أخبار عاجلة
الرئيسية » الشأن السوري » درعا والهؤلاء

درعا والهؤلاء

أجاز الروائي المصري، مجيد طوبيا، إدخال أل التعريف على اسم إشارة، فسمّى روايةً له “الهؤلاء” (1973)، وأطلق هذا النعت على عناصر أمن يعدّون على الناس أنفاسهم في بلدةٍ متخيّلة. ويجيز صاحب هذه السطور، هنا، استعارة هذا النعت الشاذ، من الكاتب اللافت، لرميه على آخرين، من طينةٍ غير التي ظهر عليها المتخيَّلون في تلك الرواية الطيبة المستوى. ودافعُ هذا الأمر ما هم عليه “الهؤلاء” من شذوذ أخلاقيٍّ مروع، عندما لا يلحظون أن أي ضحايا مدنيين في أي حروبٍ ونزاعاتٍ مسلحة يلزمهم العون والإسعاف والإغاثة، أو أقله التعاطف، أو أقل أقله السكوت بشأنهم.

المقصودون بالنعت أعلاه، المستدعى من اسم روايةٍ مصرية، شيوعيون ويساريون وقوميون (أو هكذا يحسبون أنفسهم) أردنيون، يحتاج واحدنا إلى أرطالٍ من برودة الأعصاب، لعله يحتمل مطالعة نداءاتهم، يطلبون فيها من سلطات بلدهم، ليس فقط إغلاق الحدود الشمالية أمام السوريين الهاربين من قذائف عمياء، بل الامتناع أيضا عن عدم تقديم أي غوثٍ لهؤلاء الناس. ولا يستحي بعض “الهؤلاء” من اعتبار المنكوبين السوريين الفارّين عوائل مسلحي المجموعات التكفيرية الإرهابية التي هنأ بيانٌ وقّع عليه مثقفون من “الهؤلاء”، أو صنف خاص منهم، “الشعب السوري الشقيق والجيش العربي السوري والدولة السورية على استعادة أغلب أراضي الجنوب السوري من براثن هذه المجموعات، المدعومة من تل أبيب وواشنطن وأذنابهما”. وما يزيد من الحاجة الشديدة لأرطال مضافةٍ من برودة الأعصاب أن مجلس نقابة المهندسين الأردنيين، وهي النقابة التي ظلت عقودا الأكثر حيويةً ونشاطا، لم يكتف بعدم المبادرة إلى أي جهد لإعانة أولئك السوريين المكلومين ومساعدتهم، بل ألغى، أخيرا، “لجنة إغاثة الشعب السوري” التي كانت قائمةً (بحجة دمجها بلجان أخرى!). كما مارس هذا المجلس ضغوطا على فروع للنقابة، ولجان فيها، في شمال الأردن من أجل أن تلغي حملاتٍ بادرت إليها لإغاثة الأشقاء السوريين، وذلك كله قبل أن يستجيب مجلس النقباء إلى ضغوط، فيعلن عن تنظيم جمع التبرعات، وإيداعها في الهيئة الخيرية الأردنية.

وإيضاحا، يحسُن أن يعرف قرّاء هذه السطور، العرب البعيدون عن التفاصيل الأردنية المحلية، أن مجلس نقابة المهندسين المتحدّث عنه تم انتخابه، في مايو/ أيار الماضي، وتفوق فيه لأول مرة منذ نحو ثلاثين عام، غير الإخوانيين بأغلبيةٍ من قوميين ويساريين. وكتب من كتب في حينه أن تلك النتيجة “زلزال” (ديدُننا نحن العرب المبالغة بالمفردات الكبرى). وعلق صاحب هذه الكلمات، في “العربي الجديد” وقتها، إن الأمر يجب استقبالُه بأريحيةٍ، باعتباره نتيجة تصويت ديمقراطي. ولكن، يحسُن أن لا يُغفَل عن أن نقيب المهندسين المنتخب الجديد ذو هوىً يناصر بشار الأسد. وقد قال، بعد ذلك “الزلزال”، إنه سيعيد إلى النقابة دورها الوطني والقومي (!).

هنا مبتدأ المسألة ومنتهاها. لا تستقيم القومية والوطنية لدى الناس “الهؤلاء” من دون الاشتباه بهبّة أهالي درعا في ربيع 2011، ومن دون رمي آلاف المتظاهرين المدنيين المسالمين، في حمص وحماة وأريافهما، وفي غير أرضٍ سورية، بأنهم مأجورون أو مضلّلون، ومن دون نعت التنسيقيات والتكتلات الأولى لشباب سوريين نظيفين بأن أردوغان وبندر بن سلطان وحمد بن جاسم يرعونهم. ولمّا انعطف المشهد إلى العسكرة والعنف والأسلمة، ثم تسلل الإرهاب ومجاميعه، صار “الهؤلاء” حكماء، عارفين القصة وأصلها. وظل الخلاف الجوهري والأساسي معهم، وهم يخلعون على أنفسهم صفة القوميين واليساريين، يتعلق أصلا بالنظرة إلى نظام الأسد، وإلى جوهره وطبيعته، هل هو نظام قاتل مجرم أم مقاوم وممانع.

صار كل ذلك الجدل وراءنا، ولا مدعاة للتّ والعجن فيه، وإنْ يبقى يتجدّد، وإنْ لم تؤثر على قناعات “الهؤلاء” كل البراميل المتفجرة، ولا استهداف المشافي والمساجد والكنائس، ولا القتل بغاز السارين وغيره في الغوطتين وغيرهما. حتى إذا أصبحنا أمام موقعة درعا الراهنة، ينكشف قدّامنا أن “الهؤلاء” أكثر شذوذا مما كنا نعتقد، إذ بديهية البديهيات أن إغاثة الملهوف من شيم الإنسان السوي وأخلاقه، وليس مطلوبا ممن يقيمون على حب بشار الأسد، وثبات جيشه الهمام في دحر الإرهاب، أن يتخلوا عن مناقبهم السقيمة هذه، وإنما أن يخرسوا، فيتركوا من يريد أن يعين شقيقا سوريا بكوب ماء أو حبة دواء أن يفعل.

معن البياري