أخبار عاجلة
الرئيسية » حكايات من سوريا » دمشق التي للأغنياء فقط

دمشق التي للأغنياء فقط

بعد سبع سنوات من القطيعة بين الفنانين ودمشق، تعود المدينة هذا العام لاستقطاب واستقبال الفنانين العرب، كدلالة على مقولة “سورية بخير”. طوال السبع سنوات الماضية، كان هنالك شرخ كبير لا يزال يتسع في المجتمع السوري؛ شرخ اجتماعي اقتصادي، وشرخ مكاني. يتوضح هذا الشرخ كثيراً في دمشق، المنقسمة بين نصف مدمر كان محاصراً، واليوم هو فارغ، ونصف آخر يعج بالحياة.

حياة شبه طبيعية في نصف دمشق الآمن حتى أثناء حصار الغوطة وقصفها. كانت الحياة طبيعية، الحفلات مقامة والمعارض مستمرة. ورغم توقف فعاليات دمشق الدولية والمهمة لفترة طويلة، إلا أنها عادت منذ عام مع افتتاح معرض دمشق الدولي الصيف الفائت، وإعادة إحياء معرض الكتاب.

هذا الشرخ وصل صيف هذا العام إلى حد الاستفزاز من حيث إقامة الحفلات والفعاليات التي لا تتعدى كونها صورة إعلامية ترويجية لعودة الأمان إلى البلاد. المواطن السوري اليوم يعمل ليأكل طيلة الشهر ويدفع أجرة منزله وأجرة وسائل النقل، وغيرها؛ فالعديد من الأمور الأساسية لحياة الإنسان تحتاج جهداً لتحصيلها في سورية، إذ لا يتعدى معدل دخل المواطن السوري الخمسين ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 110 دولارات. بينما معدل استهلاك أسرة مكونة من خمسة أشخاص هو 200 ألف ليرة سورية؛ ما يضطر أغلب الموظفين إلى الحصول على عمل آخر إلى جانب الوظيفة. بينما نشهد في الوقت ذاته حفلات وشركات ألبسة وسيارات ومطاعم تسعيرتها تبلغ ثلاثة أرباع راتب المواطن السوري.

تجار الأزمة

لمن كل هذا؟ إنه لأبناء التجار والمسؤولين، أو بإمكاننا تسميتهم تجار الأزمة، أو المرتزقة الجدد؛ أولاد المسؤولين وأصحاب الأموال الجديدة؛ فتجار الشام القدماء غادر أغلبهم البلد، وبقيت دمشق ساحة لمحدثي النعمة.

لم يثر هذا الجدل بصورة كبيرة بسبب انشغال السوري بأولويات حياته، ولكن حفلة المطرب اللبناني عاصي الحلاني الأخيرة في فندق “داما روز”، التي أقيمت في الخامس من الشهر الجاري، أثارت جدلاً كبيراً.

جاء عاصي الحلاني إلى دمشق بعد حفل في قاعة المؤتمرات في القاهرة على هامش “احتفالات ثورة 30 يونيو”، وبلغت تسعيرة البطاقة حدّ 200 ألف ليرة سورية للدرجة الأولى، بينما تتراوح أسعار البطاقات الأخرى بين الخمسين ألفاً والمئة ألف. وما يثير الجدل أن البطاقات بيعت بمعظمها، بخاصة بطاقات الـVIP؛ ما أثار غضب السوريين على مواقع التواصل؛ فالمستفيد من هذه الحفلات هو المرتزقة الجدد الغريبون عن الواقع السوري. لم تكن حفلة الحلاني هي الأولى من نوعها، فسبق أن زار دمشق كل من أيمن زبيب ويارا وعلاء زلزلي ومعين شريف، ولا يزال يعلن عن حفلات أخرى، كحفلة جورج وسّوف.

سورية بخير؟

لكن المواطن السوري لا يزال يتساءل: لمن كل هذا؟ شوارع دمشق لا تخلو من البارات والحفلات، خصوصاً حفلات الدي جيه؛ إذ ظهر في الفترة الأخيرة عدد كبير وجديد من النوادي الليلة، تتفاوت أسعار السهر فيها بين المقبول بالنسبة لدخل الشباب السوري، وبين المرتفع؛ إذ تبلغ أحياناً الثلاثين ألف ليرة سورية، ما يعادل 60 دولاراً. كلما ابتعدنا من العاصمة، اختلف الوضع؛ فمناطق كحمص وحماه وحلب، قليلاً ما تشهد أجواء مماثلة لفوضى دمشق، بينما يكتظ الساحل بالنشاطات التي لم تتوقف.

لم يكن هذا الشرخ الطبقي واضحاً كما هي الحال اليوم. في سورية، غابت الطبقة الوسطى بشكل شبه تام، فمعدل الفقر بلغ حد 70%، ودخْل المواطن السوري لا يكاد يغطي ربع احتياجاته الأساسية. ولكن لا تزال الدولة السورية تخلق أسباباً جديدة لتضييق الخناق، وتعزيز الشرخ، تحت مقولة: “سورية بخير”.

بيسان السعيد



تنويه : ماينشر على صفحة حكايات من سوريا تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع