أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة وفن » بلال فضل : صديقي الذي ضيّعه الحب وأنقذته الكرة

بلال فضل : صديقي الذي ضيّعه الحب وأنقذته الكرة

حين جرى لصديقنا ما جرى، لم أكن من بين أفراد شلتنا الذين ادعوا الحكمة بأثر رجعي، وقالوا له إنهم لم يكونوا يستريحون لتلك الفتاة التي أحبها، إما لأن ضحكتها كانت رقيعة بأكثر مما يمكن التسامح معه، أو لأنها كانت حين تتحدث معك تقترب منك بأكثر مما ينبغي، أو لأن خصلات شعرها البادية من خلف الإيشارب كانت حسب أحدهم تَشي بشعر خشن لا يسر الناظرين، أو لأنها كانت تضع على الدوام أحمر شفاه غامق اللون، وهو ما كان ينبئ في ظن آخر عن اضطراب نفسي حاد، لكن جميع “الصابونجية” احتفظوا بتلك الآراء العميقة لأنفسهم، لأنهم كما زعموا لم يرغبوا في جرح مشاعره بطرح هذه النقاط السلبية التي تهدد نجاح مشروع الزواج.

كنت في وضع أكثر صعوبة من هؤلاء، لأن محبوبة صديقي كانت عضوة في أكثر من مشروع بحثي أشارك فيه، وهو ما كان يحتم قضاء وقت طويل معها خلال كتابة المشاريع البحثية نلف وندور فيه ما بين مكتبات الكلية والجامعة ودار الكتب والمجلس الأعلى للصحافة وأرشيفات الصحف المختلفة، وحتى لو كنت قد قررت أن أفقد احترامي لها ولنفسي، لأنضم إلى جوقة الذم فيها عمّال على بطّال إرضاءاً لصديقي، لا أظنه كان سيصدقني أنا بالذات، وأنا الذي طالما حدثته بإعجاب عن “زين ما اختار” لفتاة تجمع بين الجمال الهادئ والطيبة المنضبطة والذكاء المتقّد، وأنه لو كان قد تمسك بحبه العابر لفتاتي، لما كان قد أفاده في شيء جمالها الصارخ ولا طيبتها التي اتضح أنها مفعمة عَبَطاً، لأن البلاهة والعبط يطفئان زهوة الجمال، ويظهران عيوباً خفية في النفس والسلوك، لكنها لسوء الحظ لا تظهر إلا بعد انطفاء الحب، فكيف آتي الآن لأصطنع له في فتاته عيوباً، يعلم هو كما نعلم جميعاً أنها كاذبة، لذلك لم أفعل مثل ما فعله غيري من الرفاق، برغم حسن نواياهم، واكتفيت بتذكيره بتفاصيل تجربتي العاطفية الأليمة التي عاش تفاصيل نهايتها معي، ورأى كيف ظننت في البدء أنها نهاية العالم، ثم اتضح بعد أقل من شهرين من الصبر على الأحزان ـ الصبر الذي لم يكن لي بديل سواه ـ أنها كانت في الواقع بداية جديدة لحياتي، وأن الله بعدها “طَبطَب” على أحزاني، فرزقني بأول فرصة عمل حقيقية لي في الصحافة، بعد فرص كاذبة كثيرة، وبدأ اسمي يظهر على أخبار وتحقيقات صحفية في أهم مجلات مصر، وأنا لا أزال طالباً لم يتخرج بعد، لكن صديقي للأسف أغلق بسرعة تلك السكة العملية في مواساته حين قال لي: “بس أنا مش عايز أشتغل صحافة أصلاً”.

كان صديقي مصاباً بعقدة مستحكمة من العمل في الصحافة، منذ أن فشل في مطلع العام الدراسي الرابع في عمل تحقيق صحفي كان مطلوباً منه أن يقدمه لصحيفة (صوت الجامعة)، فبرغم سهولة وسخونة الموضوع الذي اختاره، والذي لم يكن يتطلب سوى جمع آراء مختلفة وصياغتها بعد اختيار مقدمة لطيفة وعناوين جذابة، إلا أن جميع المصادر التي اتصل بها رفضت الإجابة على أسئلته، لا لعيب في الأسئلة، بل لما سبق أن حدثتك عنه من طبعه الشخصي، الذي يجعله يحتاج إلى فترة تسخين طويلة حتى يدخل في “فورمة” الحديث الطبيعي مع شخص أياً كان، وهو ما لا تتحمله موضوعات الهاتف التي تحتاج إلى “عِدّة نَصب مشروع” تشبه تلك التي يستخدمها مندوبو المبيعات، تجعل المصدر الذي تتصل به يرتاح للحديث معك، ولا يشعر أنك تعامله كـ “صيدة عابرة”، فتبدأ مثلاً حديثك معه بالإشارة إلى عمل فني شارك فيه أو مقالة كتبها أو رأي سبق أن قاله في موضوع صحفي آخر، وبعد أن تفعل تلك المقدمة فعلها في طمأنة الضيف وإزالة جفوة البُعد الهاتفي، تنهال عليه بالسؤال وتدون إجابته سريعاً، فإن وجدت منه عدم ارتياح للسؤال أو رد عليك بإجابة مقتضبة منزوعة الدسم لا يوجد منها ما يصلح لاستخراج عنوان، كان عليك أن تلجأ ببعض من اللزوجة المحسوبة إلى منهج “أترضاه لأختك”، لتذكره بأن مستقبلك الدراسي يتوقف عليه، وهو منهج فتاك التأثير كما علمنا السابقون لنا بإحسان، وعليك ألا تنساه وأنت تختم المكالمة طالباً من “المصدر” أن يتذكر اسمك، لأنك بعد التخرج حين تجد عملاً في أي صحيفة ستتصل به، ليكون جزءاً من أول موضوع صحفي تقوم به، أو نجم أول حوار صحفي تجريه، وأنك ستظل تتذكره في كافة محطات مسيرتك الصحفية، وأنت تراقب صعوده في مسيرته المهنية من تألق إلى تألق، وهو كلام إن بدا لك الآن طافحاً بالدهون والزيوت المستخلصة، لن تصدق مدى تأثيره على الغالبية العظمى من الشخصيات العامة، خصوصاً في ذلك الزمان الذي لم يكن فيه سوى لدى الجميع سوى هاتف المنزل والمكتب، ولم يكن في مصر كلها سوى عشرين صحيفة ومجلة بالكثير، يمكن للشخص أن يجيب على أسئلة صحفييها جميعاً ويبقى له في يومه الكثير مما يمكن فعله.

واقعة المدام

لكن كل نصائحنا النظرية والعملية لم تكن لتجد آذاناً صاغية لدى صديقنا الذي لم يكن أصلاً من متابعي الصحف والمجلات المصرية، فضلاً عن احتقاره العميق للغالبية العظمى من الشخصيات العامة، التي كنا نشاركه في احتقار أغلبها، لكننا كنا نحتفظ بذلك الاحتقار لأنفسنا، لأن إعلانه على الملأ لا يتفق مع متطلبات المهنة التي اخترنا العمل فيها، لذلك كنت ألومه لأنه يستسلم لمشاعره السلبية التي ستمنعه من التطور والتعلم، خاصة أنني كنت أحسده على الهاتف الذي يمتلكه في منزله، والذي لا أمتلك مثله في “الجُحور المفروشة” التي أسكنها، ولذلك كنت أضطر إلى استخدام هواتف منازل أصدقائي لإنجاز موضوعاتي الصحفية، وحين بدأت آراؤنا التحفيزية تؤثر فيه، مع اقتراب موعد تسليم الموضوع المطلوب، جاءته الضربة القاضية حين اتصل بكاتبة كبيرة لأخذ رأيها، ومع أنها لم تعلق في البدء على تلعثمه وجفاف حديثه، إلا أنها انفجرت فيه حين قال لها “إيه رأيك يا مدام؟”، فسمعنا صوتها منبعثاً من السماعة وهي تصرخ فيه: “مدام إيه يا بابا، هو أنا الخياطة بتاعتكو، هو ده اللي علّمهولكو في الكلية، أنا اسمي أستاذة يا أفندي، وبعدين صحفي إيه ده اللي بيتهته، إنتو بتتحدفوا علينا من أنهي داهية”، ثم أغلقت في وجهه السماعة، لتغلق بذلك الباب الموارب الذي كنا نحاول فتحه في دماغه، وليقول لنا بعد أن انتهت وصلات التريقة والتهريج والتضامن، إن الحكاية بالنسبة له أكبر من مجرد التغلب على طبع شخصي يجعله ينفر من الحديث مع من لا يعرفه، بل هو عدم اقتناع بأنه يستطيع أداء هذا النوع من الصحافة، وكان يعني بكلمة (هذا النوع من الصحافة) الأخبار والتقارير والتحقيقات والحوارات وسائر الفنون الصحفية، لأنه يرى في نفسه فقط القدرة على كتابة المقالات والدراسات، مثل محمد حسنين هيكل الذي كان قد بدأ منذ العام الدراسي الثالث قراءة كل ما يكتبه باهتمام وإعجاب.

بالطبع لم يكن من المجدي أن نذكره بأن هيكل شخصياً بدأ مسيرته الصحفية كمحرر مسرح ثم كمحرر حوادث، قبل أن ينطلق لتغطية الحروب وزيارة المناطق الساخنة من العالم، فقد كنا نعرف أن صديقنا الذي ظللنا عاماً بأسره نحاول فتح مغاليق شخصيته الملغزة، لن ينفتح بسهولة على إجراء حوارات مع محمد نجم وسيد زيان وميمي جمال، ولن يهتم بتغطية محاكمة زوجة سلقت رأس زوجها بعد تقطيعه، وأن من نقضي الساعات لإقناعه بمشاهدة (الماتش) على القهوة لكي ندبدب على أرضيتها براحتنا، لن يسافر بسهولة إلى البوسنة والهرسك والشيشان، لذلك كان “واجب الوقت” يدعونا لمساعدته على إنجاز موضوعه الصحفي لنيل درجات أعمال السنة، ليقول له أحدنا ساخراً أن حل مشكلته يتلخص في أن يحصل لنا من عم حبيبته على “وِرد المستقبل الزاهر”، لكي نصبح مُلّاك صحف ورؤساء تحرير، وعندها سنفتح له الصفحات الطويلة العريضة لكي ينافس فيها محمد حسنين هيكل ومحمد سيد أحمد ومرسي عطا الله وكافة أصحاب الأسماء الثلاثية، وأذكر أنني حين سألته يومها لماذا لم يفكر في العمل في الصفحات الرياضية في صحيفة (صوت الجامعة)، خاصة أنه كان موسوعياً في كل ما له علاقة بكرة القدم داخل وخارج مصر، بصورة مبهرة في عصر ما قبل الإنترنت، اكتشفت أن ما كان يكنه من احتقار للصحف العادية، كان يمتلك أضعاف أضعافه تجاه الصحف والمجلات الرياضية، والتي كانت تلك الفترة من أوائل التسعينات فترة سطوتها وانتشارها المذهل، قبل أن تجور عليها الاستديوهات التحليلية والقنوات الرياضية المتخصصة بعد ذلك.

كنا قد اكتشفنا تلك الموسوعية الرياضية لدى صديقنا، حين بدأت مشاحناتنا الكروية التي ستكشف لنا في ذلك السن، أن الكلام في “الكورة” يقدم ثاني أكبر متعة بعد متعة الكلام في الجنس، وأنهما غالباً المتعتان اللتين تبقيان لدى الرجل حتى أرذل العمر، بعد أن تنحصر علاقته بالجنس في الكلام فقط مثل علاقته بالكرة. كان صديقنا أول ثلاثة يشكلون الأقلية الزملكاوية في شلتنا، وقد كانت للحق أقلية لا تقبل الدنيّة في ناديها، وتجمع إلى جوار الصوت العالي و”الحَمقة” خفيفة الظل، قدرة مدهشة على البجاحة في إنكار الهزائم، برغم فداحتها وتواليها، في تلك الحقبة التي فاز فيها الأهلي بالدوري سبع سنوات متتالية، لكن صديقنا كان الأكثر تميزاً على قرينيه، لأنه جمع إلى جوار ذلك معرفة مدهشة بتاريخ كرة القدم في مصر، بما فيها تاريخ النادي الأهلي، وهو ما كان يحرجنا لأن أغلبنا كان أهلاوياً “زيّاطاً” أو أهلاوياً بالوراثة ممن كبروا في بيوت تشجع الأهلي لأنه يحقق لها فرحة دائمة مضمونة تعينها على وعثاء الحياة، ولم يكن بيننا أهلاوي عقائدي سوى شخص واحد، كان يمكن أن يقتل من أجل الأهلي دون مبالغة، مع أن النادي الوحيد الذي دخله في حياته كان نادي بهتيم الذي لعب في فرقة ناشئيه ثلاثة أسابيع، وحين قام رضا عبد العال بخبطة الانتقال من الزمالك إلى الأهلي لم يكن صديقنا يفوت فرصة لتذكيرنا بأن رضا يسكن قريباً منهم، وأنه فسخ خطوبته على أحد قريباته، وأنه شاهده يلعب الكرة الشراب في عدة دورات رمضانية، ولا أظننا فهمنا سر غرامه الجامح بالأهلي إلا حين زرناه في بيته واكتشفنا أن شقيقه الأكبر كان نسخة بالكربونة من محمود الخطيب، ولذلك كان يتعامل مع الأهلي بوصفه “قريبه من لحمه ودمه” وليس ناديه المفضل.

لكننا جميعاً وعلى رأسنا صديقنا الأهلاوي العقائدي، لم نكن نسِدّ أبداً أمام غضبة صديقنا التي كانت تتفجر مع كل خسارة كاملة لحلم تحقيق لقب الدوري أو الكأس، لينهال علينا بمحاضرة مدعمة بالأرقام والتواريخ عن نادي الأونطة، مدمن الفوز السهل، صنيعة الحكام ورجال الأعمال والمشايخ والأمراء، وهي محاضرة كان أغلبنا يصاحبها بحركات دائبة للأصابع الوسطى والأذرع والسيقان والحناجر، لكن كل ذلك لم يكن ليوقفه أبداً عن تدفقه الحماسي الذي كنت أستمتع به بشدة، ولا أزال أندم أننا لم نكن في عصر الهواتف المحمولة لنقوم بتسجيله، ومع أن محاضرته التي كانت تتكرر في العام مرتين أو ثلاثة، كانت تخوض بالنسبة لنا في مقدسات وثوابت كروية، إلا أن عدم اندفاعنا لإسكاته بما فينا الأهلاوي الأيديولوجي، كان يعني استمتاعنا الكامل بأدائه الفذ، الذي لم يكن يقطعه إلا لشرب رشفة ماء، يقوم حينها أحد أضلاع المثلث الزملكاوي بالوقوف لأداء رقصة “أبيحة” كفاصل إعلاني، قبل أن يستأنف صديقنا محاضرته الكروية التاريخية التي تزيدنا حباً له وللأهلي، لأنه لا يجعلنا مضطرين لأن نعيش بكل هذا الغل والغضب بداخلنا، أياً كانت الأسباب والملابسات.

“تيك ذات”

كان صديقنا ينهي محاضرته عادة بوصلة ختامية في هجاء الكرة في مصر، التي ليست أصلاً كرة، وأنها لولا بعض لمسات فنية يقدمها من حين لآخر لاعبون أفذاذ في أندية الزمالك والإسماعيلي والإتحاد السكندري بالتحديد، لوجب شطب مصر من جداول الفيفا، لتركز في الاسكواش وكرة اليد والباليه المائي، باعتبارها اللعبات الثلاثة التي أفلحنا فيها بشكل أو بآخر، وكنا نأخذ ذلك الجزء من حديثه بجدية، لأننا كنا نعلم أنه ضليع في أحوال كرة القدم في العالم وعارف بخباياها، وأنه لا يكتفي مثلنا بمتابعة مباريات كأس العالم أو نهائيات البطولات الأوروبية التي تنقلها القناة الثانية أحياناً، أو تذيع ملخصاتها دائماً، بل كان يستمد معرفته تلك من أكثر من اشتراك في مجلات رياضية أسبوعية أو شهرية، لم نكن نعرف منها سوى مجلة (الصقر) الإماراتية والتي كان يجلب بعض أقاربنا المقيمون في الخليج أعداداً إضافية منها، لنقوم بنزع بوستراتها وتعليقها في غرفنا، وفي حين كنا نقوم بتبادل أعداد مجلة الأهرام الرياضي وصحيفة أخبار الرياضة، كان صديقنا ينظر إلينا من علٍ بابتسامته الساخرة، قبل أن يدعونا لمشاهدة المجلات “اللي بحق وحقيق”، والتي على حد تعبير صديق غيور كانت “أمه بتجيبها له” بأسعار مخفضة من خلال قريب لها في مؤسسة الأهرام، فضلاً عن أنه كان يشغل لنا من حين لآخر بعض أشرطة الفيديو التي يسجل عليها بعض زملائه في الثانوي مباريات مهمة لم نكن قد رأينا منها إلا الأهداف وإعادة الأهداف.

لم أعد أذكر اسم المدرسة التي درس فيها، لكنها كانت مدرسة خاصة استثمر فيها أهله، ليخرج منها متحدثاً الإنجليزية بطلاقة، ولذلك كان الوحيد في شلتنا المبتلاة بالتعليم الحكومي الردئ الذي يقتني بانتظام كتباً ومجلات إنجليزية، وفي حين كان بعضنا يباهي البعض الآخر بسماعه المختلف لـ محمد منير أو أم كلثوم أو عبد الوهاب، بدلاً من سماع عمرو دياب ومصطفى قمر وحميد الشاعري، كان هو يباهينا بأنه من عشاق جورج مايكل وبرنس والبوني إم وفرق “تيك ذات”، وكنت كلما رأيته أيامها أكرر نفس “الإفيه الحمضان” الذي أشير فيه إليه بإصبعي الأوسط وأقول له “تيك ذات”، فكان يكتفي بامتعاض مشمئنط، يعقبه بالتأكيد على أنه متعاطف مع جهلي لأنه ليس ذنبي، بل ذنب الذين خلفوني ورموني رمية الكلاب في المدارس الرديئة، لذلك ليس من العدل أن يحملني مسئوليته، لكن إصراري على الفخر بجهلي يجعلني مشاركاً في صنعه، وأنه سيعطيني فترة زمنية للتخلص من الفخر بذلك الجهل والتعامل معه بوصفه ميزة، وبعدها سيتوقف عن التعامل معي كضحية، ليعاملني بما يليق بجاهل من الذين أبدع طه حسين في وصفهم بأنهم من الذين “رضي الجهل عنهم ورضوا عنه”.

كانت حكاية الغرام المشترك على قصرها وتفاهتها، قد صنعت رابطاً خاصاً بيننا، على أساس أن ذوقنا الغرامي واحد، وحين زار ذات يوم الجُحر الأوسع الذي انتقلت إليه في عامي الدراسي الثالث، اكتشف اشتراكنا في غرام آخر هو شراء الكتب، وأبهرته خبرتي في سور الأزبكية وسور أكشاك كتب السيدة زينب الذي لم يكن قد سمع عنه من قبل، فبدأ في كسر قاعدة تحريم الإعارة، ليعيرني بعض مجلات السينما الأجنبية، مقابل أن أعيره كتباً لهيكل كان قد نشرها في بيروت في فترة منعه من النشر في مصر، ومع ذلك لا زلت أحمل غصة منه لأنه رفض إعارتي كتاباً تذكارياً كانت قد أصدرته مجلة (الصندي تايمز) البريطانية عن أهم الشخصيات والأفلام في تاريخ السينما، لكنه سمح لي بأن أقرأه لديه في كل “بياتة” نذهب إليها لديه، وحين بدأت العمل من الباطن في بعض المكاتب الصحفية، وبدأت ميزانيتي تسمح بشراء أفلام الفيديو من أكشاك شارع الشواربي قبل أن أمتلك جهاز فيديو، بدأ في تنظيم جلسات فرجة على الأفلام في بيته، وإن كنا في فترات غرامه الزاهية، نشاهد الأفلام بمفردنا في حين يتفرغ هو للرغي الحميم مع حبيبته حتى مطلع الفجر، دون أن يعرف ما كان ينتظره على يد فاتنته ذات الروج الغامق.

قُبيل الخازوق!

لا أريدك أن تتصور أن تأخيري لحكاية ما جرى لصديقنا، وراءه تطورات درامية مذهلة لن تصدق تفاصيلها، فلو كانت كذلك لهان الأمر، لكن ما زاد صديقنا هواناً وأسىً، أن ما جرى له كان شديد البساطة في غدره ودناءته، لدرجة أنك لن تصدقه إلا لو حدث لك، كانت يومها قد أخلفت عادتها في حضور جميع محاضرات اليوم، وقررت أن تزوّغ معه مبكراً، وقد كان ذلك حدثاً جللاً بالنسبة لها كطالبة متفوقة تحلم بالتعيين في السلك الأكاديمي، لكنه كان عادياً في حياته، فقد كان على الدوام أقلنا حضوراً وأكثرنا استهانة بالمحاضرين الذين كانوا في ذلك الزمن من فطاحل المتخصصين في مجالاتهم.

خرجا يومها من البوابة الرئيسية للجامعة، وتمشيا حتى كوبري الجامعة، وقضيا عليه أوقاتاً لطيفة قصيرة مطلين على النيل الرحب، ثم أخذتهما النشوة فسارا حتى كوبري عباس ثم أكملا السير حتى نهاية شارع الملك عبد العزيز، وهما يكملان رسم تفاصيل مستقبلهما التي اقترب أوان تحققها، بعد أن حُلّت مشكلة شقة الزوجية التي كانت الأصعب بالنسبة لهما، فقد كانت موعودة بأكثر من وظيفة مرموقة، ولأنه كان قد شال من دماغه حكاية الكفاح في المجال الصحفي، فقد بدت له منطقية ومتاحة، فرص الحصول على وظيفة في أي قسم علاقات عامة بشركة كبيرة، خاصة والاستثمار العربي والأجنبي كان وقتها يعيش فترة انتعاش. كان مطمئناً إلى تفوقه اللغوي، ومتصالحاً مع حكاية أنه ليس صالحاً للعمل في الصحافة بمسارها التقليدي الذي لا يستطيع أي صحفي تجاوزه، لذلك لم يكن تأمين المستقبل ما يشغلهما في مثل تلك اللقاءات التي يصبح فيها كل ما يخرج من فم المحبوب مصحوباً بموسيقى حالمة، أياً كانت تفاهته، وقبل أن تقارب الدنيا على الإظلام، قالت إنها لن تستطيع الذهاب معه إلى محطة المترو، وأنها ستسارع بركوب تاكسي، لأنها وعدت والدتها بأن تكون في البيت قبل السادسة مساءاً، للذهاب معها إلى مشوار عائلي ستتأخر من العودة منه، ولذلك لن تستطيع الحديث معه بالليل كما تعودا.

في اليوم التالي اتضح أنها كانت صادقة إلى حد ما في ما قالته عن المشوار العائلي، وأن بيتهم كان في انتظار ضيوف مهمين قادمين بصحبة بعض أقاربها، ومعهم عريسها المستقبلي الذي كان قد جاء قبل ذلك أكثر من مرة لمعاينة العروسة، ثم للاتفاق على طلباتها ورغبات أهلها، ولم يبق إلا أن يحضر لقراءة الفاتحة وتلبيس “الدِبَل”، وهو ما وثّقته على كاميرا ديجيتال تحتفظ بالصور على شاشتها، وكانت وقتها اختراعاً يذهل المعتادين على “استلام الصور بكره آخر النهار”، لتشارك جميع أبناء وبنات قسمنا الصغير في اليوم التالي، في الفرجة على صور فرحة عمرها وتذوق الشيكولاتة، التي عملت فيها حساب أصدقائها من جميع الأقسام وأساتذتها وعمال الكلية الشقيانين وداداتها الطيبين، مختصة صديقاتها الأنتيم بحق التحسيس على دبلة الخطوبة، وما أذهلنا أنها لم تستثن أحداً من أفراد شلتنا من اللف عليه بالشيكولاتة والكاميرا، وهي تعلم علم اليقين أننا كنا نعلم أنها خرجت مع صديقنا بالأمس وأنه حكى لبعضنا إن لم يكن لنا جميعاً عن أجمل ساعات عمره التي قضاها في تلك البقعة المباركة من القاهرة التي لا يغشاها بقلب جامد، إلا السعداء والمتحققون عاطفياً.

رسالة من اللعينة

لو كنا في عصر “الفيديوهات اللايف” لما عَدِم صديقنا شريراً يبث له وقائع الاحتفال على الهواء مباشرة، لكن الأمر تطلب جرياً إلى بين السرايات للاتصال به من أقرب محل سندوتشات، وإيقاظه من عز نومه، في مشهد زاده ألماً وعبثية اختلاط تفاصيل الخيانة بأسماء طلبات سندوتشات البطاطس البوريه والكبدة الاسكندراني والعِجّة الفرنساوي، وحين أتى صديقنا على ملا وجهه من باب الشعرية إلى الجامعة، كانت اللعينة ـ كما أصبحت أسميها منذ تلك اللحظة ـ قد فضّت مولد فرحتها، وعادت إلى بيتها مصحوبة بالتهاني والتبريكات من زملائها وأساتذتها الذين التمسوا لها العذر حين غابت في اليومين التاليين، لتترك لنا مهمة إقناع صديقنا أنه لا جدوى من محاولة اقتحام بيتها الآن، والاستشهاد من لحظة لأخرى بوجه جديد يؤكد له أنه رأى دبلة الخطوبة واطلع على صورها وأكل من حلاوتها، وأنه لا يمكن أن نعيش بأكملنا وهماً جماعياً من ذلك الذي درسناه في مادة الرأي العام، التي سبق لها أن كتبت له على ملخصاتها أرق كلمات الغرام وأنجع أدعية الأولياء والأقطاب.

بالطبع لم يكن غريباً على اللعينة أن تقوم بفصل هاتف منزلها أو رفع سماعته، لتفشل محاولات اتصال صديقنا بها من جميع المطاعم والأكشاك ومحلات التصوير المحيطة بالجامعة، وحين عاد إلى الكلية بصحبة عدد من أصدقائنا مكسور النِفس غائم البصر، عاجلته اللعينة بما لم نكن نتوقعه أبداً، حيث أرسلت إليه رسالة خطية اتضح أنها رتبت لها قبل يومين، واختارت لإبلاغها واحدة من زميلاتنا التي كان أحد أفراد شلتنا قد منحها صابونة مفاجئة لم تكن تستحقها للأمانة، فقد كانت من أطيب وأغلب ما خلق الله، وزاد في “فلينته” وشره أنه خطب بعدها مباشرة فتاة من دفعة لاحقة، ولأن حاملة الرسالة لم تكن في الأصل من صديقات اللعينة المقربات، فقد كان واضحاً أن اختيارها بالذات كان يحمل وراءه رسالة فلسفية، لا تصدر إلا عن ذهنية سيكوباتية عتيدة، رسالة تقول بوضوح إن الشر يمكن أن يكون مجانياً ولا منطقياً وغير مُسبّب، ولذلك يجب على صديقنا أن يقنع بدور الضحية دون أن يشغل نفسه بالفهم، ودون أن يطرح أسئلة مشروعة عن أسباب عدم مراعاة الفوارق الشاسعة بينه وهو المُخلِص الحالم الهائم المستعد للتضحية من أجلها حتى باستقرار جدته النفسي، وبين صديقنا الغادر الغامض المستمتع بالفتك بمشاعر من أخلصت له، والتي كانت والحق يقال مدهشة في تسليمها للرسالة بهدوء يليق بدبلوماسي عتيد، دون أن ترتسم على وجهها ولو حتى بدايات ابتسامة شماتة، ولم يكن أحدنا ليلومها لو فعلت.

نختم الحكاية في الأسبوع القادم بإذن الله.

بلال فضل