أخبار عاجلة
الرئيسية » كتب » “حوادث دمشق اليومية”: هامش الرواية الشعبية وحيلها

“حوادث دمشق اليومية”: هامش الرواية الشعبية وحيلها

شكّل القرن الثامن بدايةَ تراجع الدولة العثمانية بعد حوالي مئتي سنة من تأسيسها وتشكيلها قوّةً كبرى في المنطقة العربية وآسيا الوسطى وشرق أوروبا؛ حيث تشير المراجع التاريخية إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية وانفلات الأمن وتفاقم الاضطرابات السياسية في أجزاء عديدة كانت خاضعة لحكمها، ومنها بلاد الشام التي كانت ولاياتها الأقرب جغرافياً إلى “الأستانة”.

في العقدين الأخيرين، تزايد الاهتمام لدى الباحثين العرب بإعادة مراجعة تلك الحقبة من منظور غير رسمي كما عكسته، على سبيل المثال، اليوميات التي راجت خلال ذلك القرن وتوسّعت في ذكر الأحوال المعيشية والتفاصيل اليومية للناس وكلّ ما يتعلّق بحياة الهامش وثقافته، واللتين أهملتهما المصادر التي ركّزت على وقائع السياسة والشأن العام.

إلى جانب يوميات ابن كنان (1663 – 1740)، وميخائيل بريك (لا تذكر المصادر التاريخية سنتَي ميلاده ورحيله) الذي ألف كتباً عديدة؛ من بينها كتابان حول مدينة الشام والكنيسة الأنطاكية يمتدّ تأريخهما للأحداث بين عامي 1720 و1782، كان لكتاب “حوادث دمشق اليومية” لمؤلّفه أحمد البديري الحلّاق (1701 – 1762) نصيب وافر من القراءات لأسباب عديدة.

اعتمد الدارسون هذه الحوادث على اعتبارها نموذجاً لـ”التاريخ المصغّر” الذي وضعه حلّاق ينتمي إلى عامّة الناس، وإن أشار عددٌ منهم إلى طموحه، وهو أحد القاطنين في ضواحي المدينة (محلّة القبيبات؛ خارج سورها في تلك الفترة)، وكيف استطاع عبر مهنته الاختلاط بالعديد من النخب والأعيان، فـ”حظي” بحلق رأس الشيخ الخلوتي حين يورد خبر موته.

انتساب البديري إلى طبقة أصحاب المهن الصغيرة مكّنه من تقديم شهادته على واحد وعشرين عاماً، وهي المدّة التي رصدها في مخطوطه، تتخلّلها أخبار تولّي الباشوات وكبار أصحاب المناصب وعزلهم ومصادرة أموالهم وفتن الأجناد، وارتفاع الأسعار وفساد الأخلاق وانتشار الأمراض وغزو الجراد ووفاة العلماء والمتصوّفة ونقباء الحرف، وكذلك وصف الظواهر الطبيعة من زلازل ورياح وأمطار وخسوف وكسوف.

كما أولى اهتمامه لكلّ ما يتناهى إلى سمعه من أحداث تقع في دمشق أو قربها، فيمرّ على حروب الباشا ضد الدروز أو المتاولة أو بعض عشائر البدو أو ظاهر العمر شيخ طبرية، أو ما يتسامع به الناس عن فتنة في بغداد أو حرب بين الدولة وفارس أو بين أشراف الحجاز.

حول التاريخ المصغّر الذي تناوله البديري، انبثقت دراسات عدّة مثل “يوميات شامية” لـ سامر عكّاش، و”حلاق دمشق” لـ دانا سجدي، وأخرى استندت إليه في مراجعها الأساسية كـ”ثقافة الترفيه والمدينة العربية في الأزمنة الحديثة، دمشق العثمانية” لـ مهند مبيضين، لتقديم صورة أوضح عن حضور التسلية واللهو بين مختلف طبقات المجتمع الدمشقي، وتطوّر ممارساته مع دخول القهوة وانتشار التدخين وترسيخ المقهى ظاهرةً اجتماعية وبروز المرأة في الفضاء العام للمدينة.

على اختلاف الجهد الذي قام به كلّ باحث في “حوادث دمشق اليومية”، فإن أهمّ خلاصاتها تدور حول تلك التحوّلات التي يمثّلها اختراق الرواية السائدة التي احتكرتها فئة من المؤرّخين عبر ظهور رواة جدد لم يكتفوا بالكتابة من موقعهم الطبقي والاجتماعي، بل استخدموا أيضاً اللهجة الدارجة (العامية) في التدوين، كما فعل البديري، في تعبير جليّ عن سعيهم إلى تقديم مقاربتهم الخاصّة حول واقعهم والمتغيّرات السياسية والاقتصادية من حولهم.

تميّزت هذه اليوميات ببساطتها في تدوين مجريات الواقع والمتداول بين الناس من روايات وإشاعات. لكن صاحبها سجّل تعليقاته على كثير منها، والتي تفنّد بعض ما جاء فيها أو تؤكّده أو تربطه بشأن آخر، وهي بشكل أو بآخر تدلّ على معرفته التي لم يُرد لها أن تتقولب أو تخضع لاشتراطات من سلطة تقبلها أو ترفضها، فمن المعلوم أنه كتابه ظلّ بعيداً عن الأعين حتى طباعته في خمسينيات القرن الماضي.

طوال واحد وعشرين عاماً يرصدها الكتاب، لن نعثر على وقائع سنة واحدة لا يشكو فيها الدمشقيون من غلاء فاحش في أسعار البضائع والسلع، والتي يُفصّلها في كل موضع؛ فيذكر مثلاً أن “حبّة الرمان التي وصلت بثمان مصاري (وحدة نقد) وأوقية (وحدة وزن) التفّاح بسبع مصاري، ورطل الفحم بخمسة عشر مصرية، وأوقية السمن بسبع مصاري، وأوقية الزيت بثلاث مصاري”، بل يعقد مقارنات بين ما كانت عليه وما آلت إليه.

ولا يُهمل الحلاق، كذلك، ربط الغلاء بفساد المسؤولين وظلمهم للعباد واحتكارهم لقوت الناس وضعف الرقابة على الباعة، موضحّاً ردود فعل العامّة فيما بينهم؛ حيث يلهجون بـ “الذم والنكال” على من جوّع الرجال والنساء والأطفال والبهائم، ويولّد لديهم اليأس ويضاعف الكرب والخوف والشقاق، وهو متلازم بالضرورة مع البلاء والقهر.

رغم نزعة المؤّلف نحو المحافظة والتديّن في تعقيبه على وقائع مختلفة، لا يربط سوء الأوضاع الاقتصادية بما يحلّ بالشام من كوارث طبيعية، حيث رأيه الثابت بأن لا صلة بين غزو الجراد أو قلّة الأمطار في شتاء هذا العام أو ذاك، وبين ارتفاع الأسعار التي تسبّبها “قلّة التفتيش”.

ولا يغفل البديري عن تسجيل احتجاجات أهل دمشق في وجه هذه المظالم، والتي يمكن دراستها في سياق مستقل، ومنها خروج العامة عام 1745 من قلّة الخبز وغلاء الأسعار، فهجموا على السرايا، مذكّرين والي دمشق أسعد باشا بأنه مسؤول عند الله عنهم وعن هذه الأحوال، فأخبرهم باللجوء إلى المحكمة. وهناك، أمر القاضي بضربهم بالبارود فقتَل منهم، فما كان من المحتجّين إلا أن قتلوا بعض أعوانه بمساعدة بعض الانكشارية (الجند) وخرّبوا المحكمة ونهبوا أموالها وأغلقوا الشوارع، حتى تدخلّ بعض الأكابر وأرضوا القاضي وصالحوه وأعادوا ما نقص من ماله.

عاش الحلّاق في فترة حكم الوزيرين سليمان وأسعد باشا العظم لدمشق، وكانا يعدّان والييْن إصلاحيين، كما يورده في توصيفه لهما وعدم تحميله المسؤولية عن الفساد والقمع المتزايدين، إنما لمن هم دونهما ودون الدولة العلية، ولكنها تبقى الحيلة التي لا تفوت على أبناء الطبقات الدنيا وهي تقاوم من أجل عيش أفضل ومشاركة أكبر في الحياة العامة، وبالطبع إمكانية أن يكتبوا التاريخ ضمن ما يتاح لهم من هامش للحركة ومساحة للتعبير.