أخبار عاجلة
الرئيسية » شعر » عبد الزهرة !!!! زكي : المتنبي… ذِكرُ الفتى عمرُه الثاني

عبد الزهرة !!!! زكي : المتنبي… ذِكرُ الفتى عمرُه الثاني

وما شكرتُ لأَنَّ المالَ فرَّحني …. سِيّانَ عنديَ إكثارٌ وإقلالُ

لكن رأيتُ قبيحاً أَن يُجادَ لنا …. وأنَّنا بقضاءِ الحقِّ بُخّالُ

فكنتُ مَنبِتَ روضِ الحُزنِ باكرَهُ …. غيثٌ بغيرِ سِباخِ الأَرضِ هطّالُ

واحد من مطالع القصائد التي قوبلت بانتقاد كان مطلع لامية المتنبي في مدح فاتك المكنى بأبي شجاع، وكان هذا المطلع يقول:

لا خيلَ عندَكَ تهديها

ولا مالُ

فليُسعِدِ النُطقُ

إن لَم تُسعِدِ الحالُ.

كان الشاعر العربي يعتني كثيراً بمطلع قصيدته، الدوافع النفسية لهذا الاعتناء تعبّر عن نفسها شعرياً وبما يساعد على أن يظل أثر هذا الاستهلال فاعلاً، وقبل هذا مهيمناً في كسب انتباه ووجدان السامع، قديماً، والقارئ حديثاً. في الشعر العربي الحديث ربما بقي المدخل إلى القصيدة شاغلا أساسيا في اهتمام الشاعر الحديث، كيف يكون الدخول إلى القصيدة، كيف يبدأ؟

البدايات مرهقة في الغالب، لكن التفكير بمدخل استثنائي، قياساً بما بعده، ليس في وارد تفكير شاعر حديث. الاعتناء بالقصيدة كوحدة متماسكة هو الاهتمام الأهم له، القصيدة الحديثة استغنت عن مركزية كلٍّ من الاستهلال و(بيت القصيد)، القصيدة كلها مركز وكلها بيت قصيد. بينما الأعمال الروائية بقيت تسعى إلى الظفر بمستهل لا يراد له أن ينسى.

في الغالب كانت قصائد الشعراء تُسمّى بقوافيها، لكن أيضاً تمكن تسميتها بقوافيها وبمطالعها معاً، وذلك كلما كان المطلع يحظى بقيمة تعبيرية وبشهرة، وكلما تكرّر استخدام قافية معينة في أكثر من قصيدة متميزة للشاعر نفسه. بعض القصائد تقترن تسميتها بمناسبتها أو بظرفٍ مؤثّر في كتابتها.

ولامية المتنبي في مديح فاتك هي من القصائد التي عرفت بمثل هذا المطلع الشهير ذي القيمة التعبيرية المتميزة.

قيمة هذا المطلع هي في الحكمة التي بدأ بها أبو الطيب القصيدة، لكن الحكمة نفسها كانت موضع نقد أبداه المعترضون على شعره. وكان النقد يتركز على أن مثل هذا التعبير غير مناسب لأن يكون مستهلَّ كلام في المديح والثناء.

كان المتنبي بهذا المطلع يخاطب نفسه، لقد أُكرم من فاتك ولم يكن لديه ما يردّ به على كرم الرجل سوى حُسن القول. لكن النقد يظلّ يبدي من التحسّب ما قد يجيء أو لا يجيء في خاطر الشاعر؛ ماذا لو فهم الممدوح أن الخطاب موجهٌ إليه بهذا المفتتح؟ ماذا لو فهم فاتك، وهو يستمع إلى القصيدة من شاعرها، أنه المعنيُّ بـ (لا خيل عندك تهديها ولا مال)، وليكون، تبعاً لذلك، هو المطالَب بـ (فليسعد النطق إن لم تسعد الحال)؟

كان العكبري، في شرحه، هو من انتقد أبا الطيب على ذلك، فقد قال في ختام شرحه مطلعَ القصيدة: “وهذا من الابتداء الذي يكرهه السامع، بأن يقول للممدوح: لا خيلَ عندك تهديها ولا مال، وهو أوّل ما يقول له”.

وفي معرض شرح البيت يعيد أبو البقاء العكبري ذكر أكثر من بيت لعدد من الشعراء السابقين على أبي الطيب، وكان جميعها يشترك بالمعنى الذي يعتذر به الشاعر عن مكافأة كرم الآخرين بغير جميل القول وهو الشعر، الشعر رأسمال رمزي بالنسبة للشاعر العربي القديم. وكان من تلك الأبيات التي أوردها العكبري، كما أوردها شرّاح آخرون سابقون على العكبري، هذا البيت ليزيد بن المهلب:

إن يُعجزِ الدّهرُ كفِّي عن جزائكمُ

فإنَّني

بالثَّنا والشُّكرِ مجتهدُ

….

وهذا بيت كان ابن المهلب يخاطب به الممدوح لكن الحديث فيه مباشر عن نفسه (إن يعجز الدهر كفي)، وهذا هو موضع اختلافه عن بيت أبي الطيب، فلا (لبس) في البيت بالنسبة للشارح العكبري. ما يراه العكبري مكرهاً في بيت المتنبي هو بناء معنى البيت على صيغة ضمير المخاطب، العكبري (يخشى) أن يساء فهم الشاعر خصوصاً في مستهل قصيدته.

لكن التعبير النقدي الذي يصيغه العكبري في أثناء الشرح هو الملتبس: “وهذا من الابتداء الذي يكرهه السامع، بأن يقول للممدوح: لا خيلَ عندك تهديها ولا مال”.

يوحي الشارح بمثل هذا التعبير أن المتنبي كان يعني ممدوحه فاتك بالخطاب وبالتعبير المستكرَه، فيما لا السياق، سياق البيت في القصيدة، ولا مناسبة القصيدة يسمحان بهذا التغافل عن بناء تعبيري شائع في الشعر يقوم على مخاطبة الشاعر نفسه بوصفه ضميراً مخاطباً.

كان العكبري يدرك مراد المتنبي. ولعل شرح العكبري (المتوفى 616 هـ) للبيت، وهو مأخوذ عن الواحدي (المتوفى 468 هـ)، يؤكد ذلك إذ يقول في مستهل شرحه البيت ما قاله الواحدي: “يقول (أي المتنبي) مخاطباً نفسه: ليس عندك من الخيل والمال ما تهديه إلى الممدوح تجازيه به على إحسانه إليك، فإذا لم يكن عندك هذا فيلسعدْك النطق. يريد: فامدحه وجازِه بالثناء عليه إن لم يُعنْك الحال على مجازاته بالمال”.

وأحسب أن العكبري يؤاخذ المتنبي على هذه الصيغة بالمخاطبة والاستهلال الشعري منطلقاً من تصوّر يبدو أنه صار نمطياً عن كثير من مديحه الذي ينطوي على هجاء. ولعل مدائحه لكافور هي الدافع لمثل هذا التصوّر. وواقعاً يمكننا تمييز أكثر من نمط للمديح في شعر أبي الطيب، منها هذا النمط الذي يخفي هجاء أو يبالغ فيه الشاعر حتى ليبدو سخرية، وكافورياته هي مثال هذا النمط، وثمة نمط ثانٍ يوازن فيه المتنبي ما بين الثناء على الممدوح والتفاخر بالذات، ويصل الأمر حيناً إلى أن تميل كفة التوزان لصالحه في ما يقول، ولعل قصيدته الميمية الشهيرة (واحرّ قلباه ممن قلبه شبم)، وما جرته عليه من تعاسةٍ، هي المثال الأبرز لهذا النمط، بينما هناك مديح خالص للممدوح، ويبدو فيه الشاعر صادقاً في تعبيره ومشاعره. هذه القصيدة التي امتدح بها فاتك تعبير حيوي عن هذا المديح.

لقد كانت الصلة بين الرجلين، المادح والممدوح، صلة احترام وتقدير وإجلال، وربما عزّزها موقفٌ مشترك بكراهيتهما كافور الإخشيدي. حين يأتي أبو الفتح عثمان بن جني على شرح البيتين التاليين:

وما شكرتُ لأَنَّ المالَ فرَّحَني

سِيّانَ عنديَ إكثارٌ وإقلالُ

لكن رأَيتُ قبيحاً أَن يُجادَ لنا

وأَنَّنا بقضاءِ الحقِّ بُخّالُ.

فإنه يقول، وهو أول من شرح ديوان المتنبي وبالعودة دائماً إلى الشاعر: “لما وصلت في القراءة إلى هذا الموضع، قال المتنبي: هذا رجل حمل إليّ ألف دينار في وقت واحد”. لقد حمل فاتك المبلغ إلى الشاعر وأكرمه حتى قبل أن يقول المتنبي فيه بيتاً واحداً.

…..

يضيف ابن جني بعد ذلك فيقول، وهو الصديق الأقرب للشاعر: “وما رأيته أشكرَ لأحد منه لفاتك، وكان يترحّم عليه كثيراً”.

تختتم هذه القصيدة التي كانت نتاجاً لمشاعر صادقة ببيت شعري يجب الوقوف عنده:

ذِكرُ الفتى عُمرُهُ الثاني

وحاجتهُ

ما قاتَهُ وفُضولُ العيشِ أَشغالُ.

والمهم في هذا البيت هو عبارته: “ذِكرُ الفَتى عُمرُهُ الثاني”، وهو تعبير شعري غير مسبوق، تعبير تتنازعه الحكمة والشعر على حد سواء.

لقد خلّف المتنبي لفاتك هذا العمر الشعري الثاني. ليس صعبا تصور انطفاء ذكر الرجل بانطفاء عمره في الحياة، لكن الشاعر الذي استهل القصيدة بتبرم وشكوى من انعدام الخيل والمال ليرد بهما فضل فاتك عليه أجزل العطاء بجميل القول، فوهب ممدوحه عمره الشعري الثاني.

أحد أبرز كارهي المتنبي وهو العميدي صاحب (الإبانة في سرقات المتنبي) يرى أن هذا البيت ” أفسد بيت علي بن الجهم”. ويعلل العميدي هذا الإفساد بما يلي: “لأن ذكر الفتى إذا لم يقترن بالخير لم ينفعه، بل هو موت معجَّل”. لكن لابن جني رأي آخر، فهو يقول في شرحه: “قد جمع في هذا البيت ما يعجز كل من يدعى الشعر والحكمة والكلام الشريف، فينبغي أن يلحق بالأمثال السائرة. ومثله لسالم بن وابصة:

غني النفسِ ما يكفيكَ من سلخ حَجَة

وإن زادَ شيئاً كانَ ذاكَ الغنى فقرا

وهو قد استوفى جميع ذلك وزاد عليه بقوله: ذِكرُ الفتى عمره الثاني”.

عبد الزهرة زكي