أخبار عاجلة
الرئيسية » مجتمع » سيرة القبضايات المنافيخ

سيرة القبضايات المنافيخ

ثمّة حكاية أحبُّها كثيراً، بطلُها رجلٌ منفاخ اسمه أبو فلان. كان يتباهى أمام أقرانه بأن زوجته أم فلان هي المرأة الأكثر طاعة لزوجها في العالم عبر التاريخ والعصور. قالوا له: هات برهانك..، فدعاهم إلى زيارته في البستان الذي يُمضي فيه الصيف مع أسرته.. فلمّا حضروا لزيارته، صار يُصدر لأم فلان أوامر متلاحقة، بعضُها ضرورية تتعلق بتقديم الأطعمة والفواكه والشاي والقهوة للضيوف، وبعضها تافهة، كأن يمسك كأسَ الشاي ويشمّها، ويشمئز، ثم يقول لها: مو نظيفة. ويعيد الكأس إلى الصينية، ويدفعها بباطن قَدَمه، وهذا يعني أن يُعَاد غَلْيُ الشاي، وجَلي الكؤوس، حتى تصبح لامعةً مثل جنح الدبور..

بطريقة أتوماتيكية، وعلى الرغم من تجاوزها سن الخمسين، تنفذ أم فلان أوامر أبي فلان، سواء الشفهية، أو التي يصدرها بالإشارات، تقوم وتقعد، وتشيل وتحط، وتذهب وتؤوب بسرعة، كما لو أنها الصبية التي وصفها المطرب، أبو حسين التلاوي، بقوله: شفتا بتعجن عَجينا الله يعينا، بَرْمِتْ متل الماكينا صَلَا عَ النبي..

في نهاية المطاف، أصدر أبو فلان أمراً يقضي بأن تُدَلّي أم فلان القادوس في الجب، وتملأه بالماء، وتصعد إلى السطح، وتسكبه في المزراب، ليعود إلى الجب! نفذت أم فلان الأمر، من دون تردّد أو تذمر، واعتقد الحاضرون، أول وهلة، أن الأمر يقتضي أن تنفذ أم فلان هذه العملية العبثية مرة واحدة، لكنها استمرت بمتح القواديس من الجب، والصعود إلى السطح، وإفراغها في المزراب، بينما يضحك أبو فلان، ويقول لرفاقه: شفتوا؟

في تلك البرهة التاريخية، وبينما كان أبو فلان في ذروة الانتصار، صاح أبو علان، وهو مدرس فلسفة متقاعد، صوتاً جعل أبا فلان والموجودين يتخشّبون، ويلتفتون نحوه، وهو يقول: بيكفي أبو فلان. قسماً بالله عيب عليك.

وهرع إلى جوار الشقة التي شهدت اجتماعهم، ارتدى حذاءه كيفما اتفق، وغادر المكان بخطىً سريعة، والأنظار تتبعه، ثم توقف، وعاد إلى حيث يجلسون، وقال لأم فلان: يا سيدتي المحترمة، أنا غير مفوّض من هؤلاء الناس بأن أعتذر لك، لكنني أعتذر لك باسمي الشخصي، عما تعرّضتِ له من تفاهات وتصرفات بائسة.

ضحكت أم علان، حينما وجدتْ زوجها على هذا القدر من الجدية والعصبية والتضامن مع السيدة أم فلان، وهذا ما زاد من عصبية أبي علان، وقال لها: أنت أيش تقولين، يا امرأة؟ أمضيت معك ما يقارب الثلاثين مرة، هل سبق لي أن ضايقتك أو أزعجتك أو أهنتك أمام الناس؟ كيف، إذن، تضحكين على ما جرى لامرأةٍ تعرّضت للاستعباد الصريح من زوجها، ثم تباهى بإذلالها على رفاقه؟

جلست أم علان على الكنبة، وشدّت أبا علان من يده، وقالت له: اجلس، واسمع، ولا تستعجل الحكم عليَّ، وعلى موقفي من أم فلان. قال: هاتي. قالت: أنا أضحك، لأنني متأكدة أن أم فلان حينما خاطبتَها وقدمتَ لها الاعتذار لم تسمع كلامك، لأنها طرشاء.

وقف أبو علان كما لو أنه نابض، وقال لها: هذا الكلام غير صحيح. أنا أعرفها مذ كانت صبية جميلة، وكانت تسمع دبيب النمل.

ضحكت أم علان من جديد، وقالت: أنت اليوم عصبي على غير عادتك. لماذا لا تنتظر حتى أكمل لك السيرة؟ نعم، هي كانت امرأة جميلة، وآدمية، وتسمع الدبيب، مثل كل الناس، لكن هذا صديقكم المتوحش، أبا فلان، ضربها، مرّة، بالكف، على أذنها اليسرى، فانبعج غشاء الطبل، وانخفضت نسبة السمع عندها إلى النصف. وفي مرة أخرى، ضربها على الأذن الثانية، فأصبحت تسمع ما يعادل 15 بالمئة، بكلتا أذنيها، وهي بالأصل لم تكن مطيعةً إلى حد أن تمتح الماء من الجب، وتفرغه في المزراب، لكن خوفها من زوجها “البهيمة” جعلها تلبي أتفه طلباته، خوفاً من أن يضربها، فيُعَطِّل ما تبقى لديها من حواس.

المصدر: العربي الجديد – خطيب بدلة