أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » ليس سينما هوليوودية… نيويورك تايمز تعيد بناء مسرح افتراضي لهجوم دوما الكيميائي / على مدى 11 دقيقة 44 ثانية

ليس سينما هوليوودية… نيويورك تايمز تعيد بناء مسرح افتراضي لهجوم دوما الكيميائي / على مدى 11 دقيقة 44 ثانية

استعاد النقاش حول حقيقة وقوع اعتداء كيميائي على دوما في أبريل الماضي، ومعه استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية، زخمه تزامناً مع مجموعة تطورات جديدة برزت خلال اليومين الماضيين، كان أبرزها توسيع لافت لصلاحيات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وفيديو حصري نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” أعادت فيه تركيب مسرح الجريمة في دوما والخروج بما قالت إنه حقائق مؤكدة.

“لم نجد جثثاً”، “إنها مسرحيّة”، “هو عبارة عن سينما هوليوودية”… كانت تلك بعض التعليقات التي أطلقها مسؤولون سوريون وروس، بينهم الرئيس بشار الأسد، في أعقاب ما قيل إنه هجوم كيميائي على دوما – آخر مناطق سيطرة المعارضة في الغوطة الشرقية – مطلع أبريل الماضي.

شكّل الاعتداء على دوما انطلاقة لمجموعة أحداث تبعته، حيث توالت الاتهامات على النظام السوري بالمسؤولية مؤكدة على تحليق مروحيات تابعة للنظام في دوما قبل الاعتداء بقليل، في وقت أمعن الأخير ومعه حلفاؤه في نفي مسؤوليته معتبراً الاتهامات بحقه محاولة لصرف الانتباه عن “النصر في الغوطة الشرقية”، في وقت اتهم الروس البريطانيين بالتورط بـ”شكل مباشر” في “مسرحية” الهجوم الكيميائي.

لاحقاً نفذت القوات الأمريكية والفرنسية والبريطانية ضربات جوية ضد أهداف تابعة للنظام السوري، في ما قيل إنه ردّ على هجوم دوما. وفي مايو الماضي، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن خبراءها أنهوا أخذ عينات من المدينة من دون أن تعلن ما توصلت إليه تحقيقاتها آنذاك.  

وسط تلك التطورات، لم يُحسم الجدل بشأن ما جرى في دوما وحقيقة وفاة أكثر من 40 رجلاً وامرأة وطفلاً، فماذا بشأن المعطيات الجديدة وكيف يمكن أن تسهم في تحقيق العدالة للضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداء الكيميائي؟
“نيويورك تايمز”واعتداء دوما… على أي أساس اتهمت الأسد؟

ما الذي حصل في دوما؟ كيف سمّم الأسد شعبه؟ كانت تلك الأسئلة التي طرحتها “نيويورك تايمز” كعناوين للفيديو الذي أعادت من خلاله بناء مسرح افتراضي لما حصل في إحدى الأبنية التي تعرضت للاعتداء في دوما، وخرجت من خلاله بخلاصات مؤكدة على حسب قولها: لقد وقع الهجوم الكيميائي بالفعل والنظام السوري مسؤول عنه بالتعاون مع حلفائه.

فكيف أثبتت الصحيفة هذا الادعاء وبأية أدوات؟ على مدى 11 دقيقة 44 ثانية، حلّلت الصحيفة عشرات المقاطع المصوّرة والمنشورة على مواقع التواصل وفي وكالات الأنباء إثر وقوع الهجوم مستخدمة أدوات “قسم معمار البحث الجنائي” (Forensic Architecture) وتقنيات “بلينغكات” (Bellingcat) لبناء نموذج ثلاثي الأبعاد للمبنى والشرفة والقنبلة، والإجابة عن أسئلة كمتى وأين وكيف…

ونوّه التقرير إلى أن “بناء هذا النموذج وفر مسرح جريمة افتراضي، جعل بإمكاننا رؤية العلاقة بين القنبلة والكم الهائل من الأدلة حولها، الحطام المنتشر على الشرفة، تصميم القنبلة، هندسة السطح العلوي، الأضرار التي تبدو علاماتها على جسم القنبلة، الثقب الذي أحدثته في السطح وكيف اخترقت القنبلة إلى الغرفة التي في الأسفل”.

ركزت الصحيفة على شارع بعينه في دوما، قالت إن فيه نفقاً يؤدي إلى المستشفى الوحيدة التي كانت تعمل في المدينة، ومن ضمنه أجرت بحثها على مبنى بعينه سقط فيه 43 قتيلاً. واعتمدت في بحثها على ما وفّره فيديو لقناة روسية زارت موقع الاعتداء حيث ادعى مراسلها أن الصاروخ جرى وضعه عمداً من قبل المسلحين بغية توريط النظام السوري.

لكن “البروباغندا” الروسية منحت الصحيفة، حسب قول الأخيرة، القدرة على تحديد أدلة بصرية لـ”الوصول إلى الحقيقة وراء الهجوم”، وقد استطاعت من خلال تقنيات تحديد المواقع الجغرافية الوصول إلى موقع المبنى بعد التعرف على مسجد رمان ومدرسة تشرين في محيطها.

من خلال الصور، أكدت الصحيفة أن الصاروخ هو سلاح كيميائي بالفعل، ومن خلال موقعه وكيفية اختراقه للسطح والأضرار التي خلفها أثبتت أنه سقط من أعلى ولم يضعه أحد هناك. وبما أن المروحيات التي تسيطر على أجواء دوما تابعة للنظام بينما لا يملك المسلحون مثلها، اعتبرت الصحيفة ذلك دليلاً إضافياً على مسؤولية النظام الذي تقول إنها تملك أدلة إضافية على إسقاطه صواريخ مماثلة خلال الحرب السورية.

من جهة أخرى، أثبتت “نيويورك تايمز” أن المروحيات السورية غادرت قاعدة الضمير باتجاه دوما ما بين الساعة 7:16 و 7:23 ليلة وقوع الاعتداء، ولاحقاً تم تحديد مواقع المروحيات ما بين الساعة 7:26 و7:38 فوق دوما. كان ذلك تزامناً مع بدء ناشطين من دوما التغريد بشأن وقوع اعتداء كيميائي في المنطقة هناك حوالي الساعة التاسعة مساء.

من جهة ثانية، درست الصحيفة ما حصل للصاروخ، الذي يحمل غاز الكلورين، من تغيّر في اللون نحو الأبيض نتيجة التجمّد في رأسه ومن بقايا للون الأسود على سطحه عندما يختلط بالمياه. ولأن غاز الكلورين لا يتصاعد بل يتكثف، حاول سكان المبنى الهروب نحو الأعلى والتبلّل بالمياه، لكنهم لم يعرفوا أن القنبلة تنتظرهم هناك في “مصيدة قاتلة”، وهذا ما يفسّر حسب الصحيفة ترامي الجثث على الأدراج التي تقود نحو سطح المبنى.

هجوم دوما ليس الوحيد بل الأخير ضمن مجموعة من الاعتداءات بدأت عام 2013، بحسب الصحيفة التي تقول إنها حصلت كذلك على معلومات من الأمم المتحدة تشير إلى وقوع 6 اعتداءات عام 2018، جميعها تؤكد “سعي الرئيس لتسميم شعبه”.

“انتصار للعدالة” أم “تايتانيك تغرق”؟

على الرغم من التحذيرات والجهود السورية – الروسية للحؤول دون اتخاذ القرار، فقد منحت الدول الأعضاء في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية المنظمة صلاحية تسمية منفذي الهجمات التي استخدمت فيها الأسلحة الكيميائية.

وتُعدّ مثل هذه الصلاحية تطوراً حاسماً في عمل المنظمة التي كانت تضطلع سابقاً بإرسال الخبراء إلى موقع الهجوم المفترض وأخذ عينات للخروج بخلاصات تؤكد استخدام أسلحة كيميائية من عدمه، من دون إمكانية توجيه أصابع الاتهام لأي جهة.

القرار، الذي نصّ على “جواز أن تعتمد المنظمة أحكاماً لتحديد هوية مرتكبي الهجمات بالأسلحة الكيميائية في الجمهورية العربية السورية عن طريق تحديد جميع المعلومات المحتملة المتصلة بمصدر هذه الأسلحة الكيميائية والإبلاغ عنها”، أتى بأغلبية الثلثين الضرورية بعد مواجهة دبلوماسية استمرت ليومين عملت خلالها كل من موسكو ودمشق لمنع إقراره.

ويُفترض أن يصدر مفتشو المنظمة قريباً جداً تقريراً حول الهجوم المفترض بغازَي السارين والكلور في السابع من أبريل على مدينة دوما. من هنا لاقى القرار ترحيباً بريطانياً لافتاً وجد فيه “حلاً لتثبيط استخدام الأسلحة الشائنة”. في وقت رحبت فرنسا بـ”الانتصار الكبير ضد الإفلات من العقاب”.

“إنها خطوة هامة إلى الأمام للسيطرة على الأسلحة”، هذا كان أيضاً رأي محلّل “بي بي سي” للشؤون العسكرية والدبلوماسية جوناثان ماركوس الذي أكد على “انتصار النظام الدولي القائم على القواعد، والذي يعاني هو نفسه من ضغوط متزايدة نظراً لصعود الشعبويين والقوميين في العديد من البلدان”.

واعتبر ماركوس أن ما كان يحصل سابقاً أشبه بهراء، إذ كان الأمر كمن يرسل محققاً للبحث في جريمة قتل ليثبت ما إذا وقعت بالفعل، من دون أن يعطيه الحق بتحديد الجاني المحتمل مهما توفرت لديه من أدلة.  

في المقابل، تصرّ روسيا على اعتبار مجلس الأمن الدولي – حيث يحق لها استخدام حق النقض (الفيتو)- الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة تسمية من يلجؤون الى أسلحة الدمار الشامل.

ويُذكر هنا استخدام موسكو لهذا الحق أواخر عام 2017 لإنهاء مهمة لجنة سابقة مشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تهدف لتحديد الجهات المسؤولة عن الهجمات في سوريا. وكانت اللجنة، قبل انتهاء تفويضها في ديسمبر، توصلت إلى أن النظام السوري استخدم غاز الكلور أو السارين أربع مرات على الأقل ضد المدنيين في سوريا.

وبعد القرار الجديد، شبّهت موسكو منظمة الحظر بسفينة التايتانيك أثناء غرقها، ملوحة بالانسحاب منها بعدما أصبح مستقبلها غامضاً ومثيراً للشك، حسب ما قال السفير الروسي في لاهاي ألكسندر تشولغين بعد التصويت.

“هذه كلها جرائم حرب لكن المتهم الأول بالتسبب بها ما زال يتحرك بحرية”، قالت “نيويورك تايمز” في ختام الفيديو. فهل ستغيّر معطياتها، فضلاً عن الصلاحيات الجديدة الممنوحة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ملف “الكيميائي” في سوريا؟

المصدر: رصيف 22