أخبار عاجلة
الرئيسية » فيسبوكيات » الاعلام .. ثلاثة ارباع المشكلة .. بقلم: نضال معلوف / المقال الذي حرم كاتبه من زيارة سوريا ربما للأبد

الاعلام .. ثلاثة ارباع المشكلة .. بقلم: نضال معلوف / المقال الذي حرم كاتبه من زيارة سوريا ربما للأبد

تم النشر بتاريخ 24-04-2011 أي بعد انطلاق الثورة ب 36 يوم

ابتعدت تغطية الاحداث في سوريا عن المهنية وسافرت بعيدا ، ربما وصلت ابعد من المريخ بقليل . دعونا نبدأ بالفضائيات العربية والناطقة بالعربية، التي لاقت صدىً من قبل عدد ليس بقليل من الجمهور السوري لما يرونه تحيزا وتشويها او تضخيما للاحداث الجارية.

 

لا شك بان كل تلك القنوات خالفت القواعد المهنية للعمل الصحفي ، واعتمدت في اكثر اخبارها وما زالت على شهود العيان عن طريق الهاتف.

ونحن نعرف في الصحافة بان شاهد العيان لا يمكن اعتماده مصدرا للخبر ، حيث من الممكن ان يعزز القصة المعتمدة على مصادر او ان يروي ما جرى من وجهة نظره.
ولكن ما جرى يجب ان يعتمد اما على مشاهدة الحدث من قبل مراسل محترف ينقل بدقة ما يجري ، او من خلال طرف من اطراف القضية التي يتم الحديث بها.
وطبعا ، كثير من القنوات ردت على هذا الانتقاد بانه لا يسمح لها بالعمل على الارض وبارسال مراسليها الى المناطق الساخنة.

وهذا الكلام صحيح ، وهو خطأ ( في رأيي ) من قبل المسؤولين عن التغطية الاعلامية في سوريا ، ولكن هذا لا يبرر ان نعتمد على شهود العيان عبر الهاتف ( ونحن لسنا متأكدين انهم شهود عيان حتى ) وننقل المعلومات على انها اخبار مؤكدة.

ما الحل اذاً .. هل يمكن الاعتماد على الفيس بوك وشبكات التواصل الاجتماعي؟

ايضا كصحافة محترفة يمكن للمقاطع التي تبث ان تشكل قناعة ما عند الصحفي المحترف ولكن لا يمكن اعتمادها كحقائق دامغة ، فالاخبار لا تنقل بالقناعات ، وخطورة النقل عن هذه المصادر ، مع غياب المصدر الخاص بوسيلة الاعلام ، من الممكن ان يعرض الوسيلة الاعلامية للتضليل.

وفي حال حدوث هذا التضليل ، فان القناة ستفقد الكثير من مصداقيتها ، وقد شاهدنا ان اول من استخدم مثل هذا السلاح ضد بعض القنوات كان نظام القذافي الذي كان يرسل من يتصل بهذه القنوات ويعطي معلومات مضخمة عن الاحداث ، فيما يكتشف المشاهد ان الواقع بعيدا عما بثته القناة.

فاذاً مهنيا يمكن الاعتماد على مقاطع الفيس بوك والمعلومات التي تنقلها شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل قناعة وتدعيم ما يأتي من شهود العيان ( الموثوقين ) او حتى محاكمة بعض الاخبار المؤكدة التي تأتي من المراسلين.
لان حتى المراسل قد يكون “متورطاً عاطفيا ” مع طرف من الاطراف او يتعرض لضغوط معينة من السلطات المحلية وعلى ادارة التحرير ان توازن هذا الانحياز من خلال مقاطعة المعلومات والتدقيق فيها.

النتيجة لكي ننقل معلومات مؤكدة في مثل هذه الظروف التي نمر فيها ، فان هذا يستلزم كادرا كبيرا من المراسلين لان الاحداث متسعة ومشتتة في اكثر من موقع على كامل المناطق في سوريا ، ثانيا يستلزم ادارة تحرير خبيرة تستطيع ان تفرز المعلومات وتنشر ما هو مؤكد وموضوعي منها.

والاهم ان تعمل في بيئة اعلامية تعتمد الشفافية وتتيح ندفق المعلومات والحقائق دون ان تكون عملية النشر في حد ذاتها عملية خطرة تهدد الصحفي والمؤسسة.

من جهة اخرى ، في حال انتهاج سياسة التعمية وحجب المعلومات وتقييد حركة الصحفيين او استهدافهم ، فسيتحول الجمهور تلقائيا لمصادر معلومات اخرى ، وهي تعتمد في مجملها اليوم على شهود العيان ، التعليقات على شبكات التواصل الاجتماعي ، مقاطع الفيديو .. وكلها مصادر غير مقبولة في الصحافة المحترفة ، ولكن هذا لا يغير بانها ستتسيد الصورة ..
ولا يبقى امام الماكينة الاعلامية التي ينتظر منها ملايين المواطنين الحقائق الا ان تعتمد على هذا المصدر الوحيد وتعيد انتاج الفوضى التي تطلق على شبكات التواصل الاجتماعي وتنتقي منها ما يناسب سياستها التي عادة تعتمد على الجذب واستقطاب المشاهد ومنافسة وسائل الاعلام الاخرى في احسن الاحوال.

ويجب ان نعترف بان الطرف الذي يمثل المتظاهرين في سوريا اقوى بكثير من الطرف الاخر في نقل ما يجري على الارض او بكلمة اخرى مرتبط بالحدث اكثر من الطرف الاخر الذي يعتقد بان ليس من مصلحته ان يخرج ما يحدث الى العلن .
فالاول ينقل الصور والمعلومات التي تمثل الحدث وبالنالي الخبر ، ام الطرف الثاني فينشغل بالتكذيب والتشهير بالطرف الاخر ، واحيانا يفتعل احداثا ليجذب الجمهور اليه مثل الخروج في مسيرات ويتوقع ان يكون هذا الحدث بموازاة الحدث في الطرف الاخر ولكن ليس هذا ما يحدث ..
ومهنياً فهذا مبرر ، ففي تعريف الخبر انه حدث طارئ غير عادي يهم شريحة كبيرة من الجمهور ، واعلان التأييد على سبيل المثال للرئيس بشار الاسد ليس حدث طارئ او غريب وبالتالي تنتفي عنه صفة الخبر ( وانا لا اتكلم عن المظاهرات المليونية التي يبرر تسليط الضوء عليها صفة الضخامة ) ، بينما يشعر المؤيدون بان عدم نقل نشاطهم في مقابل الاحداث الاخرى نوع من الانحياز.

وطبعا يقع في هذا المطب وسائل الاعلام المحلية ، التي قد تركز على احداث لا ترتقي الى مستوى الاخبار لانها مؤيدة وفقط وتتناسى احداثا كبرى يكون فيها شهداء وقتلى لانها تخشى ان تكون من الطرف الاخر.

هذا الاصطفاف ( محليا ) هو ممارسة مؤذية اعلامياً وسياسياً ، فيجيب علينا في وسائل الاعلام المحلية ان نوازن الاحداث بمعيار المهنية والاهمية بناءً على عناصر الخبر وليس بالاعتماد على على تأييدنا لطرف من الاطراف.

الكثيرون عقدوا مقارنة خاطئة بين ما جرى في العام 2005 على سبيل المثال او في حرب تموز 2006 وتعامل وسائل الاعلام معها ، وبين ما يجري الان.
عند وجود حرب او طرف خارجي بشكل واضح ، لا يمكن لوسائل الاعلام الا ان تصطف مع الوطن ، ولكن عندما يكون هناك اطراف داخلية فان التوازن والمهنية والموضوعية هي التي تؤمن أداءاً اعلامياً مسؤولاً يتسع للجميع ويشكل قناة لطرح الافكار ولعصفها وينقل جزءاً كبيراً من التوتر الموجود الى الفضاء الاعلامي .

وهكذا مثلما شاركت وسائل الاعلام العربية والاجنبية في تأجيج الازمة في سوريا ، في رأيي الخاص فان الاعلام المحلي لم تكن مساهمته في صنع هذه المشكلة قليلة.
الاعلام الرسمي والمحلي الذي يقع تحت وطأة الرقابة الصارمة في قسم منه والاصطفاف في القسم الباقي ، ما زال يخاطب نفسه ومؤيديه الذين يعيدون ويزيدون في جمل وافكار مللناها على مدى الاسابيع الماضية .. بدون نتيجة ؟

مع ان التجربة في مثل هذه الظروف مشكلة في حد ذاتها لحراجة الوقت وتسارع الاحداث ، ولكن الم تكن تجربة ستة اسابيع كافية لكي نعترف بان أدائنا الاعلامي كان فاشلاً ولم يفعل شيئاً الا انه زاد الطين بلة.

ما الفائدة بان اجمع جمهوري ومعظمه من لون واحد واعيد وازيد فيما اقول وكأني اغني في الحمام ..؟

وهكذا يصبح هذا النوع من الاعلام مرآة لي ، ومهما كانت النرجسية في الانسان عالية فانه بحاجة الى ان يرى اناس اخرين ، لوناً آاخر ، وعندما يعلم علم اليقين بأن في هذا الاعلام لن يجد الا صورته .. فسيتجه الى اعلام اخر ..

فيما الطرف الثاني ، لا يجد خطاباً مقنعاً ولا فسحة للمشاركة والحوار ، بل تحريضاً وتخويناً واستهجاناً واستكبار ، فيزيد التوتر من الطرف الاخر لانه يعتبر هذا الاعلام اعلام ذاك الطرف ولا يمثله في حال من الاحوال..

نحن مع الهجوم على بندر ، وعلى الحريري وعلى اسرائيل .. ولكن اليس من المستغرب الا نفسح المجال لشريحة كبيرة في مجتمعنا يعتبرها الكثيرون اساس المشكلة حاليا ويطلبون منها الكف عن الحراك ، دون ان يفسحوا لها اي مساحة في وسائل الاعلام المحلية ..

اليس امتناع وسائل الاعلام المحلية ايا من ذوي الشهداء الذين سقطوا في الاحداث المؤلمة من المدنيين هو فعل يفتقر الى الحكمة ، اليس مستغرباً ألا تغطي الشاشات ووسائل الاعلام المحلية المظاهرات التي اقر بشرعيتها الجميع وصولا الى السيد رئيس الجمهورية وقال عن مطالب اهلها انها مطالب حق ..

هل فعلا ( تزمير) بضع سيارات في بعض شوارع المدن اهم من تلك الاحداث الكبيرة التي تدور حولنا وهل اذا اخترنا السيارات التي تزمر وتغاضينا عن اصوات اطلاق الرصاص نكون قد ساهمنا في حل المشكلة ..؟!

هذا ليس تشهيرا بوسائلنا ولا بإعلاميينا الذي انا واحد منهم ، بل دعوة الى ان نتحمل مسؤوليتنا في هذا الظرف التاريخي والخطر ، ونأخذ دورنا كقناة لنقل كل ما يخص المواطن ، اخباره ، همومه مشاكله ، لاننا قناة نقل آمنة وحضارية وهامة ..
هامة لانها تمثل محطات انذار مبكر تعطي في خرجها معلومات ، فبقدر ما تكون هذه المعلومات قريبة من الواقع يقدر ما نساعد صاحب القرار على اتخاذ القرار المناسب ..

اما اذا كان عندنا علم اليقين ان غداً سيكون يوم ماطراً .. ونشرنا ان غدا الطقس مشمس لان البعض لا يحب المطر


فان هذا البعض لن يلقَ من هكذا اعلام سوى دوش بارد ..



تنويه : ماينشر على صفحة فيسبوكيات تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع