أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون دولية » ماكرون يقيل السفير الفرنسي في المجر بسبب تصريحات “محرجة” تمتدح سياسة القيادة المجرية، خاصة في قضايا الهجرة واللجوء

ماكرون يقيل السفير الفرنسي في المجر بسبب تصريحات “محرجة” تمتدح سياسة القيادة المجرية، خاصة في قضايا الهجرة واللجوء

في حادثة تشبه في بعض الجوانب إقالة الرئيس إيمانويل ماكرون للجنرال بيير دي فيليبي، رئيس قيادة أركان الجيوش الفرنسية، لأنه تجرأ على التصريح بأشياء يفترض ألا يتفوه بها العسكريون، ولأنّ “الرئيس هو أنا”، كما صرّح ماكرون غاضبا، صاحبت التسريباتُ التي نسبت للسفير الفرنسي في المجر، والتي تمتدح سياسة القيادة المجرية، خاصة في قضايا الهجرة واللجوء، والتي تتعارض مع المواقف الفرنسية الرسمية، حضورَ الرئيس الفرنسي في “قمة القمم”، حيث لم يُخف الرئيس اعتراضه عليها، جملة وتفصيلا، وأكد أنه كان سيعزل السفير لو كانت التصريحات علنية.

وبعد يوم واحد من اعترافات مثيرة كشف عنها موقع “ميديا بارت” الإخباري حول برقية دبلوماسية تمجد فكتور أوربان كتبها سفير فرنسا في المجر، نشرت الجريدة الرسمية الفرنسية خبر استبدال السفير الفرنسي، والذي بموجبه أصبحت باسكال أندرياني، السفيرة الجديدة في هذا البلد.

ولم يجد الرئيس الفرنسي ماكرون، وهو في عزّ القمة الأوروبية حول موضوع حسّاس كالهجرة، بدّاً من إدانة علنية لمواقف سفيره في المجر، التي كشفها موقع “ميديا بارت” يوم الجمعة 29 يونيو/حزيران، لكنه تجاهل قضية استبدال سفيره.

وكان جواب الرئيس الفرنسي واضحاً بأنه لا يتقاسم مع مواقف سفيره، وشدد على أن هذه المواقف لو تمت بصفة علنية، وليست عن طريق رسالة سرية من السفير إلى رؤسائه، لتمّ عزل السفير، على الفور، موضحاً، في انتقاد مبطن لليمين الفرنسي، أن هذه المواقف التي عبّر عنها السفير هي “مواقف يدافع عنها آخَرون على الساحة السياسية الفرنسية، وأنا أحاربها. وهي لا تتناسب، في شيء، مع المواقف الفرنسية”.

وكان السفير الفرنسي إيريك فورنيي، الموجود في المجر منذ 2015، قد كتب في رسالته السرية الموجهة إلى “إدارة الاتحاد الأوروبي في وزارة أوروبا والشؤون الخارجية” وإلى رئاسة الجمهورية، والتي تعود إلى 18 يونيو/حزيران، معبرا عن تحليل شخصي للوضع السياسي في المجر، يتضمن التأكيد على أن “الانحرافات الشعبوية لحكومة فكتور أوربان ليست سوى اختراعٍ ميديوي”، وأن الخشية من عودة ممكنة لمعاداة السامية في البلاد، ليست سوى “خيالٍ يرمي إلى صرف الانتباه عن “معاداة السامية” لدى مسلمي فرنسا وألمانيا”.

ثم قارن السفير الفرنسي بين المجر وريال مدريد، معتبرا دولة المجر: “ريال مدريد العالَم السياسي الحديث”، وأما حديث الصحافة الدولية عن “مَجَرفوبيا”، فهو محض غيرة وحسد.

وخلص السفير الفرنسي إلى أن المجر، هذا البلد المتشدد مع طالبي اللجوء، “هو نموذج، عرف كيف يستبق المشاكل المطروحة من قبل حركات الهجرة غير القانونية”. كما نفى، بضربة قلم، تُهم “الشعبوية” التي تلاحق النظام المجري.

وحذّر السفير من مغبة إطلاق المادة السابعة في معاهدة لشبونة ضد المجر، والتي يمكن أن تؤدي إلى حرمان البلد من حق التصويت في المجلس الأوروبي، واعتبرها مجرد نزوة من المفوضية، التي تريد أن “تجعل المجر يدفع ثمن خطابه النقدي” تجاه الاتحاد الأوروبي.

وكان نواب أوروبيون قد طالبوا، يوم 25 يونيو/حزيران الماضي بتفعيل هذه المادة السابعة، في رد فعل على تبني بند في الدستور المجري يُرغم كل مؤسسات الدولة المجرية الدفاع عن الثقافة المسيحية. وهنا يَهُبّ السفير الفرنسي لنصرة النظام المجري فيقول في رسالته: “أي شيء غير عادي، من قبل أمّة تواصل منذ 1018 سنة اعتبار القديس استيفان أحد آبائها المؤسِّسين؟”.

ويضيف أن هذه المطالب الهوياتية لا تؤثر على الحرية الدينية التي يضمنها الاتحاد الأوروبي.

ونزع السفير عن النظام أي اتهام بمعاداة السامية، مبررا بأن كل يهود المجر يشعرون بكامل الأمن في البلاد، ولا يخشون أيَّ وصْم. وأكد أنه يرتكز في ما يقول على معاشرته المواظبة للجالية اليهودية في البلد.

والحقيقة أن حرج الرئيس الفرنسي كان كبيرا بعد تصريحات سفيره. وكما عبّر في الندوة الصحافية التي أجراها بعد توصل الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق حول الهجرة، فإن كل تصريحاته، بما فيها الانتخابية، قبل أكثر من سنة، كانت على خلاف أفكار وقناعات السفير.

كما أن ماكرون حينما أصبح رئيسا للجمهورية انتقد، أكثر من مرة، سياسات الزعيم المجري فكتور أوربان، كما اعتبر، في خطاب له في البرلمان الأوروبي، يوم 17 إبريل/نيسان، سياسته البديل الأوحد في مواجهة ما سمّاه “الديمقراطيات اللا-ليبرالية” لدى أوربان وحلفائه.

والحقيقة أنه لم يكن مستغربا صدور هذه المواقف اليمينية جدا من طرف هذا السفير الفرنسي، ففي جعبة هذا السياسي المحنك، الذي كان سفيرا في باكستان وروسيا وإيران، مواقف سياسية حادة، ففي سنة 2011 دافع بحرارة عن السياسة الخارجية للرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، حينما كان في وضعية صعبة.

كما أنّه لا يُخفي خشيته من التهديد الذي يمثله الدفاع عن حقوق الإنسان على الديمقراطية. إلاّ أن هذه السقطة التي وقع فيها، والتي يلخّصها الكثيرون بتقريره الناري عن “المجر-فوبيا”، ليس لها من تفسير، سوى رغبته في التعجيل بمغادرة الوظيفة العمومية، التي كان سيغادرها منتصف شهر يوليو/تموز الحالي. أي بعد ثلاث سنوات التي يخضع لها كل الدبلوماسيين. وهو ما يدفع للقول إنه تم استبداله ولم يُعزَل.

ولكن، وخلافاً، لما أشاعته بعض الصحف، فإن تعيين السفيرة الجديدة، باسكال أندرياني، التي جرى اختيارها لهذا المنصب قبل عدة أسابيع، كما تؤكد الخارجية الفرنسية، ليس مرتبطاً، بشكل مباشر، بنشر ميديا بارت لمواقف السفير المثيرة للجدل، لأن مرسوم تعيينها سفيرة جديدة جرت قبل ظهور تسريبات ميديا بارت. ولكنّ الشيء الذي يتفق عليه الكثير من المراقبين هو أن رسالته السرية ساهمت في التعجيل باستبداله، بسبب طابعها “غير المطلوب”، و”تطرقه لأشياء تتجاوز صلاحياته”.

وحتى تتضح الأمور أكثر، يجب انتظار قليل من الوقت لمعرفة المهام الجديدة التي ستُوكَل إلى السفير إيريك فورنيي بعد محطته المجَريَّة.

باريس ــ محمد المزيودي