أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » بعد سقوط درعا ، عود على بدء : يكتبها الوزير السابق د. محمد أحمد الزعبي

بعد سقوط درعا ، عود على بدء : يكتبها الوزير السابق د. محمد أحمد الزعبي

بعد سقوط درعا ، عود على بدء

 

تعود أصول هذه المقالة  إلى عام 2011 وذلك في إطار

مشاركة الكاتب  – كضيف – في مؤتمر هيئة التنسيق

الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي في سوريا – هيئة الخارج

التي عقدت في برلين في الفترة من 23 – 25 سبتمبر 2011

 

د. محمد أحمد الزعبي

09.06.2018

 

  1. 1.                                                                                                                                                                                                              

بداية آمل ألاّيكون  ماسيقرؤه القارئ الكريم ، تكرارا لما سبق أن قرأه أو سمعه حول إشكالات المعارضة السورية لنظام عائلة الأسد ، رغم أن عمر هذه المقالة حوالي سبع سنوات  من اليوم . ومن جهة أخرى آمل أن يصطبغ ماسأقوله بالعلمية والموضوعية ماأمكن . علماً أنني سوف أحصر كلامي هنا حول مسألة واحدة فقط ، هي مسألة ، الاختلاف بين أطراف وأطياف المعارضة ، أو بالأصح عدم توافق  هذه الأطراف والأطياف ،  لا نظرياً ولاعملياً  ، على موقف موحد ، أو على الأقل متقارب سواء من شعارات ثورة 15 آذار 2011 ، أو من أطروحات النظام السوري الكاذبة عن المسلحين ، والعصابات الإرهابية ، والسلفيين والمندسين …الخ ) التي يحاول  النظام وأتباعه بها احتواء الثورة و / أو إجهاضها إذا أمكن .  ولا حاجة بي إلى القول أن  مخاطراً كبيرة يمكن أن تنجم عن هذا الخلاف / الاختلاف  ، من حيث إمكانية أن تصب مثل هذه الخلافات / الاختلافات  في طاحونة النظام ، وبالتالي خطورة عودة الأمور إلى المربع الأول ، مربع عام 1970 ( الأب )، ومربع عام 2000 ( الإين ) .

هذا مع العلم أن العودة إلى المربع الأول ( بشقيه ) سوف تعني عملياً  عودة حليمة لعادتها القديمة ، من حيث الطابع الأمني الديكتاتوري المتوحش والأسروي للنظام ، ولاسيما فيما يتعلق با ستمرار القتل والذبح ، وقطع الحناجر ، وقطع الأعضاء التناسلية ، والاعتقال ، والتعذيب الجسدي والنفسي حتى الموت ، والمقابر الجماعية ، والشبيحة ( بمن فيهم  شبيحة القلم  Schabbiha of pen ) ، الأمر الذي معه ، سوف تندم  كافة أطراف وأطياف وأجنحة المعارضة على الفرصة التي أضاعتها  في التقصير في دعمها وتبنيها لشعارات شباب ثورة 15 آذار 2011  ، ولا سيما شعار ” الشعب يريد إسقاط النظام “ منها ، ولكن قد يأتي ندمها هذا بعد فوات الأوان ، ولات ساعة مندم .

2.

تتكون المعارضة للنظام الأسروي الأسدي ( وفق وجهة نظري الخاصة ) من ثلاثة تيارات، تمثل عملياً ثلاث وجهات نظر متباينة بدرجات مختلفة ، سواء فيما يتعلق بالهدف النهائي لثورة 15/آذار 2011  ( سورية مابعد عائلة الأسد ) ،أومايتعلق بـ “الوسيلة “ التي ترى كل مجموعة من هذه  المجموعات أن رؤيتها  هي التي تمثل الطريق الصحيح  لتحقيق الحرية والكرامة التي نادى وينادي بها شباب الثورة منذ الـ 15.3.2011 ، هذه التيارات هي :

التيار الأول ، وهو التيار الذي يرى  أن الوصول إلى الحرية والكرامة لايمكن أن يتم  إلاّ عبر إسقاط النظام .  و يرى أتباع هذا التيار أن كل جماعة  تتجنب في مؤتمراتها أو بياناتها  ذكر هذا الشعار ، إنما هي جماعة تخفي وراء مؤتمراتها وبيانتها وكلامها المعسول موقفاً مختلفاً  يتقاطع بهذه الدرجة أوتلك ، بهذه الصورة أو تلك مع مواقف النظام ، الذي يقدم للمعارضة الجزرة بإحدى يديه  ، بينما  تخفي يده الأخرى العصا  ، التي سينتقم بها من كل من شارك في ثورة 15 آذار 2011 من قريب أو بعيد  .

التيار الثاني ، هو ذلك التيار الذي يرغب ويعمل نظرياً وعملياً ، على تغيير نظام عائلة الأسد الأمني بنظام  سياسي ديموقراطي تعددي ، ولكنه يخشى بنفس الوقت أن يأتي هذا البديل الديموقراطي التعددي   بجماعة أو جماعات إسلامية متشددة وإقصائية إلى الحكم ، تقوم بالانقلاب على الديموقراطية والتعددية ، باسم مبادئ سماوية عليا . إن مايريده هذا التيار واقعياً  ، هو إصلاح وتغيير سياسي واجتماعي مقنن ، أي مشروط بأن لايكون البديل لنظام بشار  الأسد هو التيار الإسلامي . إن عناصر وأتباع هذا التيار إنما يضعون ــ وفق وجهة نظري أيضاً ــ قدما عند بشار الأسد وقدماً عند ثورة الشباب . إن موقفهم هذا إنما  يدخل عملياً ـ وحسب تقديرنا الخاص ــ في إطار مفهوم / مقولة ” الإزاحة / التحسين الشكلي ” وليس  ” الإزالة / التغيير الجذري ” الذي تنادي به وتتبناه ثورة 15.3.11 .  إني أطلق على هذا التيار وصفتيار نعم لتغيير النظام ولكن !!” ، وأعتبره تيارا إقصائياً بسبب هذا الإشتراط اللاديموقراطي  .

التيار الثالث ، ، هو ذلك التيار الذي يرغب ويعمل  ميدانيا على توكيد خطين متوازيين يمكن لهما ان يمثلا السكة الآمنة  لكل من النظام والشعب ، هما : العلمانية المعتدلة التي تتمثل أساسا بفصل الدين عن الدولة، والإصلاحات المعتدلة التي ترضي جماهير وشباب ثورة 15 آذار ، ولكن دون أن تؤدي  بالضرورة إلى إسقاط النظام . وإنني أطلق على هذه المجموعة  إسم  ” مجموعة نعم لبقاء النظام ولكن ” وهو يعتبر ــ بنظرنا ــ  بدوره تياراً إقصائياً  .

3.

تشير مضامين أدبيات وبيانات كافة أجنحة المعا رضة السورية في الداخل والخارج إلى وجود أمور معلنه  تحاكي شعارات وهتافات شباب ثورة  15آذار ، ولاسيما منها :

ـــ تغيير النظام الاستبدادي الأمني الأسروي  في سورية ،

 ـــ إقامة نظام وطني ديموقراطي تعددي ، يقوم على أساس مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق  والواجبات ، وسيادة الشعب ، وفصل السلطات ، وهو مايعني عملياً :

ـــ أن الدستور والقانون ( اللذين سيتم وضعهما لاحقاً من قبل ممثلي الشعب المنتخبين والشرعيين )

     سيكونان هما فقط الحكم والفيصل بين الجميع ،

 ـــ و أن سورية المستقبل ، ستكون  وطناً لجميع أبنائها دونما استثناء أو إقصاء لأحد أو لجماعة إجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ، بأ ي صورة من الصور . 

 ـــ و أن مفهوم الجميع يشمل هنا كلاًّ من : النساء والرجال ، الصغار والكبار ، المدنيين والعسكريين 

وأمور أخرى مسكوت عنها في هذه البيانات والأدبيات ،ولكن يمكن للعارفين ببواطن الأمور أن يكتشفوها ليس من خلال مايقال ويكتب وينشر ، وإنما من خلال ما هو وراء هذا الذي يقال ويكتب وينشر ، ولعل هذه المسائل الأخيرة هي سبب عدم تلاحم المعارضة وتوحدها ، سواء على طريق أسقاط النظام أو تطويره.

هذا مع العلم أن الأمور المسكوت عنها ، والتي تقف وراء عدم توحد المعارضة ، تختلف عملياً  ، من جهة ،  بين تيار وآخر ، ومن جهة ثانية ، داخل التيار نفسه ( بين العناصر والأجنحة  المختلفة )، ولهذا فقد  جاء هذا السيل الجارف من البيانات والمؤتمرات والندوات والمجالس الوطنية وهيئات التنسيق والمبادرات واللجان و..و.. الخ ، ليس لتقول تلك الجماعات والتيارات  ماعندها ، وإنما وربما ــ على العكس ــ لتخفي بعضا مما عندها عن الآخرين ، ومن هنا كانت تساؤلات الناس عن سبب كثرة هذه المؤتمرات ، وعن سبب عدم توحد المعارضة ، وبالتالي عدم تحولها إلى حالة سياسية واضحة المعالم والأهداف ، ومعترف بها وطنيا وعربياً وإقليمياً وعالمياً .

4.

إنني ومن موقعي كمواطن عربي سوري علماني ـ ديموقراطي أزعم أنني تقدمي ، أرغب أن أشدد ، في إطار  انحيازي الكامل إلى ثورة 15 آذار على مايلي :

أولاً ،على مطلب الثورة في إسقاط ( إزالة وليس إزاحة ) نظام عائلة الأسد الدكتاتوري الوراثي الفاسد ، الذي فاقت ضحاياه البشرية ، على يد كل من الأب والإبن ،  مئات المرات ضحايا حرب 1967( أنظر مقالنا ، الخاطرة الثالثة حول البلاغ 66 ) ، والتي أوصلت إسرائيل إلى مسافة مرمى حجر من عاصمة بلدنا دمشق       ( القنيطرة ومرصد جبل قاسيون ) ،

 

ثانياً  ،على أن المعارضة السورية  ، تعاني  ، سواء في الداخل أوالخارج ، من إشكالية سياسية وفكرية تتعلق بالعلاقة الأيديولوجية الملتبسة بين الرأي والرأي الآخر . مذكراَ قادة هذه المعارضة  ، بأن المجتمعات البشرية  ككل ، ومنها مجتمعنا العربي عامة والسوري خاصة هي ليست كأسنان المشط ، ولكنها أيضاً ليست كأسنان الغولة ، إنها مثل يد الإنسان ،التي تتفاوت أصابعها طولاً وعرضاً وحجماً ، ولكنها تؤدي مجتمعة ومتعاونة وموحدة  وظيفة معروفة ، هي وظيفة هذه اليد . إننا هنا أما م قانون إجتماعي جدلي هو قانون” وحدة وصراع المتضادات “، الذي يشير إلى مشروعية التضاد وبالتالي الصراع ،باعتبارهما من طبيعة الحياة الاجتماعية       ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ـ البقرة /251 ) . ولكن شريطة أن يكون ويظل هذا التدافع والصراع  في إطار الوحدة ، لأنه بدون هذه الوحدة ستعم الفوضى وتفسد الأرض ، أي المجتمعات .

 

ثالثاً ،إن كل مااطلعت عليه من البيانات والإعلانات والأدبيات والمبادرات الصادرة عن اطراف المعارضة إنما تشير بصورة لالبس فيها إلى ” الحرية والكرامة “ وإلى ” الديموقراطية والتعددية  “. وغني عن القول أن كلا من هذه المفاهيم الأربعة ، يتضمن تطبيقياً  الاعتراف والقبول بوجود كل من الرأي والرأي الآخر، وما علينا إلاّ أن نحوّل كلماتنا هذه ( احترام كل من الرأي والرأي الآخر )إلى أفعال ملموسة ، وفي هذه الحال ينبغي ألاّ يخيفنا تعدد المؤتمرات واللقاءات والمجالس المؤقتة وغير المؤقتة بعد أن  فتحت ثورة 15.3.11 المجيدة ، الباب على مصراعيه لكل من الرأي والرأي الآخر ، بعد قرابة نصف قرن  من التصحر السياسي  والفكري والأيديولوجي .

 

إن مانرغب أن نضيفه  حول إشكالية تعدد  بل وفوضى البيانات والمؤتمرات ، أن الإنسان عادة مايتعلم من تجاربه وأخطائه ، وبالتالي فإن على تيارات المعارضة  أن تتجاوز وربما تنسى خلافاتها الأيديولوجية والسياسية  السابقة ، أو على الأقل أن تؤجلها إلى مابعد تحقيق الهدف الرئيسي الذي يسعى ويناضل في سبيله جميع الوطنيين الشرفاء ألا وهو، إنهاء نظام الفساد العائلي الديكتاتوري الوراثي الحالي ، الذي  حصد وما يزال يحصد منذ الثامن عشر من آذار 2011 كل طلعة شمس ، عشرات الشهداء ومئات الجرحى وآلاف المفقودين والمعتقلين ، واستبداله بنظام وطني ديموقراطي تعددي قائم على الحرية والكرامة والعدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان والحيوان (بعد مجزرة الحمير المعروفة ) ، بغض النظر عن الخلافات الصغيرة أو الكبيرة ، بين هذه التيارات ، سواء حول الغاية أو حول الوسيلة .

رابعاً ، تتكون المعارضة السورية من ستة  تيارات سياسية ـ اجتماعية هي : الديني ، القومي العربي ،الكوردي ، اليساري ، الليبرالي ، وتيار ثورة 15 آذار الشبابية (الذي هو مزيج وطني من كل هذه التيارات ) .

وعادة مايتواجد في كل من هذه التيارات جناحان ، واحد معتدل ، وآخر متطرف ، ومن المفروض أن  تلتحم وتنسق الأجنحة المعتدلة  في كل هذه التيارات مع بعضها بعضاً ، وذلك عبر حوار وطني هادف وعقلاني وأخلاقي وملتزم ، ينصب على كيفية تغيير نظام الأسد ، باقل الخسائر ، و يستند في شكله ومضمونه إلى :

ـــ قوله تعالى ” وجادلهم بالتي هي أحسن ” وقوله ” وأمرهم شورى بينهم  ”

ـــ مقولة الإمام الشافعي ” إن رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأي الآخر خطأ يحتمل الصواب ” ،

ـــ مقولة فولتير ” إنني أخالفك الرأي ، ولكني مستعد أن أقدم حياتي من أجل أن تقول رأيك بحرية ” .

هذا مع العلم أن مثل هذا الحوار لايكون إلاّ بين أطراف متكافئة من حيث الإمكانيات ، ذلك أن حواراً بين أعزل ومسلح لايمكن أن  يكون حواراً ممكناً أو مثمراً ، وأستشهد هنا بما قرأته في أحد ى المقالات ، لشخص لاأعرفه ، حول موضوع الحوار/ المفاوضات ،  مع نظام بشار الأسد  ( على قاعدة : خذ الحكمة ولا تسأل من أي وعاء خرجت ) ، يعود تارخه إلى 21 سبتمبر 2011 ،  جاء فيه :

 

” وبالنسبة للمفاوضات مع النظام ، يكون بعد أن يعترف النظام بالمعارضة ، ويستجيب النظام لشروط أهمها ، سحب القطع العسكرية والأمن والشبيحة من الشوارع ، وإنهاء محاصرة المدن والأرياف ، والسماح بالتظاهر السلمي ، فقط بموجب علم وخبرللشرطة ، وثانياً الإفراج عن جميع المعتقلين ، السياسيين ،وثالثاً محاسبة جميع الذين أجرموا بحق الشعب وتسببوا بمقتل آلاف الشهداء ، وبعد ذلك تتم المفاوضات على طريق الانتقال السلمي إلى الدولة الديموقراطيةالتعددية المدنية ” .

 

خامساً، وأرغب في الختام  أن  أقول كلمة صغيرة في  مفهوم ال ” العلمانية ” :

فإني بعيداً عن الإشكالات النظرية والعملية  المتعلقة بهذا المفهوم  ، أرى أن نحدد مضمونه  بالعبارة المعروفة والدارجة والبسيطة ،  ألا وهي ” الدين لله والوطن للجميع “ ، أي أن العلمانية وفق هذا المفهوم ليست ضد الدين ولا ضد التدين ، ولكنها ترى فيهما مسألة فردية خاصة بعلاقة المخلوق بخالقه ، بحيث يكون هذا المفهوم مقبولاً من التيارات العلمانية ومن التيار الديني على حد سواء ، ونتلافى بهذا محاولة استخدام المتطرفين من الطرفين ( الديني والعلماني ) لهذه المسالة ، لشق المعارضة ، وحرفها عن هدفها الأساسي والجوهري ألا وهو  إسقاط النظام العائلي الراهن ، وإقامة نظام وطني ديموقراطي تعددي ، قائم على العدالة والمساواة ، وبالتالي على تحقيق الحرية وصون الكرامة على أنقاضه .

 

إن الكاتب يعرف ـ  بطبيعة الحال ـ أن الشريعة الإسلامية تربط بين السماء والأرض ، ولكنه يرى أن على ما بات يعرف ( بضم الياء ) ب ” الإسلام السياسي” أن يعكس هذه الرابطة في برامجه الإنتخابية ثم يترك للناخب أن يقول كلمته في هذا البرنامج ، وغيره من البرامج ، بحرية  تامة لامكان فيها لأي بعد أيديولوجي  ضاغط على حرية الراي أمام صندوق الإقتراع .

 

برلين في الفترة من 23 – 25 سبتمبر 2011



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع