أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » تدمير اليرموك: رواية مفصلة لمحو المخيم وأهداف إزالته

تدمير اليرموك: رواية مفصلة لمحو المخيم وأهداف إزالته

ما شهده شهر مايو/أيار 2018 في مخيم اليرموك جنوب دمشق، ومعه منطقة الحجر الأسود، من تدمير منظّم واسع النطاق، بحجة محاربة تنظيم “داعش”، وما تلاه من حملات “تعفيش” وسرقة منظّمة أيضاً، ومن ثم السماح للأهالي بتفقد بقايا بيوتهم المدمرة والمنهوبة، من دون السماح لهم بإخراج أي شيء منها، مؤشر إلى أن النظام السوري وحليفيه الإيراني والروسي يسعون إلى إفراغ هذه المنطقة من سكانها لأسباب سياسية وأخرى اقتصادية. كان ذلك الكلام تخميناً أو تحليلاً مبنياً على معرفة أصيلة بأدوات عمل النظام السوري وبطريقة إدارته للحرب الدموية التي يقودها ضد السوريين منذ اندلاع الثورة، وانطلاقاً من تاريخ طويل لهذا النظام في التهجير وفي تمرير أجندات سياسية وديمغرافية وطائفية واقتصادية مصلحية تحت نار القصف والقتل. لكن اليوم، وبعد شهرين على كارثة اليرموك، أصبحت تلك القناعة، أي سعي النظام إلى إفراغ المنطقة من أهلها بشكل نهائي، تنطلق من معلومات مؤكدة تكشف عنها أوساط مقربة من النظام والتنظيمات الفلسطينية الموالية له، لـ”العربي الجديد”. وبحسب تلك المعلومات التي باتت المصادر قادرة عن الإفصاح عنها بعدما انتهت المعركة بشكل كامل، فإن “عملية تدمير مخيم اليرموك كان مخططاً لها وليس لها أي مبررات عسكرية، وأن عمليات التعفيش اللاحقة كان مخططاً لها أيضاً، للهدف نفسه، المتمثل في محو هذه المنطقة عن الخريطة، وإنهاء أي أمل لدي أهلها بالعودة إلى بيوتهم ومناطقهم”.

ورأت هذه الأوساط أن “الدولة العميقة استدرجت المسلحين وأدخلتهم إلى مخيم اليرموك في النصف الثاني من مايو/أيار الماضي عن سابق تصور وتصميم، بهدف محاصرته وتجويع سكانه لدفعهم إلى الرحيل، ومن ثم استقدام داعش إلى المخيم والحجر الأسود، ليكون ذلك ذريعة مناسبة لتدمير هاتين المنطقتين بشكل كامل، بعد أن تمت إطالة المعارك هناك لأكثر من شهر من دون مبررات عسكرية. كما تنظر دوائر النظام إلى هاتين المنطقتين كمناطق عاصية معادية استراتيجياً ولا ينبغي أن تستمر في الوجود، خصوصاً أنها قريبة جداً من مركز العاصمة”.

وبعد نحو شهرين من التدمير المنهجي للمخيم، سمح النظام للمفوض العام لوكالة ا”لأونروا” بيير كرينبول بزيارة المخيم والمناطق المحيطة به جنوبي دمشق. وشكلت الزيارة، منتصف الأسبوع الماضي، فرصة للمسؤول الأممي المعني بملف اللاجئين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ولبنان والأردن وسورية، للقول إن “حجم الدمار في اليرموك لا يقارن سوى بالقليل مما شهده خلال سنوات عديدة من العمل الإنساني في مناطق النزاع.” وبحسب بيان صدر عن المفوض العام، “يقبع المخيم الآن، الذي كان يضم في الماضي نحو 160 ألف لاجئ فلسطيني، في خراب تام”.

و”المخيم الذي يمتدّ على مساحة محدودة (كيلومتر مربع واحد) تعرّض طيلة شهر كامل لقصف كثيف جداً، تمثل في 1850 غارة بطائرات سوخوي 35 وميغ 33 والمروحيات التي ألقت مئات البراميل المتفجرة، فضلاً عن القصف بمدافع الفوزديكا وصواريخ الفيل والهاونات، فتحول المخيم إلى ناغازاكي الفلسطينية”.

وسجل مصدر فلسطيني ملاحظات عدة بشأن ما جرى في المخيم. يقول الرجل إن “القصف الجوي على اليرموك اتخذ طابع قصف مربعات، بمعنى ضرب جوي على رؤوس مربع في منطقة محصورة، لتصديع الأبنية المحصورة داخل المربع مع قصف مركز للمربع. والهدف ضمان ألا يبقى هناك بناء واحد لم يتعرض للتدمير الكلي أو الجزئي. والقصف الذي أسفر عن تدمير 80 في المائة من المخيم لم يكن مفهوماً أبداً من الناحية العسكرية، خصوصاً أن عدد المسلحين من داعش والنصرة كما تبيّن لم يكن سوى 130 نصرة، و690 داعش، وهي كشوفات من خرج منهم ومثبتة بالأسماء. أي أن النظام لم يكن عاجزاً بآلته العسكرية الكبيرة المدعومة من روسيا عن التغلب على 800 مسلح ليس معهم أسلحة ثقيلة ولا ذخيرة كافية نتيجة سنوات من الحصار، من دون هذا الحجم من التدمير، علماً أن كليهما، داعش والنصرة، وافقا على الخروج من المخيم منذ الأيام الأولى. لكن القرار المتخذ كان تدمير المخيم”.

وأضاف أنه “تم تدمير البنية التحتية في المخيم بالكامل، لضمان ألا يعود السكان إليه لاحقاً، ومن تولّى التدمير هما الجيش النظامي والفرقة الرابعة تحديداً، وجهاز أمنها الذي يقوده العميد بلال محسن. كما أن المنازل التي نجت من التدمير جرى إحراقها بعد الانتهاء من عمليات التعفيش التي جرت بعد تسلم النظام المنطقة ولمدة ثلاثة أيام متتالية. والأشياء التي تعذّر سرقتها، مثل الحمامات والمراحيض والمغاسل والسيراميك، أي تلك المثبتة بالأرض أو الحيطان، جرى تحطيمها”. وتابع المصدر أنه “جرى خلال القصف الجوي العنيف استهداف مدارس وكالة أونروا التابعة للأمم المتحدة، وباتت كلها مدمّرة تماماً، علماً أنها كانت خالية من المسلحين ولا يوجد لهم أي مقر فيها”.

وكشف أنه “تم قصف مقبرة الشهداء القديمة تحديداً وتخريب الأضرحة، ولم تقصف المقبرة المدنية الملاصقة لها، التي قيل عن وجود قبور ثلاثة جنود إسرائيليين فيها، وإن مسلحي داعش قاموا بنبشها لتسليم جثثهم لإسرائيل، وفق ما ادّعت مصادر النظام. كما أن حملة تعفيش المخيم كانت غير مسبوقة حتى في المناطق السورية الأخرى، وشاركت فيها قوات النظام الرسمية، فضلاً عن المليشيات المسلحة التابعة للنظام. وشوهدت دبابات تجرّ بجنازيرها كابلات الكهرباء الغليظة من الحفر الأرضية، ليصار إلى حرقها للحصول على النحاس. ومن المشاهد الكاريكاتورية أن ترى دبابة تحمل على ظهرها غسالة تم تعفيشها من بيوت اللاجئين أو عربة ب أم ب تحمل براداً”.

وأشار إلى أنه “خلال التعفيش برزت قضايا مثيرة، مثلاً تعفيش الأسلاك وسحبها وحرقها بين الدمار لأخذها جاهزة نحاساً للبيع. خزانات الحمامات النحاسية كانت تباع بواسطة ميزان محل مسروق داخل المخيم بين المجموعات نفسها، التي أُدخل من يشتريها وينقلها بسياراته بحماية ورعاية تلك المجموعات. وجرت سرقة كل شيء يخطر في البال حتى عجانات الأفران والأبواب والشبابيك. وقد حاول النظام بوسائل الاتصال التي يملكها إشاعة أن العفيشة هم من أهل المخيم وأن جماعة المخيم يسرقون بعضهم البعض، وطبعاً هذا كلام غير صحيح. والمؤكد أن مجموعات التعفيش لا تنتمي لأي جهة فلسطينية، حتى عناصر أحمد جبريل التابعون لفصيل القيادة العامة، مُنعوا من دخول المخيم بعد إجلاء عناصر داعش”.

ولفت المصدر الفلسطيني إلى أنه “بعد انتهاء عمليات التعفيش المنظم سمح للناس بالدخول لأنه لم يعد هناك شيء تمكن الاستفادة منه. ودخل في الأيام التالية بعض الأهالي لتفقد منازلهم، أو من المدنيين الآخرين ومحاولة البحث على بقايا بين الردم. كما تنتشر داخل اليرموك حواجز متتابعة لأمن الفرقة الرابعة، وكل من يريد من المواطنين إخراج ما تبقى له من أغراض عليه أن يدفع للحواجز تباعاً، وهناك مفاوضات ومساومات على الدفع تجرى بشكل صريح دون لف أو دوران. وتوجد على طول شارع اليرموك ستة حواجز وكل حاجز يطلب رشوة من الأهالي الذين قد يخرجون شيئاً مما تبقى في بيوتهم بعد تدميرها ونهبها. وكل هذه الحواجز تتبع لأمن الفرقة الرابعة”.

وأشار إلى أن “التعفيش في اليرموك كان عملاً مقصوداً، جرى أمام الناس، بهدف إهانتهم والتنكيل بهم، واغتصاب الميت أمام أهله، والقضاء على أي أمل لديهم بالعودة إلى بيوتهم. والتعفيش تمّ على يد مجموعات التضامن الدفاع الوطني، التابعة لياسر سليمان، التي تورطت في قتل العديد من المدنيين. وسليمان كان مستخدماً في المؤسسة الاستهلاكية وكان معروفاً عنه تورطه في سرقة السكر والرز، لكنه اليوم بات رجل أعمال وقائد مجموعة مسلحة. كما سرقت مجموعات فادي صقر، ومجموعات أبو منتجب، وهو مجرم قتلت على يده عائلات فلسطينية عدة واختفت آثارها في التضامن في بداية التهجير من اليرموك، ومنها عائلة العمايري. وأبو منتخب هو ضابط مسرح من إدارة الوقود لأسباب تمس النزاهة، ولم يجد من يحميه لكثرة سرقاته. كما سرقت مجموعات مسلحة من عين فيت وزعورة من التضامن، ومجموعات مع الفرقة الرابعة وأمنها، ومنها مجموعات كانت قد عملت تسوية مع النظام، وسرق الجيش أيضاً وتحديداً الفرقة الرابعة”. وأضاف المصدر أن “جهات سورية من السلطة والأمن بدأت تسرّب معلومات مفادها بأن دمار اليرموك كان بقرار روسي بالاتفاق مع اسرائيل. وأن الدولة السورية ليس لها قرار بالموضوع، وهي بحكم واقع لم تستطع منعه”.

وأخيراً أعرب المصدر عن اعتقاده بأن “اليرموك لن يعود أبداً، وإن عاد فسيكون ذلك بعد وقت طويل، ما يعني أن غالبية سكانه سيحاولون التوجه إلى أوروبا، على غرار نحو مائة ألف فلسطيني وصلوا إليها من سورية حتى الآن، أو يتوزعون داخل سورية ودول الجوار”، مرجحاً أن “يكون هناك تفاهم روسي – إسرائيلي بالفعل لتدمير المخيم والإسهام في إنهاء تجمع فلسطيني مهم، بهدف دفع الفلسطينيين في سورية إلى الخروج من البلد والهجرة الى أوروبا، لكنه لا يبرئ النظام من التواطؤ في تنفيذ ذلك برضاه وربما رغبته أيضاً”.

وبالإضافة إلى اليرموك فإن هناك منطقة الحجر الأسود التي ضمّت قبل الثورة نحو نصف مليون شخص، غالبيتهم من نازحي الجولان السوري المحتل. وحسب شهادات العديد من السكان ممن تحدثوا لـ”العربي الجديد” فإن “جميع بيوت الحجر الأسود تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، وجميعها أيضاً تم نهبها بالكامل، وحتى أشرطة الكهرباء في الحيطان تم سحبها وبيعها كمادة نحاس. وما عجزوا عن حمله لكبر حجمه وقلة فائدته، مثل خزائن الملابس، وخزن المطابخ، وأرائك الجلوس، جرى تحطيمها في مكانها”. وما يجدر ذكره أن عمليات التعفيش في الحجر الأسود جرت من “الباب الخلفي” للمنطقة وبعيداً عن التصوير، لأن السكان لم يصلوا إلى هناك إلا بعد الانتهاء من عمليات التعفيش. والمقصود بالباب الخلفي، أي من جهة الجنوب باتجاه منطقة السبينة الخالية من السكان التي تسيطر عليها قوات النظام والمليشيات الحليفة لها.

وكانت منطقة جنوب دمشق، وتحديداً اليرموك والحجر الأسود، من أكثر المناطق كثافة سكانية في محيط العاصمة، إذ ضمّتا نحو مليون ونصف المليون نسمة، بالإضافة إلى العديد من المدن والتجمعات الفقيرة إجمالاً، المعروفة بحزام الفقر حول دمشق.

ورأى كثير من المراقبين أن الهدف الرئيسي من حملة النظام العسكرية على هذه المنطقة كان تدميرها بشكل كامل، بحجة محاربة تنظيم داعش، وذلك في إطار خطط أوسع لإعادة تأهيلها عمرانياً وسكانياً، فيتم إبعاد أو تقليص الفائض السكاني عن مناطق حيوية لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن قلب العاصمة دمشق.

ومنذ ما قبل الثورة، كانت هذه المنطقة، مع منطقتي نهر عيشة والدحاديل اللتين تشكلان المدخل الجنوبي لدمشق بالنسبة إلى الآتي من درعا والأردن، محل اهتمام الدوائر الاقتصادية النافذة في النظام، لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى في ذلك الحين، لأنها مناطق حيوية وقريبة جداً من العاصمة، وهي في معظمها مناطق مخالفات سكنية. لكن العقبة الرئيسية التي كانت تعيق خروج مخططات “تطوير” تلك المناطق كانت تتمثل في الكتلة السكنية الضخمة الموجودة فيها، وصعوبة إيجاد مساكن بديلة لأصحابها. وجاءت ذريعة محاربة “داعش” والفصائل المسلحة “هدية” للنظام من أجل إزالة هذه المناطق من الوجود، فأعدّ مخططات عمرانية عدة بحجة تطويرها، ومنها المخطط التنظيمي المسمى “باسيليا ستي”، الذي يشمل بساتين داريا القدم وعسالي ومنطقة شارع الثلاثين في مخيم اليرموك، بما يصل إلى تسعة ملايين متر مربع.

وتعتبر “باسيليا ستي” المنطقة التنظيمية الثانية بعد مشروع “ماروتا سيتي” التي تنفذه المحافظة في منطقة خلف الرازي وبساتين المزة العشوائية، وبدأ العمل به في 2017، من قبل محافظة دمشق وشركة “شام القابضة” التابعة لرامي مخلوف ابن خال رئيس النظام، بشار الأسد. وكان الأسد قد أعلن أصلاً عن هاتين المنطقتين التنظيميتين في المرسوم التشريعي رقم 66 عام 2012، لتطوير ما سماه “مناطق المخالفات والسكن العشوائي”.

عدنان علي