أخبار عاجلة
الرئيسية » حوارات » شعر : وقفة مع بسّام منصور

شعر : وقفة مع بسّام منصور

تقف هذه الزاوية، مع مبدع عربي في أسئلة سريعة حول انشغالاته الإبداعية وجديد إنتاجه وبعض ما يودّ مشاطرته مع قرّائه.

■ ما الذي يشغلك هذه الأيام؟

– يشغلني هذه الأيام ما شغلني طوال حياتي. شيء غريب ضاغط وحزين اسمه الوجود. وجودي كفرد ووجودنا كجماعة. لا أعرف كيف أجيب بشيء واحد على سؤال يضعني أمام كل هواجسي ولست قادراً على أن أحذف شيئاً منها. من دون أدنى مبالغة أقول إنني مشغول بلا شيء وكل شيء في آن. أرى الوقت يراق بين يدي ووضعنا يتدهور من سيئ إلى أسوأ بأضعاف. وكلما تقدم العلم في العالم تراجعنا كجماعة وتراجع العالم كوعي إنساني. التطوّر في الوعي الإنساني ينحسر، فيما التطوّر العلمي يصل إلى إنجازات تفوق العقل المحدود. ليتنا قادرون على ابتكار جزيئية فيزيائية أو جينة جديدة قادرة على تطوير الوعي والضمير. لو نصل إلى هذا الابتكار يمكننا، مثلاً، أن نجد حلاً إنسانياً للمأساة الفلسطينية المستمرة منذ ما يزيد عن القرن من الزمن.

■ ما هو آخر عمل صدر لك وما هو عملك القادم؟

– صدرت لي مجموعة شعرية جديدة عنوانها “يكفي أن تعبر الليل” (دار النهضة العربية، بيروت)، وهي خلاصة مخاض زاد عن العشر سنوات من المراقبة والكتابة وإعادة الكتابة ومكافحة الشعور بعبث الأشياء. أما عملي المقبل فهو أولاً، أن أستمر بمحاربة الشعور بالمرارة والخروج من قاع اليأس، وإذا تمكنت من ذلك سأكون سعيداً بإنجاز كتابات جديدة أنا بصددها، وسأكون سعيداً بنشرها. ولكنني أحب أن أقول إنني أحب الحياة أكثر من الفن والكتابة. حينما أرى الدموع تمّحي من عيني طفل ذاك هو أكبر انتصار للحياة، والشعر يأتي لاحقاً.

■ هل أنت راض عن إنتاجك ولماذا؟

– لست راضياً عن شيء. الرضى يعني الاقتناع. إن محرّكي الدائم هو عدم الرضى ومحاولة أن أتجاوز نفسي هنا أو هناك. لا يمكنني أن أنظر إلى الوراء وأقول “حسناً فعلت” لأن حافزي الدائم هو كيف يمكن أن أفكر حتى تكون الأمور أحسن وإلى من أمد يدي. على المرء أن يتعلم من أخطائه قبل أخطاء الآخرين. لأن أخطاء الآخرين تصيبك بالغرور وتدعي أنك لن تقع فيها أما أخطاؤك فهي المدرسة الحقيقية التي تجعلك تتطور أو تتقهقر. أنت وحظك.

■ لو قيّض لك البدء من جديد، أي مسار كنت ستختار؟

– صدقاً؟ لا أعرف… لم أختر يوماً شيئاً. القضايا تستهويني أو لا تستهويني. إذا استهوتني أقع بحبها وإذا لا، أنساها.

■ ما هو التغيير الذي تنتظره أو تريده في العالم؟

– كتبتُ شيئاً من هذا النوع في قصيدة في مجموعتي الأخيرة عنوانها “مع إطلالة على البحر” مطلعها: “أبحث عن مستقبل”. إن أجمل تغيير يمكن أن يحصل في العالم هو أن يعي هذا العالم أن الكرة الأرضية هي المأوى الأخير للبشر ولا يمكن أن تعوّض وأن خسارتها تعني خسارتنا جميعاً. لذلك أهم شيء يمكن أن نساعد أنفسنا عليه هو أن نعرف كيف ننسجم مع الطبيعة ولا نستمر بتخريبها وتخريب موئلنا الوحيد والأخير. وأجمل شيء يمكن أن يتحقق فعلاً هو رفع الظلم عن الشعب الفلسطيني وأن يعود إلى بلاده حراً وكريماً. حينما يحصل ذلك ستكون فلسطين مكان إقامتي الدائمة، وأترك باريس. أنا فعلاً لا أمزح هنا على الإطلاق. لو حصل شيء من هذا سيمّحي الجزء الأكبر من الحزن الذي يخيم على قلبي.

■ شخصية من الماضي تود لقاءها، ولماذا هي بالذات؟

– أنطون سعادة. هذا الرجل، لم يعطه التاريخ حقه على الإطلاق. وقد ظُلم من قبل الجميع. لقد بدأت بالتعرف إليه في الثالثة عشرة من عمري وكنت في المخيم الكشفي. لاحظ القائد أنني متحمس جداً وأحب القراءة فأعطاني كتاباً يتحدث عن القضية الفلسطينية. ولم أكن أعرف عنها شيئاً. كنت أسمع بالفلسطينيين حين كان باص المدرسة يمر في وسط مخيم تل الزعتر. وكنت أسأل من هم هؤلاء ويقولون لي إنهم فلسطينيون إلى درجة أنني ظننت أن الفلسطينيين طائفة فقيرة من الطوائف اللبنانية. ولكن حينما قرأت ذلك الكتاب الذي كان لا يتجاوز المائة صفحة اهتز له كياني اهتزازاً كبيراً لما انقشع عن رأسي من ضباب. ومع الأيام قرأت معظم أعمال سعادة، وقراءتي المتكررة لكتبه جعلتني أتمكن أكثر فأكثر من اللغة العربية. قُتل في الخامسة والأربعين من عمره بعد سنة من النكبة. في كلامه شيء من الاستشراف وتحضرني هنا جملة مأثورة له: “إن لم تكونوا أنتم أحراراً من أمة حرة فحريات الأمم عار عليكم”.

■ صديق يخطر على بالك أو كتاب تعود إليه دائماً؟

– كثيرون هم الأصدقاء الذين باعدت بيننا الأيام ويخطرون على بالي بشكل دائم. ومعظمهم من مرحلة المدرسة التكميلية أو الثانوية. وربما أيضاً من أشهر الخدمة العسكرية التي أمضيتها في الجيش قبل مأساة انفراط الجيش اللبناني عام 1976. مع هؤلاء أستعيد فتوتي، ومن يتيح لي الوقت أن ألتقي به نحاول أن نجمع ما ضاع بيننا مع الوقت ونرتقه. منهم من بات في أميركا أو أستراليا ومنهم من لا يزال في البلاد ومنهم من رحل عن هذه الدنيا. شيء واحد يجمع الباقين هو أننا هرمنا ولكن حينما نكون مع بعضنا بعضاً نبقى الفتيات والفتيان الذين كانوا. تحضرني هنا فكرة قرأتها أعتقد رواية “الأشجار واغتيال مرزوق” لعبد الرحمن منيف تقول ما معناه أن الصداقة مثل الشجرة تحتاج إلى الوقت حتى تكبر. أما الكتاب، فعندي أكثر من كتاب ولكن إذا أردت أن أختار واحدا منها أذكر كتاب “النبي” لجبران خليل جبران. هذا الكتاب أحببته حينما كبرت مع أنني كنت أحب جبران منذ سن المراهقة. ولكن كتاب “النبي” لا يسلِّم أسراره بسهولة. معانيه بسيطة وعميقة ولا يمل منها نستعيدها كلما احتجنا إليها. قرأته مترجماً بالعربية لعدة مترجمين كبار وحينما قرأته بالفرنسية كان عادياً جداً. أما أفضل قراءة له فهي بالإنكليزية. سبحان الله، جبران خليل جبران لم يكن قوياً بالعربية ولا بالإنكليزية ولكنه أبدع في هاتين اللغتين بما كان يمتلك منهما من أدوات بسيطة وأصبح كتابه “النبي” من الروائع العالمية النادرة.

■ ماذا تقرأ الآن؟

– إنني بصدد قراءة كتاب “المتاهة اللبنانية” وضعه صحافي إسرائيلي يدعى رؤوفين أرنيخ ونشر بالعربية في لبنان، ويتناول الكتاب، معتمداً على الوثائق والتقارير الصهيونية ثم الإسرائيلية، المحاولات الدؤوبة للحركة الصهيونية ولإسرائيل بإنشاء علاقات مع مختلف الأطراف اللبنانية منذ العام 1918 حتى العام 1958. لا يمكن أن نعتبر هذا الكتاب كتاباً تاريخياً لأنه ينشر وثائق إسرائيلية. ولكن ناشره اللبناني لم يقم بالحد الأدنى من قواعد النشر بحيث يبدو أن الكتاب انتقل من المترجم إلى المطبعة من دون أي جهد في التحرير، وفيه الكثير من الأخطاء اللغوية. لهذا تراني أقرأه بصعوبة ولكن لا بد من قراءته. من أخطاء التحرير مثلاً أن الصحافي الإسرائيلي لا يذكر فلسطين بالاسم وكلما أراد أن يأتي على ذكر فلسطين قبل نشوء دولة “إسرائيل” يسميها “أرض إسرائيل”. وقد أشار المترجم إلى ذلك في مقدمة الكتاب واستمر في استعمال المصطلح الإسرائيلي، “أرض إسرائيل”. والأفضل كان أن يستعمل كلمة فلسطين ويشير لمرة واحدة أن هذه الكلمة وضعت بتصرف في الترجمة العربية. المخيف في هذا الكتاب، هو كشفه كيف تعاملت مختلف الفئات السياسية التقليدية اللبنانية، في ذلك الوقت، مع فكرة نشوء دولة “إسرائيل” على أرض فلسطين، وكأنه أمر طبيعي ومسلم به، والمهم بالنسبة إليهم كيف يمكن أن يستفيدوا من ذلك. حينما أنتهي من قراءته ستكون لي قراءة مسهبة حوله. وعندي كتب أخرى عديدة على الرف تنتظر القراءة…

■ ماذا تسمع الآن وهل تقترح علينا تجربة غنائية أو موسيقية يمكننا أن نشاركك سماعها؟

– أحب العزف المنفرد على العود وعلى الغيتار وأطرب كثيراً للوتريات وأحب الغناء والطرب الأصيلين. أحب سماع أم كلثوم بمختلف أغانيها وأسمهان وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وكارم محمود وبعض أغاني فايزة أحمد ونور الهدى ومن تونس الهادي الجويني. ومن بلاد الشام لا أزال أستمع بشكل دائم إلى وديع الصافي ونصري شمس الدين وسمير يزبك. بالطبع هناك مكان خاص في قلبي ومخيلتي، وأعتقد لدى الكثيرين غيري، للسيدة فيروز. أحب أيضاً النجم الجديد محمد عساف. إنه حالة نادرة فعلاً.

بطاقة

بسّام منصور شاعر لبناني من مواليد بيت ملات عكار في لبنان عام 1956. مقيم في باريس منذ العام 1976، عمل في الصحافة لسنوات، وشغل طوال عقدين منصب المسؤول عن الإعلام العربي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، اليونسكو، حيث أشرف على إنشاء وتحرير موقع المنظمة على الإنترنت ووسائل تواصلها الاجتماعي. صدر له في الشعر: “وجاء أنه…” (1986)، و”الفصول السبعة” (2004)، و”يكفي أن تعبر الليل” (2018).