أخبار عاجلة
الرئيسية » مدونات Blogs » الفراغ العملاق : أصبحت حياتنا مع الأجهزة الذكية أكثر فراغا وأقل إنتاجية

الفراغ العملاق : أصبحت حياتنا مع الأجهزة الذكية أكثر فراغا وأقل إنتاجية

ينتقل من شاشة الجوال إلى شاشة الكمبيوتر وأحيانا يمر على شاشة التلفاز، وبينما يكفّن وجهه بين سجونها يصدر بيانا رسميا على مواقع التواصل الاجتماعي: “أشعر بفراغ عملاق لدرجة أني أفكر في التبرع به!”.

أصبحت حياتنا مع الأجهزة الذكية أكثر فراغا وأقل إنتاجية، وأحيانا يدخل المرء في نوبة تفكير، وللأمانة فإن هذا التفكير يمر على الخاطر عند انقطاع الكهرباء وأيضا مع احتضار بطارية الأجهزة الذكية، المهم أن لمحة تفكير سريعة تجري في أوصالنا من وقت لآخر، وفي لحظة تفكير نادرة التكرار سألت نفسي: كيف كان القدماء يتعاملون مع الفراغ العملاق؟

وجدت إجابات كثيرة للاستفادة من الفراغ، لكن طريقة من بينها وقفت فيها مذهولا، وسألت الله صادقًا لو كان صاحب هذه الطريقة يمتلك “موبايل أحدث موديل” أو جهاز لابتوب سريع الأداء، ولو توفر له ذلك لأنقذ أمه من الهلاك على يديه؛ إنه حجام ساباط! يجلس أصدقائي شطر يومهم يلعبون “البلاي ستيشن”، وأنا أتبرم بما يفعلونه وأحاول أن أفسد توجهاتهم ليقرأوا كتابا أو يحضروا ندوة، لكني في نفس الوقت أراهم أفضل حالا من طريقة تعامل حجام ساباط مع الفراغ العملاق من حولهم.

تقع ساباط المدائن كما عند ياقوت الحموي في معجم البلدان بالقرب من سمرقند، وتتبع مدائن فارس المعروفة، وكان كسرى أبرويز قد حبس بها النعمان بن المنذر قبل أن يلقيه تحت أرجل الفيلة. واتفق أن حجاما عاش في ساباط، وأنه حجم مرة -كما يروي القزويني والخوارزمي- كسرى أبرويز؛ فأمر له بما أغناه عن الحجامة؛ فكان لا يزال فارغا مكتفيا، ولكن الفراغ مفسدة والفاضي يعمل قاضي؛ فألجأ الفراغ صاحبنا إلى فكرة نميسة!

ساقه فراغه إلى أن يحجم كل من يمرُّ عليه؛ فكان يحجم الجند الخارجين للحرب بالنسيئة (بالآجل) لقاء دانق واحد (عملة تعادل الخمسة قروش في مصر)؛ ولك أن تتخيل مدى الفراغ الذي يعيشه الرجل ليحجم الناس بهذه الشاكلة. مع ذلك التيسير في السداد؛ فإن حجام ساباط كان يقضي الأسبوع والأسبوعين دون أن يجد من يحجمه، وكان عليه أن يتغلب على هذه المسألة وألا يترك نفسه فريسة الفراغ. لم يجد من يمارس عليه مهام عمله إلا أمه؛ فكان يخرجها ويحجمها لئلا يقول الناس إنه “قاعد فاضي مبيعملش حاجة”، كأنه يقول لنفسه “إيه الزهق ده؟” ثم يقرر حجامة أمه، واستسلمت المسكينة لابنها وتوالت حجامته لها مرة بعد أخرى حتى أنزف دمها يوما فماتت!

ماتت أمه لئلا يشعر بالملل والفراغ؛ فضُرِب به المثل في الفراغ فقيل: “أخلى من حجام ساباط”، وقيل: “أفرغُ من حجام ساباط”، ولو أنه امتلك هاتفا ذكيا لانشغل به عن قتل أمه، ولو كان يحترف الألعاب الإلكترونية لانعتقت أمه منه وما قضى عليها بحجامته. وبينما أنا -والفراغ يتلاعب بي- أفكر في شأن رجل ساباط المهم؛ فإذا بالحياة تدب في جهازي مع سريان التيار الكهربي فيه، وحمدت الله أن والدتي تعيش في مدينة تبعد عن متناول حجامتي، وأن لي وسائل أجدى نفعا من الحجامة للتعامل مع الفراغ؛ كأن أقرأ كتابا أو كتب مقالا أو أبحث عن شيء يحول بيني وبين الملل والفراغ، أو أداعب شاشة الموبايل بحثا عن شيء يجمع بين الترفيه والفائدة في آن.

نعيش الملل والفراغ ونعاني منهما، وعلينا اغتنام الفراغ وألا نكتفي بالتأفف منه، ولندرك أن الترفيه ليس المقصد الأوحد من الحياة؛ فلنضع أهدافًا سامية لحياتنا ونحرص على تنفيذها، وكفانا الله شرّ الفراغ العملاق وفِكر حجام ساباط الخلاق.

محمد الشبراوي