسين المعيشة.

وبذلك أصبحت أهم مكونات المدينة العرقية والدينية هي الأكراد (مسلمون وإيزيديون) بنسبة حوالي 70 بالمئة، والعرب من أصول مختلفة ويشكلون قرابة 30 بالمئة من السكان، وتضيف موسى بأن الحرب التي تعيشها سوريا منذ العام 2011 ساهمت بدورها بتغيير طابع المدينة بعض الشيء مع استقبالها لكثير من العائلات النازحة من مدن أخرى مثل حلب وحمص وحتى دمشق.

كنائس طواها النسيان

مع شبه خلوّ عامودا من المسيحيين، والذين تقلصت أعدادهم من 500 عائلة إلى خمس عائلات وفق ما تقول الصحفية، أغلقت كنائس المدينة وبقيت حبيسة الهجر والنسيان، فلا مصلون يرتادونها ولا كهنة يقيمون الصلوات فيها.

يتابع محمد حديثه لرصيف22، ويؤكد بأن إغلاق تلك الكنائس كان له وقع حزين للغاية على أهالي عامودا، “فأكثر ما كنا نفخر به على الدوام هو تنوع مدينتنا وتعايش مكوناتها على اختلافهم، وخشينا بأن تتسبب هجرة المسيحيين ومن ثم إغلاق أماكنهم المقدسة في فقدان ذلك التنوع، ومن ثم استحالة استعادته كما كان”.

ولا يبدو بأن محمد كان الوحيد في تخوفاته تلك، فمعظم أهالي عامودا يشاطرونه الرأي بمدى تنوعهم واختلافهم في الوقت نفسه، وأهمية الحفاظ على ذلك كمدخل لبناء السلم الأهلي والحفاظ عليه، “وما أحوج سوريا بأسرها لذلك اليوم”، يقول محمد. 

جهود أهلية

خلال الأعوام الفائتة دعت جهات أهلية وثقافية عديدة في عامودا وبشكل حثيث لإعادة فتح الكنائس المغلقة، وبعد أشهر طويلة لاقت تلك الدعوات آذاناً صاغية لدى البطريركية وهي المرجعية العليا للسريان الأرثوذوكس في مدينة الحسكة، فحضر وفد كشافي سرياني لزيارة “كنيسة مار الياس الحي” منذ حوالي عامين، وعملت البطريركية بعد ذلك على ترميم الكنيسة لتعيد إحياءها في شهر تموز من العام الفائت بقداس حضره المئات من سكان عامودا والمدن المجاورة.

وعن ذلك الحدث تشرح موسى بالقول: “القداس كان بمناسبة عيد العنصرة وأقامه رجال دين حضروا من مدينة القامشلي، إلا أن عدم وجود كاهن في عامودا حال دون ممارسة الطقوس الاعتيادية في الكنيسة بعد ذلك لتقتصر على بعض المناسبات الدينية أو الأعياد الرسمية أو زيارات بعض الوفود والشخصيات الاعتبارية، وكان آخرها قداس أقيم الأسبوع الفائت”.

وتبين الصحفية أهمية الجهود التي بُذلت في سبيل إعادة افتتاح الكنيسة التي تعتبر من أبرز معالم عامودا، وكان لإذاعة آرتا نصيب كبير فيها حيث سلطت الضوء في حلقات عدة على واقع الكنيسة المهجورة وطالبت بضرورة عودة الحياة إليها.

“نهتم هنا في عامودا بشكل كبير بقضايا العيش المشترك والتسامح والسلام ونتوجه لكافة أهالي المنطقة على اختلاف قومياتهم وأديانهم وطوائفهم عن طريق الاهتمام بشكل متساوٍ باللغات الرئيسية وهي الكردية والعربية والسريانية والأرمنية، والاحتفال بكافة المناسبات القومية والدينية والتعريف بالعادات والتقاليد المختلفة واحترامها”.

قد لا يعود مسيحيو عامودا كما قبل، وقد تستمر الهجرة من المدينة والمنطقة التي لا تزال مصنفة على أنها “منطقة نائية” وفق التصنيفات السورية الرسمية، لكن يبقى هدف أهلها الأسمى هو الحفاظ على تنوعها، وحالة السلم الأهلي الموجودة فيها، لا بل وتصدير هذه الحالة للعالم بأسره.

وعن التسمية مرة أخرى، تسمى عامودا بين أهلها “مدينة الشعراء والمجانين. نصف بنصف”. يحب أهلها الشعر والجنون والرقص الكردي وكل مظاهر الحب والحياة.

المصدر: رصيف 22