أخبار عاجلة
الرئيسية » تاريخ وتراث » شهدها تاريخنا القديم والحديث… قراءة في نماذج من الغدر السياسي بين “الحلفاء”

شهدها تاريخنا القديم والحديث… قراءة في نماذج من الغدر السياسي بين “الحلفاء”

هناك شعرة تفصل بين الواقعية في السياسية وبين الغدر. قد تضطر الواقعية أركان السلطة إلى التخلي عن بعض مُثلهم، لكن هناك حكاماً لم يكتفوا بذلك بل كانوا يتخلون عن كل شيء لأهداف شخصية.

يحفل تاريخنا قديماً وحديثاً بنماذج عديدة من الغدر السياسي، ومنها تخلص طرف سياسي من آخر للانفراد بالحكم، أو استغلال جهود البعض ثم التنكر لدورهم حين تنتفي الحاجة إليهم.

والغدر لصيق الصلة بالنظم الاستبدادية، ففيها تنعدم آليات تداول السلطة، ويصبح السبيل الوحيد لتلبية رغبات التفرد بالسلطة هو التخلص من الحكام أو الشركاء، في جو من السرية والمؤامرة.
انعدام التداول السلمي للسلطة والغدر السياسي

يقول الباحث في الدراسات التاريخية والسياسية سامح عسكر لرصيف22 إن طبيعة السلطة لها دور في شيوع الغدر السياسي، وعدم وجود آلية للتعبير والتواصل وغياب الشفافية يؤديان إلى الصدام وضرورة إزاحة المنافسين، وفي سبيل ذلك يسعى الجميع بكل الطرق للتخلص من بعضهم.

ولا تحدث الانقلابات أو الغدر في المجتمعات الديمقراطية لأن تداول السلطة مكفول للجميع فيها، يتابع عسكر.

ويعرض الباحث في التاريخ الإسلامي حسن حافظ لرصيف22 رؤية تحليلية عن سبب تحوّل التحالفات في المعارضة إلى عداوات حين تصل إلى السلطة، ويرى أن هناك اختلافاً بين منطق الثورة ومنطق الدولة، فمَن يقوم بالثورة يتبنى رؤى أكثر راديكالية للتغيير، ويدعو إلى مجتمع مثالي، ويحلم بعالم لا يحمل أمراض ما قبل الثورة، إلا أن هذا المنطق يصطدم مع منطق الدولة التي تقوم على السكون ومهادنة القوى المهيمنة لتكوين عصبية للحكم الجديد، مع ما يتبع ذلك من تمييز لصالح الفئة الحاكمة الجديدة، ما يؤدي إلى تصادم مع الثوريين في السلطة الجديدة.

كثيراً ما يتخذ هذا الخلاف شكلاً من الغدر السياسي، فالسلطة تخشى من قادة العمل الثوري، ومن شعبيتهم، ولذلك تسعى إلى حياكة المؤامرات لتصفيتهم معنوياً وجسدياً، وهو ما حدث في حالات عديدة: منها قتل الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور لقائد ثورة العباسيين أبي مسلم الخراساني، وقتل الخليفة الفاطمي الأول المهدي لمؤسس دولته الداعية أبي عبد الله الشيعي.
مقتل أبي مسلم الخراساني

في كتابه “تاريخ التمدن الإسلامي”، يرى جُرجي زيدان أن سياسة العباسيين قامت على المكر والدهاء والغدر، فمنذ نجاح ثورتهم سعوا للتخلص من حلفائهم العلويين، وذلك لأن دعوة العباسيين قامت على موالاة آل البيت، ولما كان أحفاد علي بن أبي طالب أقرب إلى النبي من أحفاد عمه العباس، فقد خشى العباسيون من شرعية العلويين، وعمدوا إلى التخلص منهم.

وحين تولى أبو جعفر المنصور الخلافة عام 754، سعى للتخلص من أبي مسلم الخراساني، قائد القبائل الخراسانية التي يرجع إليها الفضل في الانتصار على الأمويين، وإقامة الدولة العباسية.

وفي كتاب “تلاقي الأكفاء”، يذكر علي أدهم الخلاف بين أبي جعفر وأبي مسلم، فقد كان أبو جعفر يخشى الأخير، وحين ذهب إلى خراسان لأخذ البيعة لأخيه أبي العباس ولنفسه كولي للعهد، لمس مدى شعبية أبي مسلم الجارفة بين أهل خراسان، و أغضبه زهوّه بذاته وإنجازاته في إقامة ملك العباسيين، فأضمر في نفسه قتله.

وسعى المنصور إلى إبعاد أبي مسلم عن خراسان، مركز قوته، فولاه مصر والشام، إلا أن الأخير لم يمتثل لأمره، فأرسل إليه يطلبه للحضور ومنحه الأمان، ثم بعد تشكك كثير وجد أبو مسلم نفسه مضطراً لتلبية طلب الخليفة صاحب الشرعية، وأمل بتصفية الخلافات بينهما، وحين دخل على المنصور تم اغتياله، ورفض الخليفة العفو عنه، وفق ما ذكره أدهم.

ويعلق حافظ على ذلك بأن أبي مسلم اعتقد بأن الثورة على الأمويين تعني تحقيق العدل، ومشاركة الموالي الفرس في إدارة الدولة، إلا أن رغباته اصطدمت بالمنصور الذي مارس السلطة المطلقة بنفس طريقة أسلافه الأمويين.

ويمكن إيجاز دوافع غدر المنصور بقول أحد أتباعه وهو ابن قتيبة الباهلي في تبرير قتل أبي مسلم: “لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا” (الأنبياء: 22)، يتابع حافظ.

وبلغ من غدر المنصور أنه حين ثار محمد بن عبد الله العلوي في المدينة المنورة، بعث له يعرض عليه الأمان، فرد عليه: “أي أمان تعطيني؟ أمان ابن هبيرة، أم أمان عمك عبد الله، أو أمان أبي مسلم؟”، وكان المنصور أمن ابن هبيرة أحد رجال بني أمية ثم قتله حين قدم إليه، وأمن عمه عبد الله ثم قتله، وفق ما يذكر جُرجي زيدان.

الخليفة الفاطمي المهدي يقتل مؤسس دولته

تعود جذور الدولة الفاطمية إلى دعوة الشيعة الإسماعيلية، ويعود الفضل في إنشائها إلى الداعية أبي عبد الله الشيعي.

وأبو عبد الله الشيعي هو الحسين بن أحمد بن زكريا، ويُحيط الغموض بنشأته. التحق بالإمام الإسماعيلي محمد الحبيب، ثم أرسله الأخير إلى اليمن ليتتلمذ على يد داعيته هناك ابن حوشب. وبعد أن أصبح جاهزاً سافر إلى مكة، ومنها التحق برجال من كتامة، أقوى قبائل المغرب، وعاد معهم، وبدأ في نشر الدعوة الإسماعيلية، ولاقى نجاحاً كبيراً، وأسس مجتمعاً بين البربر، ساد فيه الأمن والعدل، وفق ما ذكره علي الخربوطلي في كتابه ” أبو عبد الله الشيعي مؤسس الدولة الفاطمية”.

ثم دعا الإمام عبيد الله المهدي ليتسلم الحكم، وتنازل له عن مكانته وسلطته. وبعد أن تسلم الإمام المهدي الحكم من داعيته، بدأ في ممارسة سياسة واقعية استنكر أبو عبد الله الكثير منها، فبدأ الخلاف يدب بينهما، ونوى الإمام قتل أبي عبد الله وأخيه القوي أبي العباس، فما كان من الأخيرين إلا تدبير اجتماع للثورة، إلا أن سيوف رجال الإمام كانت أسرع، فقتلت الداعية وأخيه، مؤسسا الدولة.

ويعلق حسن حافظ على ذلك بقوله: كان الداعية أبو عبد الله يؤمن بشكل مطلق بالمثالية التي بشرت بها الدعوة الإسماعيلية، لتكوين مجتمع ملائكي يسود فيه العدل المطلق بين الجميع، وأن يكون الحكم شراكة بين أتباع المذهب، إلا أنه صُدم بعنف حين وجد الإمام المهدي قد أصبح حاكماً عادياً يسعى إلى تثبيت ملكه بشتى الطرق، حتى لو كانت غير شريفة أو دموية، ما جعله يشكك في إمامته.

وحين وصل رجال المهدي لقتل الداعية وأخيه، نهاهم أبو عبد الله، فقالوا له: “إن الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك”، وفق الخربوطلي.
الغدر السياسي وسيلة الترقي في دولة المماليك

يقول الباحث في تاريخ المماليك إيهاب صلاح لرصيف22 إن طبيعة السياسة في العصر المملوكي كانت تقوم على حكم المتغلب بالقوة، وإذا لم يستطع أحد الحسم، كانوا يولون أحد أبناء السلطان السابق من صغار السن، إلى حين حسم الصراع، ثم يتم عزل السلطان بحجة صغر سنه من قبل مَن ينجح في التغلب.

ودفعت طبيعة النظام السياسي القادة الطموحين إلى الغدر بأسيادهم كثيراً. ويحفل التاريخ المملوكي بوقائع عديدة غدر التابع فيها بسيده، ومنها غدر بيبرس بسلطانه قطز بُعيد قتالهم سوياً ضد التتار في عين جالوت عام 1260.

ويسرد الباحث صلاح الواقعة بأنها بدأت حين أقدم قطز على قتل قائد المماليك البحرية أقطاي، وتشريد أتباعه ومنهم بيبرس، ولكن حين داهمهم خطر التتار قبل قطز بعودة المماليك الفارين، وعفى عنهم ليقاتلوا بجانبه، إلا أن طبيعة النظام المملوكي القائم على حكم الأقوى جعلت قطز وبيبرس في حالة عداء، فبادر الأخير إلى قتل سلطانه غدراً، وتولى الحكم.

وتكررت حوادث غدر الأتباع بقادتهم، ففي عهد الدولة العثمانية، حكم البكوات المماليك مصر باسمهم. وفي عام 1768، تمرد علي بك الكبير زعيم المماليك وشيخ البلد على العثمانيين، مستغلاً انشغالهم بقتال روسيا، وأعلن نفسه سلطاناً على مصر والحجاز واليمن، وأرسل نائبه وتابعه محمد بك أبو الدهب لقتال العثمانيين في الشام، وحقق أبو الدهب انتصارات عديدة إلا أنه انسحب مسرعاً إلى مصر، مقرراً الغدر بسيده.

ويضيف إيهاب صلاح أن تغير أبو الدهب كان سلوكاً طبيعياً في سياق العصر، فقد كان الطموح الفردي هو المحرك للقادة، وكان الجميع يتحين الفرصة للانقضاض على المناصب، وهذا ما فعله أبو الدهب.

وفي كتاب “مصر الحديثة 1517-1805″، يقول جلال يحيى: كانت عملية انسحاب أبي الدهب من الأقاليم السورية إلى مصر، بعد انتصاره على القوات العثمانية، وسيطرته على هذه الأقاليم، مفاجأة للجميع، وربما رأى البعض أن هذا الانسحاب بأمر علي بك الكبير، ولكن الواقع أن النظام المملوكي كان هو المسؤول عن تطور الأحداث بمثل هذه السرعة، وبمثل هذه المفاجآت، وكان يدل على أن محمد أبي الدهب قد أخذ في مواجهة سيده، وعلى قرب وقوع معركة قيادية بين السيد والتابع، وكذلك على أن الرجل الثاني في القيادة طمع في تولي القيادة العليا والسلطة بنفسه.

وكانت الفرصة مؤاتية لأبي الدهب، بشكل يمكّنه من أن يحظى بتأييد السلطان العثماني، بعد أن يظهر بأنه انقلب على سلطة علي بك الكبير الذي عادى الدولة العثمانية، وفق جلال يحيى.
محمد علي يتنكر للزعامة الشعبية التي أوصلته للحكم

يوضح سامح عسكر أن كل تحالف بين القوة والقلم سيؤدي في النهاية إلى انقلاب القوة وتسيدها، ومثل ذلك تحالف الزعامة الشعبية المصرية مع محمد علي باشا عام 1805، فقد أوصلته إلى حكم مصر، وساعدته في تثبيت دعائم حكمه، لكن الباشا تنكر لها وغدر بها، لينفرد بالسلطة.

ومن المرجح أن محمد علي باشا كان يميل في ذات نفسه إلى التخلص من الزعامة الشعبية التي أجلسته على قمة المجد، لأن هذه الزعامة كانت في السنوات الأولى لحكمه بمثابة سلطة ذات شأن تراقب أعماله، وكانت ملجأ الشاكين، ولا نزاع في أن هذا النوع من الرقابة لم يكن مألوفاً ولا سائغاً في ذلك العصر في مصر، وفق ما ذكره عبد الرحمن الرافعي في كتابه “عصر محمد علي”.

ويروي الرافعي أن محمد علي دبر مكيدة للتخلص من عمر مكرم، نقيب الأشراف وأهم زعيم مصري، مستغلاً مساندة عدد من المشايخ الذين حقدوا عليه، ودبر مؤامرة بمساندتهم، وكون محكمة صورية له عام 1809، فامتنع الأخير عن الحضور لعلمه بالمؤامرة، فاستغل محمد علي تغيبه وأصدر أمراً بعزله من نقابة الأشراف، ونفيه إلى دمياط، ليضع حداً لنفوذه السياسي، ويبعده عن سكان القاهرة الذين كانوا يرونه زعيماً.
بعد استقلال المغرب… لا مكان لمَن ناضلوا بالأمس

ينطبق التحليل الذي يرى أن اختلاف المراحل بين الثورة والسلطة يؤدي إلى الصدام بين الشركاء على حالة جيش التحرير المغربي الذي قاتل ضد الاستعمار، وعلاقته بحكومة مغرب ما بعد الاستقلال. فقد تصادم الطرفان، وسعت الحكومة للتخلص من الجيش، بل وصل الأمر إلى عملية غدر بالجيش تضمنت تصفية قادته، وتفكيك وحداته، ووصفه بالإرهاب.

ويوضح الباحث السياسي المغربي محمد أمزيان في مقال بعنوان “جيش التحرير وما شاب تاريخه من تدجيل وتزوير” أن تكوين جيش شعبي لتحرير أقطار المغرب الكبير يعود إلى ميثاق “لجنة تحرير المغرب العربي” التي أنشأها الأمير عبد الكريم الخطابي عام 1948، بمشاركة الأحزاب المغاربية، ونصت أهداف الميثاق على الكفاح المسلح من أجل استقلال الأقطار المغاربية كافة.

وبدأت عمليات جيش التحرير في المغرب في 1955، ولم تكن له صلة تنظيمية بالأحزاب السياسية. ومن أجل التفرغ لثورة الجزائر، وقطع الاتصال بين جيش التحرير والجزائريين سعت فرنسا لتوقيع اتفاقية مع قادة الحركة الوطنية المغربية عام 1955، عُرفت باسم اتفاقية إيكس ليبان، ومنحت المغرب استقلالاً وصفه قادة العمل المسلح بأنه شكلي، ولم يعترفوا بالاتفاقية، وأصروا على الكفاح المسلح حتى تحرير سبتة ومليلية والجزائر والصحراء، وهو الأمر الذي تسبب بخلاف بين الملك وحكومته وجيش التحرير، وفق مقال أمزيان.

ويضيف أمزيان أن الحكومة قادت عملية تصفية لزعماء الجيش جسدياً (حالة عباس المسعدي وحدو أقشيش على سبيل المثال)، ومعنوياً (اتهامه بالعنف والإرهاب)، وانقلبت الأمور إلى تصفية جيش التحرير بكامله، ونجحت العملية، بعد أن كان رجال الحكومة يتسابقون على الانتساب إليه، والادعاء بدور مزعوم في دعمه.

المصدر: رصيف 22