أخبار عاجلة
الرئيسية » تقارير » جمعية الأم تيريزا… تحقيق جديد بقضية بيع الأطفال

جمعية الأم تيريزا… تحقيق جديد بقضية بيع الأطفال

يتواصل التحقيق بفضيحة بيع الأطفال في جمعية “مرسلات المحبة” التي أسستها الأم تيريزا في الهند، خصوصاً بعد أن كشف قسم التحقيقات الجنائية أن ملف الاتجار بالبشر، لا يقتصر على بيع أربعة أطفال كانوا موضوع الفضيحة الأخيرة، وإنما يطاول سجلات الجمعية التي تخفي فارقاً كبيراً بين أعداد المواليد الجدد والأمهات الحوامل في مراكزها خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

ويبدو جلياً أن مراكز الرعاية التابعة لجمعية الأم تيريزا على اختلافها، منها الخاصة بالأيتام وأطفال الشوارع، ومنها التي تعنى بالحوامل خارج إطار الزواج، وأخرى هي بيوت الاحتضار التي تؤوي المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، تعرضت خلال السنوات الماضية للتحقيق والمساءلة بقضايا عدة منها سوء المعاملة والإهمال، والاتجار بالأطفال، وصولاً إلى تسليط الضوء على المصير المجهول لأموال التبرعات والمساعدات التي تتدفق على المؤسسة.

وضمن مجريات القضية الأحدث التي شغلت الصحافة العالمية منذ مطلع يوليو/تموز الجاري، أعلنت الشرطة في ولاية جاركهاند شرقي الهند في 11 الجاري تجميد الحساب المصرفي الخاص بالجمعية الخيرية، بحسب صحيفة “الهند اليوم”، بعد التأكد من أن خمس جمعيات تعمل تحت مظلة الأم تيريزا تتلقى تمويلا أجنبيا. وبالطبع ينفي القيمون على الجمعية التهمة، ويعتبرون أن أي خطأ يرتكبه أحد العاملين لا يعني موافقة الجمعية على مثل تلك الأعمال.

فضيحة الاتجار بالبشر

بدأ التداول الإعلامي بأحدث قضايا بيع الأطفال في جمعية الأم تيريزا في الثالث من يوليو/تموز الجاري، حين نشرت قناة “الهند اليوم” التلفزيونية خبراً مفاده أن مركز المؤسسة الخاص بالنساء الحوامل غير المتزوجات في مدينة رانشي، في ولاية جهارخاند الشرقية في الهند، كان يلزم هؤلاء النسوة توقيع رسالة تشير إلى تنازلهن الطوعي عن أطفالهن بعد الولادة. وجاء هذا التفصيل بعد يومين على اعتقال الراهبة كونسيليا بالسا، والاختصاصية الاجتماعية، أنيما إندوار، إثر تدبيرهما عملية بيع أربعة أطفال، وبينهم صبي يبلغ من العمر ستة أشهر، مقابل 730 دولارا.

وذكرت “بي بي سي” أن الاعتقالات التي حصلت في الأول من يوليو الجاري، كانت بسبب شكوى تلقتها لجنة رعاية الطفل التي تديرها الدولة، من زوجين من ولاية أوتار براديش، شمال الهند، يشيرا فيها إلى اضطرارهما دفع 120 ألف روبية (نحو 1760 دولارًا) لتبني صبي مولود حديثًا ولدته شابة في ملجأ تابع للمؤسسة في مدينة رانتشي، وإن الزوجين أُبلغا بأن الأموال كانت لتغطية نفقات المستشفى.

وأوردت وكالة الأنباء “برس ترست أوف إنديا” إن إندوار باعت الطفل إلى الزوجين في 14 مايو/أيار الماضي، ولكن بعد أن أجرت لجنة رعاية الطفل التابعة للدولة تفتيشاً مفاجئًا في الملجأ، اتصلت إندوار بالزوجين في الأول من يوليو/تموز الجاري، وطلبت منهما زيارة الملجأ لإكمال بعض الشكليات، لكنها أخذت الطفل منهما بعيدا، وهذا الأمر دفعهما إلى تقديم الشكوى.

تحقيق أمني وسجلات مفقودة

تحركت الجهات الأمنية بعد الشكوى، كذلك أمرت وزيرة تنمية المرأة والطفل الهندية، مانيكا غاندي، يوم 16 يوليو الجاري بإجراء تفتيش فوري يشمل مرافق رعاية الأطفال التي تديرها المؤسسة الخيرية في جميع أنحاء البلاد، وأمهلت جميع المؤسسات التي تمنح الأطفال للتبني مدة شهر واحد للتقدم بملفاتها وإجراء التسجيل القانوني لدى الحكومة.

وأشارت الوزيرة غاندي في تصريحات صحافية إلى أن نظام التبني في الهند يعمل بحرية إلى حدّ كبير، ما يسهم في ارتفاع معدلات الاتجار بالأطفال في البلد. وأشارت إلى أن نحو 1400 مؤسسة لم تلتزم بقانون حماية الأحداث في الهند، في حين أن على جميع الملاجئ المشارِكة في برامج التبني أن تسجل بياناتها لدى هيئة التبني المركزية للدولة.

وذكرت تقارير إعلامية أن تحرك الوزيرة كان محاولة لمنع الاتجار بالأطفال والتبني غير القانوني، خصوصاً أن أكثر من 100 ألف طفل مختفون في الهند ولا سجلات لهم. ولفتت إلى أن أرقاماً حكومية تشير إلى أن 2300 مؤسسة قانونية تجري عمليات تبن، مقابل 4000 مؤسسة أخرى لا تزال أمورها معلقة.

وصرح ضابط الشرطة أمان كومار، لوكالة “أسوشييتد برس” في الرابع من يوليو الجاري “إن السلطات المحلية تحقق في ثلاث شكاوى أخرى على الأقل، وأن الموظفة في المأوى أنيما إندوار باعت بطريقة غير مشروعة أطفالا لأزواج لا أمل لهم بالإنجاب”. وأكد “إن الصبي هو الآن في عهدة الدولة، وإن 13 امرأة حاملا يعشن في ملجأ المبشرين في رانشي نقلن إلى ملجأ تديره الحكومة”.

ويتضح أن مجريات التحقيق تأخذ مساراً أبعد من ذلك، بدليل تصريح الضابط كومار لمؤسسة “طومسون رويترز” بالقول: “نحن نحقق في كيفية إجراء العملية، وأيضا بعدد الأطفال الذين تم التخلي عنهم في السنوات القليلة الماضية”. وتابع: “انطلقنا من مسألة بيع أطفال لأزواج لا ينجبون، وتابعنا ببحث سجلات النساء الحوامل والأطفال حديثي الولادة، وما ظهر لدينا حتى الآن أن هناك تناقضات في السجلات”.

وأوضحت وكالة الأنباء الهندية الآسيوية Ians أن مراكز الجمعية في رانشي لم توفر معلومات وسجلات ولادة لنحو 280 مولوداً، في حين كان لديهم 450 امرأة حاملا بين عامي 2015 و2018.

وأشارت صحيفة “هندوستان تايمز” في هذا السياق إلى أن لجنة رعاية الطفولة في الإقليم اتخذت يوم 6 يوليو الجاري إجراءً احترازياً بنقل 22 طفلاً من مركز “شيشو نيكيتان” إلى مقر آخر، كذلك نقلت 13 امرأة غير متزوجة يعشن في مركز نيرمال هرايداي (القلب النقي) في اليوم ذاته.

جمعية الأم تيريزا تنفي التهمة

مع استمرار متابعة الشرطة للملف، وتأكيدها أن الراهبة كونسيليا بالسا اعترفت بدورها في قضية الاتجار بالبشر، إلا أن المتحدثة باسم المؤسسة الخيرية، سميتا كومار، قالت “إن اعتراف الراهبة انتزع منها تحت الضغط، واتهم الشرطة “بمعاملة منظمة الأم تيريزا بأكملها كعصابة إجرامية”. وأكدت أنه “خلال عمل المؤسسة الخيرية بنظام التبني، لم تحمّل الآباء المحتملين أية أعباء مادية على الإطلاق”. وأوضحت كومار لوكالة الأنباء الكاثوليكية، بأن ادعاءات الاتجار بالأطفال ضمن برنامج التبني الذي كان متبعاً لدينا لا أساس لها من الصحة. وقالت: “السؤال غير مطروح بشأن بيع أي طفل، والمؤسسة توقفت عن منح الأطفال للتبني قبل ثلاث سنوات”.

وأشار تقرير نشرته “ذي غارديان” أن جمعية الأم تيريزا الخيرية رتبت عمليات التبني من مراكزها حتى عام 2015، وتوقفت عن البرنامج بعد ذلك التاريخ لأنها عارضت تشريعاً حكومياً جديداً جعل من الأسهل على الأفراد المنفصلين والمطلقين وغير المتزوجين تبني أطفال. وقالت الصحيفة إن المؤسسة الإرسالية التي أنشأتها الأم تيريزا في عام 1950، رفضت طلبها بالتعليق على عمليات التفتيش، لكنها ذكرت أن “الجماعة روعتها ادعاءات الاتجار بالأطفال”.

من جهتها، عقدت رئيسة وزراء ولاية البنغال الغربية، ماماتا بانيرجي، المعروفة بإعجابها الكبير بالأم تيريزا بحسب وسائل الإعلام المحلية، مؤتمراً صحافياً في الخامس من يوليو الجاري، قالت فيه “إن الإرساليات الخيرية التي أقامتها الأم تيريزا تشتهر في جميع أنحاء العالم. وإذا ارتكب بعض الأفراد فعلاً خاطئًا، فلا يمكن تحميل الجمعية بأكملها المسؤولية”.

زي متميز لراهبات جمعية “مرسلات المحبة” التبشيرية (تويتر)

نظام التبني في الهند

وذكرت تقارير إعلامية أن في الهند أكثر من 230 ألف طفل في ملاجئ رسمية وغير رسمية، وفقاً للجنة الوطنية لحماية حقوق الطفل الحكومية، في حين أن التقديرات غير الرسمية لعدد الأيتام في البلاد تشير إلى وجود 30 مليون يتيم.

وتشير اللجنة الحكومية إلى أن قائمة انتظار تضم نحو 15 ألف زوج يريدون تبني أطفال، لكن أجريت 6771 عملية تبن فقط في الفترة ما بين بداية عام 2016 ومارس 2018، لأن هذه العملية تتسم بالبطء، والأمر يحتاج إلى أمر من المحكمة يمكن أن يصل إلى أربع سنوات أحياناً للحصول عليه.

ويعترف المسؤولون أنهم لا يعرفون حجم السوق الفعلي لعمليات التبني. وفي فبراير/شباط 2017 اعتقلت الشرطة في ولاية البنغال الغربية رؤساء مركز للتبني بتهمة بيع ما لا يقل عن 17 طفلاً إلى أزواج في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا.

أطفال برعاية جمعية “مرسلات المحبة” للأم تيريزا(تويتر)

شبهات اتجار بالأطفال

وفي عام 2014 تناولت وسائل الإعلام مجريات تحقيق طاول أحد ملاجئ الجمعية الخيرية في مدينة رانشي تتعلق باتجار مزعوم بالأطفال. ووفقاً لصحيفة “ذي تلغراف” أن رئيس هيئة رعاية الطفل التابعة للحكومة آنذاك، أم براكاش سينغ، وجه رسالة للمسؤولين في حكومة الولاية عام 2014 يدَّعي فيها بأن عمليات اتجار بالأطفال تحصل في ملاجئ الجمعية في رانشي. وقال سينغ للصحيفة: “تم إخماد صوتي … منعتني الرئاسة في مؤسسة نيرمالا شيشو بهافان (منظمة تبشيرية غير حكومية تعنى بالأيتام وأطفال الشوارع تابعة لبعثات الأم تيريزا) الذي يدعمها لوبي قوي، من إجراء تحقيق”.

كذلك نشرت “بي بي سي” تقريراً في ديسمبر/كانون الأول 2011 يشير إلى أن تحقيقاً جنائياً طاول دير بريم نيفاسا (بيت الحب) التابع لمؤسسة الأم تيريزا في بلدة موراتوفا جنوب كولومبو، العاصمة الاقتصادية لسريلانكا.

وأوضح التقرير أن “حملة التفتيش التي نظمتها الهيئة الوطنية لحماية الطفل (NCPA) الحكومية في سريلانكا للدير في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، بمشاركة إدارة التحقيقات الجنائية، أفضت إلى سجن راهبة هندية ثلاثة أيام في سجن شديد الحراسة، ما لبثت أن خرجت منه بكفالة، جراء شكوى بخصوص معاملة مالية متعلقة بالتبني الأجنبي. وكانت المرة الأولى التي يسجن فيها عضو يعمل لحساب منظمة الأم تيريزا منذ تأسيسها في عام 1947”. وبيّن التقرير أن “السلطات لديها شكوك بضلوع الراهبات اللواتي يؤوين فتيات حوامل دون سن 16 عاماً، أجرين عمليات تبن للأطفال أخذت طابع الفساد المالي”.

ونفت الكنيسة الكاثوليكية ارتكاب أي مخالفات في الدير المذكور في ذلك الوقت. ونقلت “بي بي سي” عن نائب أسقفي للمنطقة الجنوبية من أبرشية كولومبو، أن الدير يعترف بإيواء عدد قليل من الفتيات الحوامل دون السن، ولكن لم تكن هناك جريمة تستحق الاعتقال. وأوضح “إن الفتاة موضوع الادعاءات أحضرتها والدتها إلى دير بريم نيفاسا”، مشيراً إلى أن الأسرة لم تستطع مواجهة المجتمع بسبب حمل ابنتها في هذا العمر، وإن الأم خشيت من حدوث مشاكل مع أقاربها، وطلبت من الراهبات التكتم على الأمر”.

أحد مراكز جمعية الأم تيريزا في سريلانكا(تويتر)

عام 2008…شهادات متطوعين

أجرى موقع Medium عام 2008 مقابلة مع أحد المتطوعين ويدعى هيملي غونزاليس، الذي قرر التطوع مدة شهرين في أحد مراكز الأم تيريزا في الهند، وسبق أن نشر مقالاً عن تجربته في مجلة “فوربس الهند” تحت عنوان “منزل الموت”. ويقول إنه غادر الولايات المتحدة مدفوعاً بالرغبة في العمل الإنساني، لكنه أصيب بخيبة أمل منذ اليوم الأول لوصوله إلى رانشي بسبب ما رآه من إهمال الطبي.

ومن الأمثلة التي ساقها في المقابلة “كان العاملون يغسلون الإبر بماء الصنبور ثم يعيدون استخدامها، ويخزنون الأدوية والمواد الحيوية الأخرى المنتهية الصلاحية ويعطونها للمرضى، ويجري المتطوعون دون تلقيهم أي تدريب يذكر بمعاينة حالات شديدة العدوى مثل السل وأمراض أخرى تهدد الحياة”. وأشار غونزاليس إلى أن مسؤولين يديرون الجمعية الخيرية يرفضون قبول معدات طبية وآلات من شأنها أن تحسن جودة العمل والأداء وتنقذ الأرواح.

وعن أسباب تخليه عن العمل مع الجمعية والبحث عن بديل آخر، قال للموقع: “الجمعية الإرسالية تأسست منذ عقود طويلة وتدير أكثر من 700 منزل وتحافظ على متوسط 4 آلاف عامل، لكنها تخفق باستمرار في تقديم ميزانية واضحة تكشف سير أعمالها. وما هي المبالغ الإجمالية التي جمعتها من التبرعات، وما هي النسبة المئوية التي تستخدمها للإدارة وكيف تتصرف بالباقي وأين؟

تقارير تشير إلى الإهمال وسوء المعاملة(تويتر)

لغط وانتقاد عام 2005

أثار تقرير نشره الصحافي الإيرلندي دونال ماكنتاير، في صحيفة “نيوستيتسمان” البريطانية يوم 22 أغسطس/آب 2005، بعنوان “الحقيقة القبيحة وراء إرث الأم تيريزا”، مسائل سوء المعاملة والإهمال في مركز لرعاية الفقراء والأيتام في كولكوتا وهي عاصمة إقليم غرب البنجاب.

ولفت إلى اطلاعه سراً، بعد تخفيه مدة أسبوع في دار “دايا دان” للأيتام التابع للأم تيريزا، على حالات أطفال مقيدين بالأسرة وامرأة مسنة مربوطة إلى شجرة. كذلك نقل شهادات متطوعين في الدار عن حالات ضرب لأطفال من ذوي الإعاقة مقيدين بالسلاسل. واستعرض الصحافي أمثلة عن سوء المعاملة مثل حشر الطعام بالقوة في أفواه الأطفال، وتركهم في مراحيض مفتوحة نحو 20 دقيقة دون متابعة. ووصف ضعف الأطفال وإحباطهم نتيجة الإهمال بأنه “مثير للشفقة”، معتبراً أن أسلوب التعامل معهم خطير ومهين للكرامة.

وكتبت سوزان شيلدز وهي عضو سابق في جمعية التبشير الخيرية، “كان على الأخوات أن يعرضن على كل شخص يواجه خطر الموت بإعطائه “تذكرة إلى الجنة” لو أراد. وكان الرد الإيجابي يعني الموافقة على المعمودية. كانت السرية مهمة حتى لا يُعرف أن أخوات الأم تريزا يعمدن الهندوس والمسلمين”.

من هي الأم تيريزا؟

الأم تيريزا هي راهبة ألبانية كاثوليكية، اسمها أغنيس غونكسا بوجاشهيو، توفيت يوم 5 سبتمبر عام 1997 عن عمر 87 عاماً. حازت جائزة نوبل للسلام عام 1979، وطوبها الفاتيكان قديسة عام 2016 تقديراً لجهودها الإنسانية. بدأت عملها التبشيري مع الفقراء عام 1948 انطلاقاً من مدينة كولكوتا الهندية، وأسست جمعيتها لراهبات المحبة في عام 1950 بهدف الاهتمام بالأطفال الأيتام والمشردين والعجزة، والتي سميت لاحقاً جمعية أخوة المحبة. عرفت بزيها الذي ميّز أتباع جمعيتها لاحقاً وهو الساري الهندي باللونين الأبيض والأزرق. وفي عام 2015 كان للجمعية أكثر من خمسة آلاف راهبة موزعة في 60 في جميع أنحاء العالم.

إعداد ــ سهى أبو شقرا