أخبار عاجلة
الرئيسية » مقالات وآراء » الاتجار باللاجئين السوريين

الاتجار باللاجئين السوريين

لم يأتِ تصعيد المعارك، التي كان معظمها لإعادة سيطرة الأسد، منفصلاً عن سدّ المنافذ الحدودية أمام اللاجئين الهاربين منها. عمليات الترحيل القسري لبعض المدنيين والمقاتلين كانت إلى مناطق السيطرة التركية في الشمال، في حين أغلقت أنقرة حدودها أمام اللاجئين الجدد منذ مدة أطول، واتخذت تدابير مشددة لضبط عمليات تهريبهم عبر الحدود، بما فيها حوادث عديدة من إطلاق الرصاص على الهاربين. هكذا كان الأمر بالنسبة لاقتحام الغوطة، وهكذا كان بالنسبة لاقتحام جبهتي درعا والقنيطرة، وهكذا أيضاً في ما يخص اقتحام عفرين من قبل الجيش التركي والفصائل التابعة له.

إذاً كانت ثمة مقايضة واضحة لإتمام تلك المعارك، الصفقة الدموية فيها تنص على ألا تؤدي إلى مزيد من اللاجئين إلى خارج الحدود، من المرجح جداً أن المطاف سينتهي بهم إلى الغرب. هذا يفسّر موقف الغرب الصامت، والمُبارِك ضمناً لأي حل يوفّر عليه مزيداً من اللاجئين، حتى إذا كان هذا الحل يعني تعريض حياة أولئك العائدين إلى سيطرة الأسد لمزيد من مخاطر الاعتقال والتصفية. وهو أيضاً ما يفسّر صمت الغرب إزاء معركة عفرين، رغم أن الإعلام الغربي ودوائر صنع القرار لا توفر مناسبة لانتقاد أردوغان، ففي جعبة الأخير حوالي ثلاثة ملايين لاجئ سوري يضعون سقفاً للانتقادات الغربية، بما أنه قادر على إغراق أوروبا بموجة جديدة منهم بمجرد التساهل غير المعلن في إجراءات ضبط الحدود البحرية والجوية، وقد اختبر الغرب ذلك في العديد من المناسبات.

تحريك ملف اللاجئين بدءاً من لبنان والأردن له مقومات إنسانية أقوى، فالبلدان يعيشان أزمات اقتصادية، وصغرهما فضلاً عن مشاكل ديموغرافية سابقة يفاقمان من ثقل اللاجئين عليهما. وإذا كانت تركيا هي الخزان الأكبر للاجئين السوريين في المنطقة فوضعهم فيها هو الأكثر استقراراً بالمقارنة مع باقي دول المنطقة، والكثير منهم يفضّل البقاء فيها على المغادرة إلى الغرب. وضع اللاجئين في المخيمات اللبنانية والأردنية هو عامل ضغط عليهم أيضاً، إذ من المعلوم أن هذه الشريحة هي الأكثر بؤساً قياساً إلى أقرانها في الشتات. هذه المخيمات هي عامل الضغط الأقوى على المنظمات الدولية وبلدان اللجوء، والضغط الإعلامي والمعنوي الذي سُلّط على أهالي المخيمات مؤخراً بهدف ترحيلهم إلى سوريا هو لتخليص تلك الجهات من مسؤولياتها، وبالتواطؤ معها، أي أنه لا يخضع فقط لحسابات داخلية.

إلا أن أهم نقلة في تحريك هذا الملف أتت في قمة هلسنكي بين ترامب وبوتين، وكالعادة أتى استثمار هذه المأساة الإنسانية مدخلاً للتغطية على تفاهمات سياسية أوسع. فبحسب الأخبار التي تولت موسكو تسريبها جرى الاتفاق على إعادة حوالي مليوني لاجئ من لبنان والأردن، وتم سريعاً تسويق الاتفاق باعتباره تطويقاً للنفوذ الإيراني وللمخطط الإيراني للتغيير الديموغرافي في سوريا. لنصبح تالياً أمام معادلة غريبة تنص على أن هؤلاء المهجّرين قسراً والعائدين بنفس الطريقة، لانعدام الخيارات أمامهم، هم أداة لمشروع سياسي بينما تختفي واقعة هروبهم من القمع الأسدي وإعادتهم إليه بلا ضمانات.

طبعاً يتسع ملف اللجوء السوري أسوة بمآسٍ شبيهة سابقة لحالات متباينة، فهناك اللجوء الإنساني هرباً من المعارك بدون انحياز لأحد أطرافها، وهناك أيضاً اللجوء الإنساني الاقتصادي بسبب انعدام الظروف المعيشية، وهناك من هربوا تجنباً للانخراط الإجباري في القتال، فضلاً عن نسبة معتبرة من الذين لا يريدون بأي شكل العودة إلى سوريا وهي محكومة بتنظيم الأسد. ومن الواضح أن مشروع إعادتهم لا يتوقف عند هذه التباينات، ولقد رأينا كيف أُغلقت الحدود الأردنية أمام لاجئين جدد من المؤكد أن خيارهم هو عدم العودة إلى سيطرة الأسد. في كل الأحوال لا يخفى على الجهات الدولية والإقليمية أن المتسبب الأول لأزمة اللجوء الحالية هو الأسد، وتغييب هذه الحقيقة بذريعة النفوذ الإيراني وأولوية مواجهته جائزة ترضية مبتذلة تشبه تقديم حبة مسكّن بدل الجرعة المضادة للسرطان.

كان متوقعاً في الأصل أن يبادر الأسد عندما يُتاح له البقاء إلى الاستثمار في قضية اللاجئين، من أجل تطبيع بقائه سياسياً ومن أجل ابتزاز الجار اللبناني بدايةً، إلا انه لن يكون متلهفاً لإعادتهم بقدر تلهفه إلى إبادة ما يتيسر له من بقية السوريين “المزعجين”. الاستعجال الروسي للاستثمار في هذا الملف، مع استذكار وحشية الطيران الروسي في قصف السوريين وفي قصف المنشآت الطبية، لا يعكس رأفة مستجدة بأحوال السوريين. أما تسويق التوجه الروسي على أنه بعكس تيار التغيير الديموغرافي الطائفي المدعوم إيرانياً فهو أيضاً لا يعكس السياسة الروسية، لا إزاء العلاقة المتشعبة مع طهران ولا إزاء المسألة الطائفية في سوريا.

المفتاح في العملية كلها ما يُسوَّق اليوم حول ضرورة تأهيل البنية التحتية من أجل إعادة اللاجئين، وتعبير “تأهيل البنية التحتية” هو الاسم الرمزي البديل عن إعادة الإعمار. ينبغي أن نتذكر تلك التصريحات الغربية والخليجية التي ربطت سابقاً المساهمة في إعادة الإعمار بتنحية الأسد، وكان ذلك الربط يتضمن أنه في وسع الأسد وحلفائه الانتصار عسكرياً، ووراثة بلد محطم لا تستطيع إيران ولا روسيا المنهكتان اقتصادياً إعادة إعماره، بل سيبقى يشكل عبئاً عليهما، يتقاسمانه مع الأسد المسؤول المباشر عن إعادة بناء ما دمّره.

الالتفاف على المطلب السابق هو بالأحرى عملية احتيال واسعة النطاق، تتفق فيها القوى التي تعمل على إعادة تدوير الأسد، كلٌّ منها من موقعه. هي عملية تستهوي شخصاً مثل ترامب وعموم اليمين الشعبوي بسبب خطابه المعادي للاجئين والمهاجرين، وتستهوي قادة أوربيين من توجهات سياسية مغايرة إذ تعفيهم من إحراج قضية اللجوء في الصراع السياسي الداخلي مع تيارات اليمين، وليس اتهاماً القولُ بأن ما يجمع بوتين مع تيارات اليمين واليسار الشعبوي يتضمن تفضيل إبادة السوريين على عبورهم الحدود. أما من ناحية دول الخليج التي كانت سابقاً تربط مساهمتها المنتظرة في إعادة الإعمار برحيل بشار فقد تحوّل مطلبها منذ ثلاث سنوات إلى إبعاد إيران فقط، والضخ الإعلامي حول تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا يسير في جزء منه لإرضائها ولو لم يكن يعكس تحجيماً حقيقياً على الأرض، إلا أن سياسات هذه الدول من الضعف بحيث تنصاع بسهولة للتفاهمات الدولية، ومع وجود ترامب لا يُستبعد أن تموّل قسطاً ضخماً من عملية الاحتيال.

الأمم المتحدة قامت بدورها على أكمل وجه برعايتها عمليات تهجير قسري في العديد من المناطق السورية، ولن يمانع موظفوها الكبار في استئناف دورها برعاية صفقة معاكسة تخالف القوانين الدولية. التغطية الأممية ستكون جاهزة مثلما هي مطلوبة، لمعرفة جميع أطراف عملية الاحتيال أنها تتنافى مع المواثيق الدولية التي تتضمن عودة طوعية وآمنة للاجئين لا ينتهي مفعولها سريعاً، بمعنى أنها تتحسب لأي عقاب قد يطالهم لاحقاً بسبب مطالبهم السياسية، وهذا في حده الأدنى يتطلب تغييراً سياسياً حقيقياً لا تتوفر مقدماته مع بقاء الأسد. ومع معرفتنا بأن القوانين الغربية تمنع ترحيل اللاجئين بما يتنافى مع القوانين الإنسانية الدولية فإن المتضرر الأكبر من الاستثمار الحالي هم لاجئو المخيمات، أي أن الحلقة الأضعف في المأساة السورية تبقى هي المرشحة لدفع الثمن مراراً.

لقد أثارت يوماً صوة الطفل السوري الغريق إيلان تعاطف الناس حول العالم، وكما هو معتاد في الميديا المعاصرة كان تأثير الصورة قوياً وصادماً، لكنه كان مؤقتاً أيضاً. اليوم، مع التأكيد على حفظ حق كافة السوريين في عودة طوعية آمنة تكفل كرامتهم الإنسانية والسياسية في مواجهة الاحتيال عليها، ربما ينبغي التذكير بصورة إيلان الشهيرة، حيث كان وجهه إلى الأرض في اتجاه البحر، بينما كان نعل حذائه في اتجاه اليابسة.

المصدر: almodon



تنويه : ماينشر على صفحة مقالات وآراء تعبر عن رأي وفكر كاتبه ولاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع