أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » عندما تتجاوز الموسيقى الحدود وتصنع المعجزات: أسبوع عالمي لسوريا في العاصمة اللبنانية بيروت

عندما تتجاوز الموسيقى الحدود وتصنع المعجزات: أسبوع عالمي لسوريا في العاصمة اللبنانية بيروت

إنه مساء الأربعاء الرابع من تموز 2018. أول يوم من فعاليات مبادرة “أسبوع عالمي لسوريا” في العاصمة اللبنانية بيروت، وهي احتفالية عالمية تُقام بشكل سنوي منذ العام 2014 في مدن عربية وأوروبية مختلفة، بهدف دعم السلام والأمل بمستقبل أفضل لسوريا.

مثل كل عام، اختار منظمو الفعاليات بيروت كمنصة لانطلاق الاحتفالية التي ستستضيفها إحدى عشرة مدينة في لبنان وهولندا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وتستمر على مدار شهر كامل متضمنة حفلات وورشات موسيقية ومؤتمرات فنية.

اجتمع الناس واكتمل الحضور في قاعة Assembly Hall في حرم الجامعة الأمريكية ببيروت. ثم ظهر عازفو فرقة “فانفار دولوب” السويسرية مع عازفين سوريين، وبحضور المغني السوري ابراهيم كيفو، وبدأ الحفل الذي يمزج الأغاني السورية المتنوعة والغنية بموسيقا الجاز، ليمتد على مدار حوالي ساعتين وينتهي بتصفيق حاد من الجمهور الذين لم يجد البعض منهم مفراً من التناغم مع ألحان يحفظونها عن ظهر قلب، وأداء حركات الدبكة والرقص الخاصة بتراثهم.

بعد أن غنى أول أغنيتين وهما من التراث الأرمني، انتظر المغني كيفو انتهاء تصفيق الجمهور، ليتحدث بجملة اعتاد قولها في معظم حفلاته في أوروبا: “الأوروبيون عادة يلقون تحية الصباح بنفس الكلمات فلديهم لغة واحدة يتحدثون بها مع اختلاف اللهجات، أما نحن في سوريا فلا نكتفي بأن نقول صباح الخير، إذ يمكننا أن نقولها بالعربية والآشورية والسريانية والكردية والأرمنية. هذه هي سوريا الجميلة التي نحب أن تبقى في أذهاننا على الدوام”.

تنوّع الحفل بعد ذلك بأداء أغانٍ عربية وسريانية وكردية وإيزيدية وآشورية، تميز بعضها بحوارات لافتة بين المغني والآلات الموسيقية كالعود والبيانو والدربكة، أو بين الآلات النفخية المختلفة ومن ضمنها النحاسيات والفلوت البوليفي والبوق الكبير الخاص بموسيقا جبال الألب، لتصنع تلك الحوارات الموسيقية المعجزات كما آثر المغني أن يقول في نهاية الحفل، “فمن كان ليصدق بأن يرقص السويسريون الدبكة الكردية معنا هنا في بيروت؟”.

وبالفعل فإن خلق منصة ممكنة لهذا الحوار هو أحد أهم أهداف فعالية “أسبوع عالمي لسوريا”، كما يقول هانيبال سعد المؤسس والمدير الفني للفعالية في حديث مع رصيف22.
من دمشق إلى بيروت ومدن العالم

بداية سعد كانت من تنظيم مهرجان الجاز في دمشق بشكل سنوي منذ العام 2005، حيث اعتاد جمع موسيقيين سوريين ممن يملكون شغفاً كبيراً بالتجارب الموسيقية الفريدة مع فرق أجنبية من عدة بلدان على رأسها سويسرا وإيطاليا وكندا. ولم يكن هذا المهرجان مقتصراً على تقديم حفلات موسيقية، وإنما كان بمثابة تجربة لدمج الموسيقا الشرقية مع الجاز، ومنصة لإقامة ورشات فنية وتقديم أغانٍ بقوالب جديدة ومبتكرة بتفاعل كبير بين موسيقيين سوريين وأجانب.

هذه هي الرسالة التي شعر سعد (50 عاماً) بأن بإمكانه تقديمها بعد عودته من الولايات المتحدة حيث درس الفلسفة والفيزياء والموسيقا. “تعلّمت خلال أحد عشر عاماً قضيتها هناك بأن أكتشف نقاط قوتي والمجالات التي أبرع فيها، وعلمت بأن ما أجيد عمله هو جمع الموسيقيين على مفاهيم إيجابية ودعوتهم لاكتشاف سوريا الجميلة كما أراها وأعرفها. سوريا الغنية بثقافات لا متناهية وتاريخ وألحان وأغانٍ نحتاج بعد لسنوات طويلة لمعرفتها وتعلمها”.

وككثير من الأنشطة الفنية والموسيقية توقف مهرجان الجاز بعد بداية الحرب في سوريا عام 2011، لكن سعد لم ييأس، وقرر متابعة العمل بنفس الطريقة، فأنشأ عام 2011 موقعاً الكترونياً حمل اسم “الموسيقا السورية تحيا Syria Music Live” ليكون كمخزون موسيقي للكثير من الأعمال الموسيقية السورية القديمة والجديدة، والتي يجب أن تعيش لا أن تندثر بسبب الحرب ونزوح الموسيقيين السوريين لمختلف أصقاع الأرض

بعد أعوام، تطورت فكرة جمع الموسيقيين السوريين في مكان واحد لتتحول إلى فعالية “أسبوع عالمي لسوريا” والتي بدأت عام 2014 على مسرح بابل ببيروت مع حوالي 8 فرق سورية كان عازفوها يعانون من آثار الحرب المريرة، وأيضاً على أحد مسارح العاصمة الهولندية أمستردام.

كما طلب سعد من الموسيقيين السوريين المنتشرين في مختلف بلدان العالم وغير القادرين على المشاركة بشكل مباشر في الحفلات إرسال مقاطع فيديو لموسيقاهم مع استخدام هاشتاغ “forSyria”:

“تلقينا عشرات الفيديوهات إذ يبدو أننا كنا بحاجة لشعار مماثل يوحد السوريين دون أي خطابات كتلك التي تسببت في انقسام المجتمع السوري بشكل كبير، وبشكل مشابه كان شعار مشروعنا ككل هو الإبداع المشترك Co-creation لكي نعطي صورة جميلة عن سوريا بعيداً عن كل الأفكار السائدة والتي فرّقت السوريين خلال السنوات السابقة لبداية مهرجاننا”، يوضح سعد في حديثه.

استمر المهرجان خلال الأعوام التالية وتوسع نحو إقامة عشرات الحفلات في أكثر من دولة ومدينة أوروبية حيث تحوّل إلى مساحة مشتركة ومكان للحوار بشكل احترافي بين الموسيقيين السوريين والموسيقيين المحليين في بلدان اللجوء والاغتراب.

“هدفنا إيصال رسالتين”، يقول سعد ويضيف: “أن نعيد الأمل للسوريين بتراثهم وقدراتهم رغم قساوة ظروف الحرب والتجارب الصعبة التي مروا بها والتي تركت أثراً على أوضاعهم النفسية، وأن نشعرهم بالفخر بإنجازاتهم التي انتشر صداها في عشرات البلدان، والهدف الثاني هو رسالة للمجتمعات المضيفة بأن السوريين لهم هوية واضحة، واندماجهم بحياتهم الجديدة لا يعني فقدان هويتهم بل على العكس، فهي عنصر غنىً وتنوع لتلك المجتمعات”.

وعن اختيار بيروت كمسرح أساسي للفعالية كل عام يشير سعد إلى أن: “لبنان بلد عربي منفتح يتقبل الكثير من الأفكار ولعل ظروف الحرب التي مر بها هو أيضاً ساهمت في هذا الانفتاح والمرونة. رغم أن اللاجئين السوريين يشكّلون عبئاً لا يستهان به على المجتمع اللبناني، إلا أن تأكيدنا على أن رسالتنا اجتماعية تركز على قبول الآخر وليست سياسية على الإطلاق ساهم في إمكانية استمرارنا ودعمنا من مؤسسات ذات ثقل ثقافي وعلمي مثل اليونيسكو والجامعة الأمريكية في بيروت”. 

مواجهة الحرب بالموسيقى

المغني ابراهيم كيفو (53 عاماً)، والذي أصر خلال حفل افتتاح المهرجان على بثّ رسائل الأمل والسلام، يرى في حديث لرصيف22 بأن مشاركته في هذه الفعالية على درجة كبيرة من الأهمية، “فهي تساعدنا على إثبات قدرتنا على الاستمرار في العطاء ومواجهة سواد وبشاعة الحرب بالموسيقا، وأعتقد بأننا نجحنا بذلك إلى حد كبير وتلقينا ردود أفعال إيجابية من الحضور كما في كل عام”.

أسباب تتقاطع مع ما يقوله عازف البيانو والموزع الموسيقي السوري ناريغ عبجيان لرصيف22، حيث يعتبر فعالية “أسبوع عالمي لسوريا” بمثابة حرب موسيقية على الحرب بطريقة إيجابية بعيداً عن أي تحزبات ممكنة. كما ترتبط مشاركة عبجيان بذكرياته عن مهرجان الجاز بدمشق، وهو من الموسيقيين السوريين القلائل الذين آثروا البقاء في سوريا والعمل من هناك.

من سويسرا أيضاً، الموسيقا توحدنا

أما بالنسبة للموسيقيين السويسريين، فقد تختلف أسباب المشاركة لكن الهدف واحد: استخدام الموسيقا كأداة للتعرف إلى ثقافات أخرى مختلفة ونشر رسائل السلام.

عازف الساكسفون والفلوت والموزع الموسيقي إيف سيرف Yves Cerf أشار في لقاء مع رصيف22 إلى أن حبه للارتجال والمشاركة الموسيقية دفعه للموافقة على المشاركة في هذه الفعالية منذ انطلاقها كعازف وموزع موسيقي، وذلك بعد أن استمع لأول مرة لموسيقا ابراهيم كيفو وأعجب بإنسانيتها التي تتجاوز حدود اللغة والثقافة.

“قد لا نتحدث نفس اللغة ولا نملك نفس الثقافة أو نوع الطعام لكن الموسيقا هي لغة مشتركة بلهجات مختلفة، وعندما نعزف معاً تختفي الحدود وننقل هذه التجربة بدورنا للجمهور. بنيت علاقة صداقة قوية مع أحد عازفي الناي السوريين حيث شعرنا بتشابه موسيقانا فهو يعزف الناي الشرقي وأنا الناي البوليفي”، يضيف العازف الستيني.

كما يعتبر سيرف بأن استمرار مشاركته بهذا المهرجان هي رسالة للموسيقيين السوريين أصدقائه والذين عانوا الأمرّين بسبب الحرب في بلادهم، “فمن المهم أن يعلموا أن باستطاعتهم الاستمرار في ممارسة هذا الفن المشترك. قد لا تغير الموسيقا العالم لكنها تساهم في إغناء الإنسانية وتقبل الآخر”.

يتشارك عازف الترومبيت بيل هولدن Bill Holden الرأي مع زميله، فالعلاقة القوية التي طورها مع الموسيقيين السوريين المحترفين ومشاركته في المهرجان هي طريقته لإظهار التضامن معهم بعد معاناتهم الطويلة بسبب الحرب.

ويضيف هولدن (69 عاماً) في حديثه مع رصيف22: “لاحظت بأن معظم الموسيقيين السوريين الذين قدموا إلى أوروبا موهوبون للغاية وذوو طبع هادئ رغم ظروفهم الصعبة وتغير حياتهم بشكل مفاجئ على كل المستويات، وهو سبب إضافي لسعادتي بالمشاركة هنا”.
الفعالية مستمرة

احتفالية “أسبوع عالمي لسوريا” مستمرة في بيروت حتى السادس عشر من الشهر الحالي، وستتضمن خمس حفلات أخرى في الجامعة الأمريكية وشارع الحمرا ومطعم مزيان، “فالحمرا هي قلب بيروت النابض” كما يقول هانيبال سعد.

وسيحيي هذه الحفلات كل من كارولينا إيك من ألمانيا وهي مغنية وعازفة على آلة الثيرمين الالكترونية مع عازف العود السوري كنان أدناوي، ولين أديب المغنية السورية المقيمة في فرنسا، وفرقة تحت السطح الهولندية، والبروفسور نداء أبو مراد مع الدكتورة هيفاء ياسين في الحفل الشرقي “فن المقام” وذلك لليوم الأخير من المهرجان.

المصدر: رصيف 22