أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » هو الذي رأى المنبع.. قراءات جديدة في جلجامش وأنكيدو

هو الذي رأى المنبع.. قراءات جديدة في جلجامش وأنكيدو

لسنوات طويلة اعتاد القارئ العربي على أن مطلع ملحمة جلجامش البابلية يجري هكذا كما نقله إلى العربية طه باقر (1912- 1984): “هو الذي رأى كل شيء فغنّي بذكره يا بلادي/هو الذي عرف جميع الأشياء وأفاد من عبرها”، أو كما نقله عزيز حداد إلى العربية عن ترجمة روسية للباحثيْن إ.م. دياكونوف” وب. س. ترافيموف: “عن الذي رأى كل شيء حتى أقاصي العالم/ عن الذي عرف البحر وخبر كل الجبال”.

بالإضافة إلى أن ما جرى عليه تأويل شخصية جلجامش وبحثه عن الخلود، وعلاقته بسكان أوروك، وطبيعة علاقته العدائية بمن كانت تحسب واحدة من الآلهة البابلية، أي عشتار، ظلّ ثابتاً طيلة الزمن الذي مرّ منذ اكتشاف أول كسرة من لوح طيني من ألواح الملحمة في عام 1853، ومع استمرار تجميع شظاياها من أمكنة متباعدة، وعبر أزمنة مختلفة، حتى زمننا الراهن، كما ظلّت مُعرّضة للتشكيك العلاقة الوثيقة بين اللغة الأكدية (لغة الملحمة) واللغة العربية وعودتهما إلى أصل واحد.

الآن ومنذ وقت قريب، مع أواخر العام الماضي تحديداً، وبعد اكتشاف كسر إضافية من ألواح الملحمة في “أجرت” المشهورة خطأ باسم “أوغاريت”، وفي مدينة السليمانية العراقية؛ بدأ عدد من الباحثين المختصين بما يسمى علم الآشوريات يدخلون تصحيحات على نص الملحمة، ومطلعها على وجه الخصوص. فأصبح القارئ العربي يواجه على سبيل المثال مطلعاً مختلفاً يقول: “هو الذي رأى المنبع أساس البلاد/ هو الذي عرف الحكمة وفهم كل شيء”، كما جاء في أحدث ترجمة عربية على يد نائل حنون في ترجمته للملحمة عن النص المسماري (2006)، وهو ما يقترب مع أحدث ترجمة للباحث البريطاني أندرو جورج إلى الإنكليزية والمترجمة إلى العربية على يد أنور غني الموسوي (2015) حيث يقول المطلع “هو الذي رأى العمق وأصل البلاد/ الذي عرف الحكيم في جميع الأمور”.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه إلى ظهور تأويلات جديدة مع تقدم البحث وظهور باحثين جدد. فتوصلت دراسة قدمها الباحث آلن إيليا سودن لنيل درجة ماجستير إلى جامعة لشبونة في أواخر العام الماضي، بعد تفكيك العناصر الغامضة ذات العلاقة بموضوعات الحياة والموت والخلود المتناثرة بين سطور الملحمة، إلى أن البطل يتغلّب في النهاية على خشيته من الموت وعلى رغبته بالخلود الجسدي، ولكن فقط حين يحظى بمستوى معيّن من الوعي.

وهو الموضوع ذاته الذي تناوله الباحث العراقي عالِم سبيّط النيلي (1956- 2000)، وإن طرقه من بوابة مختلفة حين رأى في سعي جلجامش إلى الخلود بحثاً عن وجه آخر للحياة، غير وجهها العابر الزائل، في الحياة القائمة ذاتها.

ويكشف هذا الأخير بالتحليل المزيد من الدلائل على رمزية “عشتار” فهي ليست إلهة كما ظن شراح الملحمة بل هي رمز “الحياة الدنيا”، الحياة التي تقدم لجلجامش إغراءات متنوعة لكي يستسلم لها، إلا أنه يرفضها ويعدّد لها المصائب التي أنزلتها بكل الذين عشقوها واستسلموا لمغرياتها، ويختم بالقول “إذا أحببتك فسيكون مصيري مثلهم”.

وفي هذا السياق، تلفت النظر الصورة التي يرسمها لما فعلته مع راعي القطيع الذي أحبّته، حين يخاطب عشتار قائلاً: “وأحببت راعي القطيع الذي يذبح لك العجول كل يوم/ ولكنك ضربته محوّلة إياه ذئباً/ وصار يطارده الآن إلفه من حماة القطيع/ وكلابه تعض ساقيه”.

هذه الصورة تذكّر فوراً بأسطورة الصياد “آكتيون”، ذاك الذي حسب الشاعر الروماني أوفيد (43 ق.م) في كتابه “تحوّل الكائنات”، فقد طريقه في الغابة، ووقع نظره مصادفة على آلهة الصيد “ديانا” وهي تستحم بين حورياتها، فرشقته بالماء وحولته إلى وعل لكي لا يستطيع إخبار أحد بما رأى. وخلال تجواله بهذه الصورة حائراً عثرت عليه كلاب صيده، فطاردته ومزقته.

ويمكن أن نضيف إلى ما استجد على رحلة الملحمة في الثقافة المعاصرة كتاب “جلجامش بيننا: مواجهات حديثة مع الملحمة العتيقة” الصادر بالإنكليزية في عام 2011، لأستاذ الألمانية والأدب المقارن الأميركي ثيودور جوكوفسكي (1932).

هذا الكتاب يعيد اكتشاف جلجامش كظاهرة ثقافية حديثة، ويقدّم للقارئ تاريخاً ثقافياً تفصيلياً للكيفية التي استقبلته فيها الأزمنة الحديثة، وتأثير ملحمته على الأعمال الأدبية والفنية والموسيقية، بدءاً من الترجمات غير الأمينة التي أنتجت رومانسيات متخيلة لا تمتّ بصلة للملحمة كما هو تناول ليونيداس هاملتون (1884)، مروراً بتأثير ترجمة آرثر أونيد على علماء نفس من أمثال فرويد ويونغ، وعلى الشاعرين ريلكه وهيرمان هسّه، مع أخذه بالاعتبار استجابات الفنانين والرسامين والشعراء والروائيين في مراحل لاحقة تمتد حتى سبعينيات القرن العشرين حيث تعاظم تأثير الملحمة. ويصل هذا الكتاب إلى خلاصة مفادها أن هذه الملحمة تعد الآن “حجر أساس عظيم للأدب العالمي”.

في ختام هذه الرحلة، نجد من المهم الالتفات إلى الكشف الذي توصّل إليه عدد من العلماء العرب الذي قرأوا نص الملحمة في لغته الأصلية، أي الأكدية، وترجموه أو نقلوه، وهو الأصح، إلى العربية.

لدينا هنا عدد من الملحوظات. فمع أن أستاذ الآشوريات في جامعة ييل الأميركية بنيامين فوستر في حوار معه في أيلول/ سبتمبر 2016 (مجلة “أدب العالم اليوم”) يشيد بالترجمة العربية للملحمة، إلا أنه لا يرى للعربية، أو أي لغة من اللغات التي يسميها سامية، امتيازاً على أي لغة من اللغات الهندو/أوروبية في الترجمة عن البابلية، مع استثنائه للسطور الشعرية في اللغات السامية. هذا الرأي لا يراه أهل مكة الأدرى بشعابها، أي أهل اللغتين العربية والبابلية (الأكدية).

يذكر طه باقر بعضاً من الأمور الخاصة بأسلوب الترجمة الذي سار عليه “في نقل الملحمة من لغتها الأصلية إلى اللغة العربية”، ويضيف “لا أتحرج إذا ادعيتُ بأن هذه الترجمة العربية هي الترجمة الوحيدة من بين جميع التراجم العالمية الشهيرة التي تقارب الأصل البابلي بالنظر إلى وشائج القربى الوثيقة بين اللغتين العربية والبابلية ( تنتميان إلى عائلة لغوية واحدة، أي أنهما من أصل واحد، فتتشابهان لذلك بمفرداتهما الأساسية وتراكيبهما النحوية)، ولأنني ألزمتُ نفسي بإبقاء معظم الكلمات البابلية الأصلية المشتركة مع قريبتها العربية، ولم أحد عن هذا السبيل إلا في بعض كلمات عربية مضاهية للكلمات البابلية اضطررتُ لتركها لحوشيتها وبطلان استعمالها في الأساليب العربية المألوفة”.

أما نائل حنون صاحب الترجمة الأقرب عهداً، فيشير من جانبه أيضاً إلى الصلة الوثيقة في ما بين اللغتين الأكدية والعربية، ويقول: “هاتان اللغتان تنتميان إلى عائلة لغوية واحدة، وتشتركان في الكثير من الخصائص والقواعد والمفردات. وهذا يعني أن الترجمة العربية المباشرة للملحمة من النص المسماري الأكدي كان يمكن لها أن تكون أكثر الترجمات كفاءة في نقل بنية النص القديم وروحه، وتقديم التعابير والصور التي يزخر بها النص الأصلي بأفضل وأصدق طريقة توصل المؤلف الأدبي الرفيع الشأن والقاريء المعاصر”.

ومنذ وقت مبكر، أشار إلى هذه السمات التي تمتاز بها اللغة العربية عن غيرها في ترجمة التراث الشرقي القديم الباحثان ألبير نقاش وحسني زينة. جاءت هذه الإشارة في معرض ترجمتهما لنص أكدي تضمنه كتابهما المشترك “أخذة كش: أقدم نص أدبي في العالم” (1989)، وجاء فيه أنهما يعتقدان اعتقاداً جازماً أن الألفباء العربية والخط العربي أليق من الألفباء والخط اللاتيني بكتابة التراث المشرقي القديم، وأنهما في استعمالهما لثروة المعاجم العربية لإلقاء بعض الضوء على كلمات لن تتيسر معرفة معانيها في الأكدية لم يبتدعا بدعة تخالف الأعراف، بل ترسما خطوات باحثين من أمثال غيليب وفون زودن.

محمد الأسعد