أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » الشمال السوري… الواقع التعليمي وسط النقص والإهمال

الشمال السوري… الواقع التعليمي وسط النقص والإهمال

لا تتوفّر أرقام رسمية عن عدد تلاميذ المدارس ولا طلاب الجامعات في سورية الذين ضيّعوا سنوات دراسية على خلفية الوضع الأمني المأزوم في البلاد. هؤلاء من ضحايا الحرب شأنهم شأن مواطنين لهم خسروا الكثير منذ أكثر من سبعة أعوام. اليوم، كثيرون من هؤلاء يعيشون في الشمال السوري بعدما نزحوا إليه من مناطق مهددة، لكنّهم يعانون من مشكلات شبيهة بتلك التي عرفوها في مناطقهم قبل التهجير. هنا كذلك، ثمّة مدارس مدمرة وثمّة نقص في الكادر التعليمي وثمّة إهمال من قبل الهيئات الداعمة. وفي ما يأتي الحلقة الثالثة من ملف “الشمال السوري”…

يبدو أن مستقبل آلاف الأطفال السوريين الدراسي في الشمال السوري ما زال مهدداً بالضياع، في ظل معوّقات كثيرة تهدد استقرار العملية التعليمية واستمرارها، بدءاً من احتياجات المدارس المتزايدة في ظل ازدياد عدد التلاميذ وصولاً إلى الاستقرار الأمني المفقود والوضع الاقتصادي السيئ والدعم شبه المنعدم.

ويتخوّف الأهالي من تأثير ذلك على أولادهم سلباً. أبو عبد الله، واحد منهم، يعيش في إدلب ولديه ثلاثة أبناء أكبرهم في المرحلة الإعدادية. هو يعبّر عن مخاوفه حول مستقبل أبنائه، خصوصاً مسألة إكمالهم تحصيلهم الدراسي، قائلاً: “لم يتبقَ لي في هذه الدنيا سوى أبنائي، ولن أتمكّن من تقديم أيّ شيء لهم إلا الوقوف إلى جانبهم حتى ينالوا شهاداتهم، لعلّها تعينهم على تأمين مستقبلهم بعدما خسرنا كل شيء خلال سنوات الحرب من جرّاء القصف والنزوح”. يضيف أبو عبد الله لـ”العربي الجديد”، أنّ “التعليم هنا وللأسف، ليس مثلما أتمنى. فأيام العطل كثيرة بسبب الوضع الأمني غير المستقر نسبياً، بالإضافة إلى تدخّل بعض الجهات المسلحة بالعملية التعليمية والكادر التعليمي، عدا عن نقص في الكتب والكوادر التدريسية”. ويتابع عبد الله: “من جهتي، أستطيع تأمين مصاريف أبنائي، لكن ثمّة عائلات كثيرة ترى في تكاليف الدراسة عائقاً كبيراً أمام إكمال أبنائها تعليمهم”، شارحاً أنّ “أكثر من ابن قد يعملون ليساعدوا ذويهم في تأمين احتياجاتهم. وبالتأكيد، في مثل هذه العائلات، الفتيات لا يذهبنَ إلى المدرسة”.

أمّا ياسين العبد الله، أبو مأمون، وهو من مهجّري ريف دمشق إلى ريف حلب، وتحديداً منطقة عفرين، فيقول إنّ “الوضع في عفرين ما زال غير مستقر والإدارات والمجالس المحلية في طور التشكل، في حين تغيب عن المنطقة المنظمات المدنية المحلية والدولية، ما يعني غياب الدعم الذي يقتصر اليوم على ما يقدّمه الأتراك فقط”. يضيف لـ”العربي الجديد”، أنّ “التعليم غير متوفّر في المنطقة”، متسائلاً: “أيّ تعليم يتوفّر في مناطق بالكاد تجد فيها بعض الخدمات الأساسية؟”. ويلفت إلى أنّ “عائلات المهجّرين في معظمها لم تستقر حتى الآن، وفي كل يوم تجد واحدة تنتقل من منزل إلى آخر أو من قرية إلى أخرى. لذلك، فإنّ آلاف الطلاب لم يتقدموا لاختبارات نهاية العام، ولا أعلم إن كان من الممكن أن تستقر المنطقة مع بداية العام الدراسي المقبل”.

إهمال من قبل المنظمات

من جهته، يقول رئيس مكتب التعليم في المجلس المحلي لمنطقة معارة النعسان في ريف إدلب، ياسر الحاج أحمد، لـ”العربي الجديد”، إنّ “المدارس في منطقتنا تعاني بمعظمها من نقص في الكوادر ومن قلة الدعم، كذلك فإنّها تعاني من نقص كبير في الكتب المدرسية والمقاعد، في حين يكثر عدد التلاميذ في الشعبة الدراسية الواحدة ليزيد عن 45 تلميذاً. أمّا رواتب المدرّسين بمعظمهم، فما زالت تأتي من النظام”. يضيف أنّ “المدارس في منطقتنا تدرّس المناهج التي أقرّها النظام، بعد حذف بعض الدروس من قبل التربية الحرة في إدلب. تلك الدروس تتحدث عن النظام”.

ويشير الحاج أحمد إلى أنّ “نسب التسرّب وإن كانت منخفضة في المرحلة الابتدائية، غير أنّها ترتفع بشكل كبير في المرحلة الإعدادية والثانوية، لتزيد عن 50 في المائة. والسبب الرئيسي هو سوء الأوضاع المادية، ما يجعل جزءاً كبيراً من التلاميذ يتوجّهون إلى العمل بهدف مساعدة عائلاتهم”. ويتابع أنّ “غياب المنظمات الداعمة للتعليم هو من بين أسباب تدهور الواقع التعليمي. مثلاً، لدينا مدرسة مغلقة منذ خمسة أعوام بسبب عدم توفّر مقاعد وكادر تدريسي، وهذا أمر يحتاج إلى تمويل ودعم غائب اليوم. ونجد على سبيل المثال، منظمات تساند مشاريع الدعم النفسي والترفيه، غير أنّها لا تدعم ترميم مدرسة أو افتتاح أخرى. ونحن حاولنا التواصل مع منظمات عدّة لإعادة افتتاح المدرسة المغلقة تلك، إلا أنّنا لم نلقَ أيّ تجاوب حتى اليوم”.

ويعرب الحاج أحمد عن مخاوف المكتب من “تردّي واقع التعليم من جرّاء ارتفاع عدد التلاميذ مع وصول آلاف المهجّرين إلى المنطقة. من شأن ذلك أن يشكّل ضغطاً كبيراً على قدرة المدارس على استيعاب تلاميذ جدد، وهي في الأساس تغصّ بالصغار، لا سيّما في المرحلة الابتدائية”. وعن احتياجات العملية التعليمية، يقول الحاج أحمد إنّها “كبيرة جداً”، شارحاً أنّ “مدارس كثيرة تعرّضت للقصف إمّا كلياً وإمّا جزئياً وتحتاج إلى ترميم. كذلك لا بدّ من سدّ حاجة المدارس من مقاعد دراسية وقرطاسية، في حين نلاحظ أنّ المنظمات بمعظمها تهتمّ بالدعم النفسي والأنشطة وتصرف ملايين الدولارات على هذه الأمور، في حين أنّ ما يُصرف على التعليم بالكاد يُذكر، هذا إن وُجد”.

مخاوف ومعوّقات كثيرة

في إدلب، 300 مدرسة تقريباً خارج الخدمة. هذا ما يشير إليه الناشط في مجال التعليم في المحافظة، بشار الباشا، متحدثاً عن “أسباب عدّة، أبرزها القصف الذي أخرج 250 مدرسة على أقل تقدير من الخدمة”. يضيف لـ”العربي الجديد”، أنّ “ثمّة معوّقات عدّة تقف في وجه العملية التعليمية في إدلب، منها استخدام المدارس كمأوى مؤقت للنازحين سرعان ما تحوّل إلى دائم. كذلك، ثمّة مدارس عدّة اتُّخذت كمقرّات للفصائل، بالإضافة إلى تعطّل مدارس نتيجة وجودها على خطوط التماس بين الأطراف المتحاربة. إلى ذلك، ثمّة مدارس استولى عليها أشخاص مدنيون بهدف استخدامها لأغراض شخصية”. ويلفت الباشا إلى أنّ “نحو 60 في المائة من الكادر التدريسي في إدلب وريفها يتبع لوزارة التربية لدى حكومة النظام، والأفراد يستلمون رواتبهم من حماة. وثمّة جزء تابع لمديرية التربية الحرة، وجزء أخير تابع لمنظمات إنسانية، إلى جانب قلة من المدرّسين ما زالت تمارس التعليم بشكل تطوعي”. ويكمل أنّ “الرواتب ضئيلة ولا تؤمّن متطلبات العيش، بالإضافة إلى فقدان عنصر الأمان في المدارس، إذ إنّه من الممكن الاعتداء على المدرّس من جهات مختلفة، حتى من الطلاب، من دون أيّ رادع”.

ويتابع الباشا: “بالتأكيد، لا يمكننا إهمال الوضع الاقتصادي السيئ للعائلات بمعظمها، فالتلميذ الواحد في حاجة بالحد الأدنى إلى ما بين 30 و40 دولاراً أميركياً حتى يؤمّن احتياجاته الأساسية ويذهب إلى المدرسة. فكيف إذا كانت العائلة تضمّ أكثر من طفل بسنّ الدراسة؟ هذا الأمر يجعل عائلات كثيرة ترسل أبناءها إلى العمل بدلاً من المدرسة”. من جهة أخرى، يشير الباشا إلى أنّ “التلاميذ في إدلب يملكون فرصة استكمال دراستهم في بعض الاختصاصات، بعد فتح معاهد وكليات لها، من قبيل الرياضيات والحقوق والهندسة الزراعية والإعلام وغيرها”، لافتاً إلى أنّ “هذه الفرص مرتبطة بالوضع الأمني”.

قلق من الشهادة

التعليم الجامعي ليس أفضل من التعليم المدرسي لا بهمومه ولا باحتياجاته، أمر يؤكده علي القاسم، طالب في كلية الطب في جامعة إدلب الخاضعة لسيطرة المعارضة، وهو في عامه الأكاديمي الثاني. يقول لـ”العربي الجديد”: “أنهيت دراستي الثانوية في عام 2016، في ظل أوضاع صعبة. بعد ذلك، اضطررت إلى الانتقال إلى قرية أخرى غير قريتي لأتابع الدراسة”. يضيف القاسم أنّه “كان لديّ خياران، إمّا تقديم ملفّي لدى النظام في حماة، وإمّا في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة على شهادة الائتلاف. لم أوفّر أيّاً من الخيارَين، ونجحت فيهما. ودخلت كلية الطب”. ويوضح أنّ “صعوبات عدّة يعانيها الطلاب الجامعيون خلال دراستهم من جرّاء القصف والنزوح، بالإضافة إلى التنقل مثلما حدث معي بين قريتي ومكان دراستي”. ويرى القاسم أنّ “الوضع التعليمي جيّد إلى حد ما، أو بصيغة أخرى هو أفضل الموجود”. ويشير إلى أنّ “الطلاب في الجامعات التابعة للمعارضة يعانون من القلق في ما يخص الاعتراف بالشهادات التي سوف يحصلون عليها بعد إنهاء دراستهم”. وعلى الرغم من ذلك، يبدي اهتماماً بالتحصيل العلمي، ولا يخفي أمله بأنّ يُحلّ موضوع الشهادة خلال الفترة المقبلة.

محاولات للتعويض

من جهته، يقول نائب رئيس جامعة إدلب للشؤون الإدارية، الدكتور محمد عبد الرحيم، لـ”العربي الجديد”، إنّ “ثمّة إقبالاً كبيراً على التعليم الجامعي، في حين لا تتوفّر إحصاءات دقيقة حول عدد الطلاب الجامعيين. لكنّني أظنّ أنّها نسب مرضية، وقد اقترب عدد طلاب جامعة إدلب من 11 ألف طالب وطالبة”. ويلفت إلى أنّ “قصف النظام تسبب في فقدان كميات كبيرة من الأدوات اللازمة، وتدمير عدد كبير من المختبرات والقاعات. واليوم، تحاول الجامعة تعويض ذلك النقص، وثمّة احتياجات كثيرة. وثمّة حاجة إلى معدّات لتجهيز المختبرات، فنحن نعمل في عدد كبير منها بحدّ أدنى من الأدوات على الرغم من وجود مساع لتجهيزها بما يحتاجه الطلاب”. وحول المناهج المعتمدة، يشير عبد الرحيم إلى أنّه “اعتمدنا المناهج نفسها التي كانت معتمدة في الجامعات السورية، ويعمل الأكاديميون اليوم على تطوير مناهج حديثة تواكب التطوّر العلمي في العالم، لأنّ مناهج كثيرة صارت قديمة”.

ويوضح عبد الرحيم أنّ “هذه هي احتياجاتنا الرئيسية، التجهيزات والمناهج، تُضاف إليها مشكلة النقص في الأكاديميين. كثيرون منهم غادروا البلاد، ومن بقي منهم يحاول بذل جهده لتعويض النقص. كذلك، فإنّ طلابنا في حاجة إلى فتح المجال أمامهم للوصول إلى مراجع علمية حديثة، لا سيّما من خلال المكتبات الإلكترونية للجامعات وللمنظمات الدولية”. ويلفت إلى “معوّقات للعملية التعليمية ترتبط بتفاصيل ميدانية. فالطرقات قد تُقطع إمّا نتيجة القصف أو الاغتيالات، الأمر الذي يؤثّر على قدرة الطلاب والأساتذة على الوصول إلى الجامعة، وهو ما يضطرنا بالتالي إلى وقف الدوام. يُذكر أنّ الأساتذة يحاولون تعويض الطلاب من خلال محاضرات، حتى لا يتأثر المستوى التعليمي”.

وحول الاعتراف بالشهادات، يقول عبد الرحيم إنّ “اعتمادية الشهادة والاعتراف بها هاجس سواء للكادر التعليمي أو للطلاب. ونحن تواصلنا مع جهات عدّة وما زلنا، وثمّة تفاؤل مبني على معلومات تفيد بأنّنا قد نحصل في المستقبل على اعتمادية من جامعات دولية. وفور التوصّل إلى اتفاقيات واضحة، سوف نعلن ذلك، خصوصاً أنّ الطلاب ينتظرون ذلك بفارغ الصبر ليتمكنوا من إكمال دراستهم في جامعات دولية”. من جهة أخرى، يلفت عبد الرحيم إلى أنّ “المستوى المعرفي خلال سنوات الثورة تأثر والعملية التربوية والتعليمية تأثرت، فمدارس كثيرة توقفت أو قُصفت ومدرّسون كثر لم يتمكنوا من القيام بواجبهم لأسباب مادية أو لانقطاع الطرقات. أمّا اليوم، فالعملية التعليمية تتعافى وبدأنا نلحظ أنّ مستوى الطلاب يتحسّن”.