أخبار عاجلة
الرئيسية » كتاباتكم » وهم “حرية التعبير” في لبنان

وهم “حرية التعبير” في لبنان

حكم القضاء اللبناني غيابيا بالسجن أربعة أشهر وغرامة مالية في حق الصحافي فداء عيتاني، لاتهامه ب”القدح والذم” في حق الوزير اللبناني جبران باسيل، في تعليق نشره في وسائل التواصل الاجتماعي. الحكم، وهو ليس الأول في حق صحافي في الفترة القريبة، لم يلق، كما غيره، رد فعل يذكر في النقاش العام، خصوصا بين جموع الصحافيين أو العاملين في المجال الصحافي والإعلامي، باعتباره تهديدا لمن يجرؤ منهم بـ”التطاول” على السلطة وممثليها، حتى ولو جاء ذلك في مجرد تعليقات فيسبوكية، لا ترقى إلى أن تكون عملا صحافيا.

شهدت الفترة الأخيرة عددا غير مسبوق من الأحكام في حق صحافيين، بناء عن آراء شخصية، منهم حنين غدار التي صدر بحقها حكم بالسجن بتهمة التشهير بالجيش اللبناني، لتعبيرها عن انتقادات في ندوة في واشنطن مضت عليها أعوام. وقد تم لاحقا إلغاء الحكم الذي صدر عن القضاء العسكري، لعدم اختصاص المحكمة العسكرية في النظر في قضية تطاول صحافية، إلا أن ذلك لم يوقف المحاكمات في حق حنين غدار، كما لم يمنع صدور الحكم ضد فداء عيتاني من محكمة الجزاء، وليس محكمة المطبوعات المفترض أنها المرجع في قضايا الصحافة.

ماذا عن الصحافة اللبنانية من هذا كله، أو القلة منها التي لم تغلق الأبواب، أو تمسخ صفحاتها أو تلزم صحافييها بالعمل سخرة؟ لا شيء يستحق القلق. باستثناء مقالات هنا وهنالك، لا شيء يستدعي التوقف للاستنكار، أو حتى التحذير من انحسار رقعة الحريات التي طالما اعتبرها اللبنانيون التعبير الأبرز عن تمايزٍ ما عن العالم العربي بسجونه الواسعة.

يؤشّر تزايد انكماش مساحة التعبير الحر في المجال العام اللبناني إلى تماهٍ مقلق مع الحالة العربية في تقاليدها الأكثر شيوعا، أولها قدرة النظام على تطويع الإعلام واستخدامه منصة لإيصال الرسائل. في قضية العمالة لإسرائيل التي تم تلفيقها ضد الممثل زياد عيتاني، تحولت المنابر الإعلامية إلى أبواقٍ تردّد تسريبات الأجهزة الأمنية في قضيةٍ بدت خرافيةً إلى درجةٍ أثارت سخرية الصحافة الإسرائيلية التي وجدتها عصيةً على التصديق. عدا مقالاتٍ أثارت قضية قرينة البراءة للمتهم، لم يهتم أحد بالتحرّي عن ملابسات القضية، أو حتى التساؤل عن مدى جدية ادعاءات الاتهام الخيالية، ولا الكم الهائل من التشهير الذي لحق بالرجل، ولا الحديث عن تعذيب مهين تعرّض له. كما لم يثر الكشف عن تلفيق القضية همّا يذكر للتوقف عند مدى الاستهانة بالقضاء في تلفيق الملفات، ولا مدى التلويث الإعلامي الذي رافق القضية تشهيرا بالرجل. لم يثر تحول الإعلام إلى بوق للأجهزة الأمنية، وهو تقليد عريق للإعلام في دول عربية عديدة، أي امتعاض أو تساؤلٍ في مجتمع الصحافيين، بل تحول بعضهم نجوما إعلامية، وخبراء في تحليل دهاليز العمالة، بناء على شطارة تلقّي التقارير المعدّة من الأجهزة الأمنية. إنه السبق الصحافي بتعريفه العربي الأكثرعراقة.

ثم ماذا عن القضية التي أثارت بالأساس تعليقات فداء عيتاني الفيسبوكية ضد باسيل بشأن تعذيب موقوفين سوريين إلى حد الموت، على يد عناصر من الجيش اللبناني؟ هل استدعت القضية فضول الصحافة، للتحقيق في ملابساتها، أم أن القضية الأساس باتت نزاع باسيل – عيتاني باعتبار أن الصحافة، في الجزء الأكبر منها، غير معنيةٍ، أو غير راغبةٍ، بالتحقيق باحتمال وقوع ارتكاباتٍ كهذه، على يد الجيش من منطلق “وطني”؟ في مصر، استعار النظام لغة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في توصيف الصحافة الناقدة بأنها مروّجةٌ الأخبار الزائفة، متهما من ينتقد الجيش والشرطة بارتكاب “الخيانة العظمى”، وناعتا هؤلاء بأنهم “قوى الشر”. لا مجال للمقارنة هنا، إذ إن الحالة المصرية خاصة، لشدة قمعها، إلا أن ثقافة الخطوط الحمراء وشيطنة من يجرؤ على التطاول عليها باتت أيضا جزءا من الحالة اللبنانية.

تنحسر مساحة التعبير في المجال اللبناني، وتتمدد بحسب دوزنة الأدوار على الساحة السياسية، ومدى ما تسمح به من مديح أو انتقاد أو وقاحة. ليس المجال مغلقا، لكنه ليس مجالا مفتوحا
بالمعنى الفعلي للكلمة، إذ يتطلب ولوجه فهما للأدوار والموازين السياسية، وكيفية انعكاسها في الأدوار الصغيرة للصحافة والصحافيين، بحسب موقع هؤلاء في التركيبة الطائفية والسياسية. قد لا تكون تعليقات فداء عيتاني الفيسبوكية التي أثارت غضب الوزير، إلى درجة رفع 11 دعوى قضائية ضد الصحافي، سوى حجة لإسكات الأصوات التي تخرج عن هذه التوازنات في نقدها ما يجري.

وفي لبنان، تماشيا مع العالم العربي، باتت “السوشيال ميديا” المجال الجديد لمعركة الأنظمة ضد الأصوات الناقدة، لتتم ملاحقة الصحافيين في تعليقاتهم على وسائط التواصل الاجتماعي، بحجة أنها لا تندرج في إطار نشاطهم الصحافي، وبالتالي لا تتمتع بالحماية التي تشمل العمل الصحافي، ولو على الورق. المعركة على حرية التعبير تعدّت الصحافة التقليدية التي تبدو خارج اللعبة، بعدما عادت مطيعةً إلى لعبة الأدوار المرسومة.

يؤشر تواتر الملاحقات القضائية ضد صحافيين، أو معلقين بالنقد على وسائط التواصل الاجتماعي، إلى انحسار وهم ليبرالية المجال العام في لبنان، خلافا لما هو عليه في العالم العربي تقليدا. ولعل المؤشر الأكثر إثارةً للقلق هو التراخي المتزايد في مجتمع صحافةٍ فقدت دورها ووزنها المعنوي التاريخي، في حين يعيش العاملون فيها هاجس فقدان ما تبقى من مواقعهم. قد يكون انحسار هذا الوهم من النتائج الإيجابية القليلة لهذه الحملة على الأصوات الناقدة: آن الوقت لمقاربةٍ أكثر واقعيةً لما يسمّى “التعبير الحر” في لبنان.

فاطمة العيساوي



تنويه : ماينشر على صفحة كتاباتكم تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع