أخبار عاجلة
الرئيسية » فرفش » لماذا يزعج “الواقي الذكري” إسرائيل؟

لماذا يزعج “الواقي الذكري” إسرائيل؟

على بعد أمتار من السياج الحدودي الفاصل بين قطاع غزة والأراضي التي تحتلها إسرائيل، يحاول شاب فلسطيني ملثم الاختباء خلف تلة رملية صغيرة مكسوة بالحشائش الطويلة، ونباتات شوكية ويحيط بها شجيرات صغيرة.

وبينما يحاول تجنب انكشاف موقعه أو انغراس الأشواك الحادة في ساقيه ويديه، كان الشاب الملثم يعمل بتركيز ودقة على تعبئة مسحوق “هيدروكسيد الصوديوم” أو ما يعرف محلياً باسم “الصودا الكاوية” في “واق ذكري”، قبل أن يحكم إلصاق فوهته بزجاجة بلاستيكية معبئة بالماء.

وبمجرد أن يرفع أصابعه عن فوهة الواقي الذكري يتساقط المسحوق الكيميائي، الذي يستخدم عادة في أعمال التنظيف، داخل الزجاجة ليتفاعل سريعاً مع الماء ويبدأ بالغليان، مولداً كمية من الغاز تتصاعد وتنفخ البالون. ينزع الشاب بالونه من الزجاجة البلاستيكية بحذر شديد -فالمحلول بداخلها قد يحرق جسده لو أصابه- ويحكم إغلاق فوهته بخيط يربطه إلى حجر قريب، حتى لا يطير، فذلك الغاز المتصاعد خفيف كالهيليوم.

وبعد أن ينتهي من صنع بالونه المنفوخ، يخرج الفلسطيني الملثم قطعة قماش من جيبه ويحشوها بمواد مشتعلة استخرجها مسبقاً من ألعاب نارية، كما يسحق بداخلها بعض أعواد الكبريت ويغمرها أخيراً بمادة البنزين.

هذا الفتيل الذي صنعه الشاب الفلسطيني سيحظى في النهاية بحاضنة خفيفة من الأسلاك المعدنية الرقيقة تتخذ شكلا أسطوانياً، يُحكم ربطها بطرف خيط البالون الشفاف الذي تم نفخه مسبقاً. وقبل أن يحلق البالون أو الواقي الذكري عالياً حاملاً معه الفتيل المشبع بالمواد الحارقة باتجاه الأراضي الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة، يوصل الشاب الملثم طرف الفتيل بسيجارة أو عود بخور ويشعله.

وتعمل السيجارة أو عود البخور كمؤقت اشتعال، فبمجرد وصول شرارتهما إلى الفتيل يشتعل مولداً موجة نارية تفجر الواقي الذكري في السماء، لتسقط أخيراً كرة لهب على أحد الحقول الزراعية المغتصبة من قبل إسرائيل مسببة حريقاً كبيراً.

هذا المشهد الذي يتكرر يومياً منذ أكثر من شهرين، بات يشكل مصدر إزعاج وإرباك لحكومة الاحتلال الإسرائيلية، فالمئات من البالونات المصنوعة من الواقي الذكري ومواد مشتعلة بسيطة سقطت داخل الأراضي الإسرائيلية وأحرقت آلاف الدونمات الزراعية ما تسبب بخسائر كبيرة للمزارعين.

ويعد البالون الحارق، تطوراً طبيعياً، للطائرات الورقية، بحسب النشطاء القائمين على إطلاقها، نظراً لسهولة إعداده، وفعاليته الأقوى، ولكونه لا يحتاج لخيط طويل، كما الطائرات. وبحسب النشطاء أيضا، فإن إطلاق الطائرات الورقية، أصبح قليلاً جداً، في هذه الفترة، وبات التركيز بشكل خاص على إطلاق البالونات، التي تعتمد على “الواقيات الذكرية”. والطائرات الورقية وسيلة أخرى لإيصال الفتيل المشتعل إلى الحقول والمستوطنات الإسرائيلية القريبة، لكن البالونات تصل لمسافة أبعد.

ويُطلق نشطاء فلسطينيون هذه البالونات الحارقة، والطائرات الورقية، باتجاه الأراضي المحتلة منذ بداية مسيرات “العودة” التي انطلقت نهاية مارس/آذار الماضي؛ للمطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين لمدنهم وقراهم التي هجروا منها عام 1948، وبرفع الحصار المفروض على قطاع غزة منذ العام 2006.

وبحسب معطيات كشفتها لجنة الأمن والخارجية بالكنيست الإسرائيلي، منتصف الشهر الجاري، فإن البالونات والطائرات الورقية الحارقة، أسفرت عن اندلاع أكثر من 400 حريق بالمستوطنات الإسرائيلية. ووفق المعطيات ذاتها، فإن تكلفة مواجهة تلك الحرائق بلغت نحو مليوني شيكل إسرائيلي (نحو 554 ألف دولار).

وفي 15 يونيو/حزيران الجاري، نقلت صحيفة “هآرتس” العبرية، عن الحاخام دودي سيمحي، ضابط في جهاز الإطفاء والإنقاذ الإسرائيلي، قوله إن النيران أتت على نحو 25 ألف دونم (الدونم= ألف متر مربع) من الأراضي الزراعية في المناطق المتاخمة لقطاع غزة، خلال الشهرين الماضيين.

ويقول الشاب الملثم، الذي صنع البالون الحارق الأخير، إن “البالونات والطائرات الورقية الحارقة وسيلتنا الوحيدة لنلفت انتباه العالم إلى ما نعانيه من حصار خانق داخل قطاع غزة منذ أكثر من عشر سنوات”. ورفض الشاب الفلسطيني التقاط أي صور له أو اصطحاب كاميرات إلى موقع إطلاق بالونه حتى لا يلفت انتباه طائرات الاحتلال التي تراقب الحدود بكثافة، إليه وتستهدفه بصواريخها كما فعلت مع زملائه.

وبعد ظهر أمس الأحد أُصيب 3 نشطاء، جراء قصف إسرائيلي، بينما كانوا يهمون بإطلاق بعض البالونات. كما استهدفت الطائرات الإسرائيلية كذلك، يوم السبت الماضي، بصاروخ واحد مجموعة من الشبان قرب الحدود الشرقية لقطاع غزة، أثناء محاولتهم إطلاق بالونات وطائرات ورقية حارقة باتجاه جنوب إسرائيل، دون وقوع إصابات.

الفلسطيني صانع البالونات الحارقة، عاد ليكمل حديثه للأناضول بالقول: “لا يمكن أن نتوقف عن إطلاق البالونات باتجاه إسرائيل قبل أن ترفع حصارها عن غزة”. ويضيف: “الفقر والبطالة والمرض والأزمات الإنسانية أنهكت الفلسطينيين”.

(الأناضول)