أخبار عاجلة
الرئيسية » شؤون عربية » غضب الجنوب العراقي: الاحتجاجات تتوسع والحكومة عاجزة

غضب الجنوب العراقي: الاحتجاجات تتوسع والحكومة عاجزة

لليوم الخامس على التوالي، تتواصل حركة الاحتجاجات ضد الحكومة في مدينة البصرة جنوبي العراق، متسببة بحراك مماثل في مدن أخرى من الجنوب العراقي، أبرزها ميسان وواسط وذي قار وبلدات في النجف والقادسية عدا عن محافظة ديالى شرقي البلاد. وتسببت الاحتجاجات التي تعتبر الأولى من نوعها من حيث كونها عشائرية بالدرجة الأولى، ويشكل أبناء القبائل العربية في الجنوب قوامها، بمقتل متظاهر من قبيلة بني منصور ذات النفوذ الكبير في باهلة والقرنة وكرمة علي شمال البصرة وحتى أطراف شط العرب، بالإضافة إلى إصابة خمسة آخرين بنيران قوات الأمن التي حاولت فض الاحتجاجات بالقوة. ويطالب المتظاهرون، الذين نصبوا الخيام وقطعوا عدداً من طرق البصرة ومدن أخرى جنوب العراق بالإطارات والحجارة، وهددوا بقطع الطريق على صهاريج النفط المتجهة إلى موانئ البصرة، بتوفير الماء والكهرباء والوظائف وإنهاء سطوة الأحزاب والمليشيات. إلا أن مقتل المتظاهر في البصرة، الأحد الماضي، حول الاحتجاجات إلى منحى آخر، إذ تطالب اليوم عشيرة بني منصور وقبائل عربية أخرى متحالفة معها الحكومة بتسليم القتلة، وهم من أفراد القوة الضاربة، إحدى التشكيلات العسكرية التي أسسها رئيس الحكومة السابق، نوري المالكي.

وأطلق على تحالف القبائل في البصرة اسم “تحالف الجزاير”، نسبة إلى المنطقة التي عقد بها اجتماع شيوخ وممثلي العشائر، والذي ضم عشائر بني أسد، وبني مالك، وبني منصور، والسعد، والإمارة، والسادة، والشرش، ومياح، والكناص، وحلاف البوكتايب، وحلاف التمار، والعلوان، وبني مرة وعشائر أخرى منضوية معهم. ورفع التحالف قائمة مطالب للحكومة العراقية ألزمها بتنفيذها وحذرها من مغبة التعامل بقوة معها. ودعا بيان التحالف العشائري “كل العراقيين من رجال دين ومشايخ ووجهاء ومثقفين وطلبة علم وباقي الشرائح الأخرى لمساندة المتظاهرين والخروج بتظاهرات سلمية، شبيهة بالتي قامت بها عشائر بني منصور وعشائر المدينة والمناطق الأخرى للمطالبة بحقوقهم، ومنها تحسين الوضع الخدمي من كهرباء وماء وصحة وغيرها”، مطالباً الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية ومجلس محافظة البصرة بـ”تحسين الوضع الخدمي للمواطنين لأن هذه الحقوق كفلها الدستور في تحقيق حقوقهم المشروعة”. واستنكر البيان “تعامل بعض شيوخ العشائر مع الشركات النفطية لمصالح خاصة وشخصية وليس عامة من أجل توفير الأيدي العاملة والخدمات، والتي هي حق للمناطق النفطية وسكانها من دون استثناء”. وطالب “الشركات النفطية بتحسين الوضع الخدمي والبنى التحتية للأقضية والنواحي التي تتواجد بها هذه الشركات، ومنها قضاء المدينة والقرنة والنواحي التابعة لها”، مشيراً إلى أن “هذه المناطق لم تجن سوى التلوث البيئي نتيجة للسحب الدخانية التي أدت إلى تدمير الأراضي الزراعية وتلوث المياه”.

وقال شيخ عشيرة بني منصور، محمد كامل أبو الهيل، لـ”العربي الجديد”، إن “ما تطالب به العشائر هو حقوقها لا أكثر”. وأضاف “تسليم قاتل ابننا ومن أوعز له بإطلاق النار، الأحد الماضي، بات مطلباً رئيسياً ولن نتنازل عنه”. وتتركز التظاهرات في مناطق المديّنة وشط العرب والهارثة والجبايش والعشّار فضلاً عن مركز مدينة البصرة. كما أنها امتدت إلى محافظات أخرى، مثل مدينة الكوت العاصمة المحلية لمحافظة واسط، ومدينة سوق الشيوخ في محافظة ذي قار ومناطق مختلفة أخرى في محافظتي النجف وبابل ومدن أخرى جنوب العراق، غالبيتها تمتلك تحالفات واتفاقات قبلية مع عشائر البصرة. وقطعت طرق رئيسية وتجارية حيوية، بينما تواجه الشرطة صعوبة بالغة في التعامل مع المئات من أبناء القبائل الذين قرروا، أمس الخميس، منع أي مظاهر مسلحة في الاحتجاجات لأي من أبناء القبائل والاكتفاء بالشعارات وقطع الطرق وحرق الإطارات واستخدام الحجارة إن لزم الأمر.

وأصيب أمس الخميس ستة متظاهرين في البصرة، فيما تم إجلاء عدد من المهندسين الغربيين من حقلي القرنة والرميلة النفطيين، بعد تجمهر المحتجين حولهما، بينما تم قطع طريق منفذ الشلامجة مع إيران وكذلك طريق منفذ سفوان مع الكويت شرق وشمال البصرة. ورغم تشكيل الحكومة العراقية لجنة وزارية عليا، مؤلفة من ستة وزراء، منذ الثلاثاء الماضي، للنظر بطلبات المحتجين، إلا أن أي تقدم أو تهدئة للأوضاع لم تنجح حتى الآن. ويترأس اللجنة وزير النفط، وهي تتألف من وزراء الإعمار والإسكان والبلديات والأشغال العامة والكهرباء والموارد المائية والنقل، بالإضافة إلى هيئة المستشارين في رئاسة الوزراء والأمانة العامة لمجلس الوزراء وخلية الأزمة. وقدمت الحكومة وعوداً جديدة أمس، في محاولة لحل الأزمة. وأعلن وزير النفط، رئيس اللجنة الوزارية لبحث مشاكل البصرة، جبار لعيبي، أنّه “تم تخصيص مبلغ ملياري دينار عراقي، لبلدية ماء البصرة للارتقاء بالواقع الخدمي فيها، كما سيتم تنصيب مشروع تحلية للمياه بطاقة 3000 متر مكعب في المحافظة”. وأكد أنّ “اللجنة الوزارية قررت خلال اجتماعها تخصيص 10 آلاف فرصة عمل لأبناء المحافظة”، مبينا أنّ “فرص العمل ستتوزع حسب الكثافة السكانية لبلدات المحافظة”. وكانت الحكومة أوعزت بحلول وقتية منها نقل المياه الصالحة للشرب بالآليات إلى البصرة وربط مشروع الكهرباء مع خطوط أخرى لرفع عدد ساعات التغذية بالكهرباء، بالإضافة إلى إلزام شركات النفط بتخصيص درجات وظيفية لأبناء المحافظة. غير أن تلك القرارات لم تسهم في خفض وتيرة التوتر في المحافظة أو المحافظات المجاورة، بل على العكس دفعت إلى مزيد من الاحتجاجات بسبب ما اعتبر محاولات تخدير جديدة من الحكومة.

وتعاني البصرة تحديداً من ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة بسبب وقوعها على الخليج العربي، بالإضافة إلى التلوث نتيجة استخراج النفط من الحقول المحيطة بها، وتعتبر أزمات المياه والكهرباء والبطالة العامل الرئيس في تفجير الوضع فيها. وقال عضو مجلس مدينة البصرة، محمد الفتلاوي، متهكماً، إن الحكومة في بغداد شكلت لجنة وزارية، معبراً عن اعتقاده أن هذه اللجنة ستشكل لجنة أخرى للنظر بمطالب المتظاهرين. وأضاف، لـ”العربي الجديد”، أن “الناس لم تعد تحتمل، ولا يمكن لأحد لومهم. 15 سنة من الكذب والتسويف. أين ذهبت ألف مليار دولار قيمة عائدات النفط لعشر سنوات مضت صدرت من البصرة وكركوك”. وتابع “من الأخلاق الآن ألا تحاول الحكومة أو الأحزاب تبرير شيء للناس لأنه سيغضبهم أكثر” وفقاً لقوله.

وقال رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، قبيل مغادرته إلى بروكسل، تعليقاً على تصاعد التظاهرات في محافظة البصرة، “إننا نشدد على قواتنا الأمنية حماية المواطنين وممتلكاتهم والحفاظ على حياة المتظاهرين. ما حصل في البصرة يخضع الآن إلى التحقيق”. ولفت إلى أن “هناك من يحاول اختراق التظاهرات السلمية لخلق مشاكل”، مشدداً على أن “مهاجمة القوات الأمنية خط أحمر لا نسمح به”. وبخصوص مطالب المتظاهرين بتوفير الخدمات، قال العبادي إن “مجلس الوزراء أقر تخصيصات لدعم ملف الخدمات في محافظة البصرة بشكل عاجل”. وبدوره حمل النائب في البرلمان المنتهية ولايته، سليم شوقي، الحكومة في بغداد المسؤولية الكاملة عما يحصل في جنوب العراق. وأوضح شوقي، لـ”العربي الجديد”، أنه و”منذ العام 2014 إلى يومنا هذا لم تدفع الحكومة مستحقات البترودولار للبصرة ولا غيرها من المحافظات المنتجة للنفط، كما أنه لا توجد أي خطط للمياه ولا الخدمات. هذه الأزمة تفاقمت أخيراً، ويمكن القول إن الناس نفد صبرها وانتهى”. وأضاف “الدستور كفل حق العمل والسكن والخدمات، لذا الناس تطالب بحقوقها لا أكثر ولا أقل”. من جانبه، دعا العضو في “حلف الجزاير”، الشيخ كاظم السعد، شيوخ القبائل العراقية ورجال الدين لمساندة الاحتجاجات. وقال، في بيان، إن “التظاهر حق مشروع كفله الدستور العراقي، إضافة إلى أن حرية التعبير كفلها الدستور، والشعب هو من صوت عليه”. وقال المواطن مرتضى التميمي إن “الموضوع لا يتعلق بالخدمات فقط، بل الناس ملت من الفقر والبطالة، وعدم وجود أمن وعمائم تحكم وأحزاب تسيطر على الحياة العامة، والناس مسحوقة”. وأضاف “الخدمات كانت مفجرا للناس لا أكثر”، مبيناً أن “الاحتجاجات اليوم رسالة إلى أن الحديث عن تهميش أو استهداف السنة بالعراق دون غيرهم غير صحيح، فهذا النظام الذي تتعاهد إيران وأميركا على رعايته وزع لكل لون عراقي حصته من الجوع والأذى”.