أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون دولية » المكسيك تدخل عصر اليسار: لوبيز أوبرادور رئيساً بتحديات ضخمة

المكسيك تدخل عصر اليسار: لوبيز أوبرادور رئيساً بتحديات ضخمة

في غمرة الاستياء الشعبي العارم من فضائح الفساد وتصاعد مستويات العنف وضعف النمو الاقتصادي، أطل اليساري أندريس مانويل لوبيز أوبرادور محققاً انتصاراً تاريخياً في المكسيك، حمل اليسار للمرة الأولى إلى سدة الحكم، ليصبح في مواجهة تحديات هائلة، تبدأ بالمشاكل الداخلية، من العنف والفساد المستشري وضعف الاقتصاد، لتصل إلى مواجهة مأزق التعامل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وصل إلى البيت الأبيض حاملاً شعار إغلاق حدود بلاده مع المكسيك.

الفوز الذي حققه لوبيز أوبرادور في الانتخابات الرئاسية، التي جرت الأحد في المكسيك، حمل به اليسار إلى السلطة للمرة الأولى، متقدّماً على الشاب المحافظ ريكاردو انايا الذي قاد تحالفاً من اليمين واليسار، وخوسيه أنطونيو ميادي، من “الحزب الثوري المؤسساتي” الحاكم الذي حل في المرتبة الثالثة. واعترف منافساه على الفور بهزيمتهما ورحبا بفوزه. وتُعتبر هذه النتيجة هزيمة ساحقة لـ”الحزب الثوري المؤسساتي” الحاكم المنتمي لتيار الوسط الذي حكم المكسيك من عام 1929 حتى عام 2000 ثم مجدداً منذ عام 2012، وأيضاً لمنافسه المحافظ حزب “العمل الوطني” الذي أنهى حكم الحزب الواحد بهزيمة “الحزب الثوري” في عام 2000 ثم فَقَد السلطة بعد 12 عاماً.

وحقق اليسار الممثل بحزب لوبيز أوبرادور “حركة التجديد الوطنية” (مورينا) أيضاً، نجاحاً غير مسبوق في الولايات، وحصل على مقاعد ستة حكام من أصل تسعة جرى التنافس عليها في الانتخابات. وللمرة الأولى ستتولى امرأة هي كلاوديا شاينبوم، الوفية للرئيس الجديد، إدارة العاصمة بسكانها البالغ عددهم 20 مليون نسمة. ومع حلفائه، سيحصل لوبيز أوبرادور الذي سيتولى مهامه في ديسمبر/ كانون الأول المقبل، على الأغلبية في مجلس النواب بـ250 مقعداً على الأقل.

ولم يتأخر السياسي اليساري المخضرم البالغ من العمر 64 عاماً، في التأكيد على أنه يعي المسؤولية التاريخية الملقاة عليه، قائلاً أمام الآلاف من مؤيديه وسط مكسيكو “سأدخل الرئاسة بصفتي رئيساً جيداً… لن أخيب أملكم”.

ونجح لوبيز أوبرادور في الاستفادة من استياء جزء كبير من المكسيكيين وقدّم نفسه على أنه أكثر المرشحين تواضعاً، وهو ما ظهر في تصريح المواطن سالفادور سانشيز (82 عاماً)، أمام أحد مراكز التصويت، وقوله “للمرة الأولى سيُكتب التاريخ لمصلحة الفقراء”.

وسيكون على لوبيز أوبرادور مواجهة تحديات هائلة. في الداخل، شكّل العنف محور الحديث خلال الحملة الانتخابية، وطاول عدداً كبيراً من المرشحين أو الناشطين على الأرض. وقال مكتب الدراسات “إيتيليكت”، إن الحملة الانتخابية الأخيرة اعتُبرت “الأكثر دموية” في تاريخ المكسيك وشهدت اغتيال 145 سياسياً على الأقل، بينهم 48 مرشحاً أو شخصية كانت تنوي الترشح. وقُتل أكثر من مائتي ألف شخص في البلاد منذ 2006 وبدء الحرب ضد تهريب المخدرات بمساعدة الجيش. وفي العام 2017 وحده، سُجلت 25 ألفاً و324 عملية قتل، حسب السلطات. لكن الرئيس الجديد كان قد وعد بالقضاء على الفقر الذي يغذي أعمال العنف وإعادة السلم الاجتماعي إلى البلاد.

إلا أن مايك فيجيل، الذي كان مسؤولاً في الإدارة الأميركية لمكافحة المخدرات، توقّع في تصريح لوكالة “فرانس برس”، ألا يتراجع العنف قبل فترة طويلة، معتبراً أن الرئيس الجديد “يحتاج إلى استراتيجية مختلفة جداً”، مشيراً إلى استخدام القوات المسلحة لمكافحة الجريمة المنظمة ما ساهم في شرذمة الكارتيلات إلى خلايا أصغر وأعنف. وقال إنه يجب التصدي لكل مرتكبي الجرائم “من الأعلى إلى الأسفل”، وخصوصاً الذين “يحمون هذه المجموعات الصغيرة”.

أما القضية الثانية البارزة، فهي مكافحة الفساد، والتي شكّلت محور الحملة الانتخابية للوبيز أوبرادور. والفساد من المشاكل التي تثير أكبر غضب لدى المكسيكيين. وقد تورطت حكومة الرئيس المنتهية ولايته إنريكي بينيا نييتو بعدد من الفضائح، بينها قيام زوجته بشراء منزل فخم بقيمة سبعة ملايين يورو من شركة تستفيد من صفقات عامة. وقال لوبيز أوبرادور بعد فوزه، إن الفساد يعدّ “السبب الأساسي” لعدم المساواة والعنف الإجرامي اللذين عانت منهما المكسيك لسنوات. وأضاف أنه لن يستثني أحداً في جهوده لاجتثاث الفساد، متابعاً “سيُعاقب المذنب أياً كان، ويشمل ذلك الزملاء والمسؤولين والأصدقاء والأسرة”.

ولن تقتصر التحديات أمام الرئيس اليساري على المشاكل الداخلية، بل إنه يواجه جاراً لطالما أطلق تهديدات باتجاه المكسيك، هو دونالد ترامب، الذي وصف المهاجرين المكسيكيين خلال حملته الانتخابية بأنهم “مجرمون”، وأمر في بداية ولايته الرئاسية ببناء جدار على طول الحدود التي تمتد على مساحة 3200 كيلومتر مع المكسيك. وكان الرئيس المكسيكي المنتهية ولايته إنريكي بينيا نييتو، ألغى زيارتين إلى واشنطن، مع إصرار ترامب على تحميل مكسيكو نفقات بناء الجدار.

لكن الرئيس الأميركي أطلق إشارات إيجابية، وهنأ لوبيز أوبرادور على انتخابه، مؤكداً استعداده “للعمل معه”. وقال ترامب في تغريدة على “تويتر”: “هناك الكثير من العمل الواجب القيام به لمصلحة كل من الولايات المتحدة والمكسيك”. ورد لوبيز أوبرادور بالتأكيد على أنه يريد إقامة علاقات “صداقة وتعاون” مع الولايات المتحدة، ووعد بإحداث “تغيير عميق” في البلاد. وقال “مشروعنا الوطني يطمح إلى ديمقراطية حقيقية. لا نتطلع إلى إقامة حكم ديكتاتوري، لا في الظاهر ولا في السر”، واعداً بحماية الحريات واحترام القطاع الخاص.

ومن أبرز الأمور العالقة بين البلدين، هي اتفاقية التبادل الحر في أميركا الشمالية (نافتا)، التي تجري المكسيك وكندا حالياً مفاوضات جديدة بشأنها مع الولايات المتحدة، وكان ترامب قد هدد بتمزيقها. وترى المكسيك أن من الضروري التوصل إلى اتفاق، إذ إن ثمانين في المائة من الصادرات المكسيكية تتوجه إلى الولايات المتحدة، شريكتها التجارية الرئيسية. كذلك، فإن موقف إدارة ترامب المعادي للهجرة سيكون حاضراً في العلاقة بين البلدين، خصوصاً أن الرئيس الأميركي يتهم المكسيك في أغلب الأحيان بأنها “لا تفعل شيئاً” لمنع المهاجرين من بلوغ الحدود الأميركية.

ولقي فوز لوبيز أوبرادور ترحيباً من جيرانه، فقد سارع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو لتهنئته، مؤكداً أن كندا والمكسيك “صديقتان وشريكتان منذ فترة طويلة”. وكتب ترودو في تغريدة “تجمعنا أهداف مشتركة، نقيم علاقات تجارية تعود لفائدة الطرفين وتثير حسد بقية العالم”. وأضاف أن “الدليل على ذلك جهودنا المشتركة التي تهدف للتوصل إلى اتفاق التبادل الحر لأميركا الشمالية للقرن الحادي والعشرين”.

من جهته، كتب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، على “تويتر”: “أهنئ الشعب المكسيكي ورئيسه المنتخب، وآمل أن يفتح ذلك الطرق واسعة من أجل سيادة وصداقة شعبينا”. بينما قال الرئيس البوليفي إيفو موراليس “نحن واثقون من أن حكومتكم ستسطر صفحة جديدة في تاريخ كرامة وسيادة أميركا اللاتينية”، مضيفاً “نريد أميركا لاتينية مستقلة، وانتصار أخينا لوبيز أوبرادور يعد بتحرير أوطاننا من أجل بناء جسور التكامل بدلاً من جدران التمييز”.