أخبار عاجلة
الرئيسية » كتب » “جمهورية كأن” رواية علاء الأسواني التي لم يحتمل ناشر أعماله في مصر نشرها

“جمهورية كأن” رواية علاء الأسواني التي لم يحتمل ناشر أعماله في مصر نشرها

أصاب الروائي إلياس خوري تماما لمّا ذهب، أخيرا، إلى أن علاء الأسواني نجح في صناعة “بست سيلر” عربي، بشكلٍ متواصل، فيما فشل آخرون، وذلك لحذاقة لعبته في بناء رواياته. لم ينشغل خوري في الوقوف على سبب فشل هؤلاء، ولم يحاول الوقوع على أسباب غياب هذه الصناعة في الفضاء العربي، وإنْ يحدُث أن تذيع روايةٌ، وتبيع كثيرا في زمنٍ محدود، غير أنه ليس في وسعك الحديث عن نماذجَ تتوالى في مواسم أدبية، وفي معارض الكتب، تشكّل ظاهرةً يمكن عدُّها “بست سيلر” عربي. ليس لدينا مثيلٌ لـ”هاري بوتر”، ولا مبيعُ روايات هاروكي موراكامي، ولا أدبٌ بوليسي نشط، أو أدبُ جريمةٍ، وهذا جنسٌ من الكتابة “بيّاع” في الغرب. وحدث أنني ذُهلت مرة (المفردة حقيقية)، لمّا شاهدت طوابير طويلةً في واحدٍ من مواسم مهرجان طيران الإمارات، الأدبي الثقافي المتنوع، في دبي، يصطفّ فيها آسيويون وغربيون كثيرون، لشراء نسخ موقعةٍ من روايةٍ لكاتب كندي، يحترف كتابة روايات جريمة. لا شيء من هذا لدينا. ولكن، هل يمكن الزعم أن علاء الأسواني استثناءٌ في غضون هذا الغياب؟

تحوز روايات الكاتب المصري الشهير على إعجابٍ طيبٍ من نقاد أدبٍ وكتّاب مختصين، وأيضا من الجمهور العام. وهذه “جمهورية كأن” (2018)، روايته التي لم يحتمل ناشر أعمال الأسواني في مصر نشرها، فأصدرتها دار الآداب في بيروت، أحرزت مقادير وازنةً من التقريظ، أبداها أكثر من كاتب وناقدٍ وذوّاق، ولمّا تمض ستة أشهر على صدورها. وكما سابقاتٌ لها في نتاجه، “شيكاغو” مثلا، أظهر الأسواني ما يمكن تسميتها بالعامية “حرفنةً” عاليةً في شد قرائه إلى ما يحكي ويسرُد، وإلى ما يستفيض فيه، وإلى ما يُلملمها من حكاياتٍ تتناسل من بعضها، وتتصل ببعضها، ويُحافظ بحذاقةٍ وبراعةٍ عاليتين على التشويق في مسار هذه الحكايات ومناخاتها. وبذلك لا تزيّد في القول إن الأسواني يبلغ في “جمهورية كأن” منزلةً استثنائية في “صنعته” هذه التي يسّرت له جمهور قرّائه العريض، ومنه الجمهور الشغوف بالحكاية، سيما التي تحضر فيها التوليفاتُ والميلودرامياتُ إيّاها، من الجنس والعنف والبوليسية والغموض وبطش السلطة، وفي مقدمة هذه كلها وبعدها فساد المتدينين من الدعاة والمشايخ. مستحيلٌ أن تعثر في شغل الأسواني على نموذج إيجابي لأي شيخٍ أو واعظ أو داعية، هؤلاء بالضرورة منتفعون نصّابون، ملتحقون بالسلطة التي تستخدمهم. تماما كما أن أجهزة الأمن لا تصنع شيئا غير القمع والتنكيل بالناس، وإنتاج خدّامها والمستزلمين لها والمخبرين.

ثمّة، إذن، مبالغاتٌ ظاهرةٌ في نماذج علاء الأسواني، المنمّطة أحيانا، أو ربما غالبا، فلمّا تقرأ “جمهورية كأن” سيلحّ عليك سؤالٌ عما إذا كان المسؤولون الكبار في الأمن المصري، المخابرات وغيرها، يحوز كل منهم، على ثرواتٍ مهولةٍ كالتي تأتّت للواء أحمد علواني الذي يُتبِع أداءه صلاة الفجر في المسجد بمشاهدة فيلم بورنو مع زوجته (!). تُرى، هل هي “شطارة” علاء الأسواني في بناء محكيّاته في سردٍ حيويٍّ وشائق (دعك ممن يرمون الرجل بركاكة اللغة، فهذا كلام حسّاد أو متشاطرين) توفر له جمهوره الشاسع الذي يُقبل على مطالعة “جمهورية كأن” وسابقاتها بمتعة من يتابع مسلسلا تلفزيونيا جذّابا وصادما ومسليا وجريئا، وهذه صفاتٌ حاضرة دائما في ترسانة علاء الأسواني وعماراته من الحكي، وجعلت إلياس خوري يراه “روائيا شجاعا”، بالنظر إلى تجرّؤه الساخط على مؤسسات التسلطيْن، السياسي والديني، في المجتمع المصري، وقد بدت هذه عنده أسبابا قويةً في قتل ثورة 25 يناير وإمكاناتها التي كانت واعدة.

قصارى القول إن علاء الأسواني كاتب ماكر، شديد الدهاء في رمي خيوط شباكه إلى القراء، أيا كانوا، ذوّاقة ومختصين أم عابرين يبتغون تسليةً وتزجية وقتٍ مع حكاية مشوّقة، معنية بآلام وآمال في مصر، بخرابٍ كثير في هذا البلد، بعسفٍ لا يُراد له أن ينتهي. دلت “جمهورية كأن” على وفاء كاتبها لخياره الذي سلكه في أولى ضرباته، “عمارة يعقوبيان”، وهو هجاء السلطة، وتعريتها، فضح مواطن النفاق والدجل في مراتب صغيرة وكبيرة فيها، وكذا في المجتمع، وإقامة مقابلاتٍ بين نماذج نزيهة وأخرى مشوهة .. هذا بعض من كثيرٍ في “جمهورية كأن” وسابقاتها، واللواتي أصاب فيهن علاء الأسواني نجاحا ظاهرا في صناعة “بست سيلر” عربي، بشكل متواصل، بينما فشل آخرون.. على ما رأى كاتبٌ عارف.

معن البياري